اختراعات وابتكارات مميزة غيّرت العالم – الجزء الأول

0

عندما تتخيل المخترعين والمبتكرين ربما ترى في مخيلتك شخصاً عبقرياً في مختبر ما محاطاً بأجهزة وأدوات مذهلة ومعقدة ويقوم بعمل تجارب وتصميمات وحل معادلات رياضية إلى أن يصل إلى نتيجة صحيحة وفي هذه اللحظة يكشف الستار عن اختراع جديد أو تقنية جديدة قد تغير كل شيء.

جزء كبير مما سبق صحيح، هناك الكثير من التجارب والأبحاث والتصميمات عندما يتعلق الأمر بابتكار جديد ولكن الأمر يتطلب وقتاً أطول مما نظن كما أنه قد يتطلب أكثر من شخص واحد ليقوم بذلك. كما سنرى في الابتكارات العشرة التالية، أحداً منها لم يأتِ من فراغ كل واحد منها ظهر بفضل ابتكارات أخرى لمخترعين آخرين منذ عشرات أو حتى مئات السنين، لكل إبتكار مشكلة ما وقد لا يمثل الاختراع قيمة حقيقية إلى أن يأتي مخترع آخر بحل لهذه المشاكل كما قد لا ينسب كل الفضل للمخترع الأصلي ولكن يكون القدر الأكبر من نصيب المخترع الذي قام بعمل التطوير الحاسم الذي جعل الجميع يرغب في هذا الإختراع.

المحراث

1024px-Ploughmen_Fac_simile_of_a_Miniature_in_a_very_ancient_Anglo_Saxon_Manuscript_published_by_Shaw_with_legend_God_Spede_ye_Plough_and_send_us_Korne_enow

مقارنة ببعض الاختراعات الإلكترونية والتقنية التي تملأ حياتنا اليوم قد لا يبدو المحراث بالشيء المثير للاهتمام على الإطلاق، لأنه مجرد أداة زراعة بسيطة تُستخدم لحفر وحرث التربة بحيث ترفع الطبقة السفلية منها والتي تحتوي على المواد الغذائية والأسمدة الطبيعية نحو الأعلى لتصبح التربة مهيئة بعد ذلك لعملية نثر البذور والزراعة. ومع ذلك من المرجح أن المحراث هو الاختراع الذي جعل كل الاختراعات الأخرى التي سنذكرها ممكنة، لا أحد يعلم من الذي اخترع المحراث ولا تاريخ ظهورة تحديداً ومن المرجح أنه ظهر في عدة مناطق بشكل منفضل ولكن في الفترة الزمنية نفسها وهناك أدلّة تفيد بوجوده واستخدامه في حقبة ما قبل التاريخ. قبيل ظهور المحراث كان البشر إما مزراعين أو صيادين، حياتهم كانت مكرسة بشكل كامل بهدف إيجاد الطعام الكافي الذي يعينهم على النجاه من فصل لأخر، أضافت زراعة الطعام بعض الثبات لنمط حياتهم ولكنها كانت عملية شاقة ومضنية ويلزمها وقت طويل وهنا يأتي دور المحراث الذي غير كل ذلك.

عندما ظهرت الزراعة لأول مرة كانت عصي الحفر والفأس البسيط -يعرف بالغُلاف ويستخدم لجرف كميات صغيرة من التربة فيما يعرف بعملية “العزق”- هي الأدوات المستخدمة في المناطق الخصبة مثل المناطق المحيطة بنهر النيل من أجل عمل الأخاديد التي يتم نثر البذور بها، وقد كان فيضان النهر يجدد شباب التربة ويعيد لها نضارتها من حين لآخر، ولم يكن المعول (الفأس) قد اخترع في مكان بعد وكان الغُلاف هو وسيلة حراثة وفلاحة الأراضي الاستوائية ذات التربة الصخرية والمليئة بالمنحدرات وقد استخدمت بعض المناطق الخنازير والحيوانات لمرغ التربة وحرثها. ولقد مر المحراث بمراحل تطور عديدة لا يتسع المجال لذكرها جميعاً وسنكتفي بأولها والذي استخدمة الفلاح المصري ويعرف باسم “أرض Ard” وكان مدبباً وقوياً بما يكفي لإزالة الصخور وعمل شقوق صغيرة (وليس أخاديد) لنثر البذور وكانت الحيوانات تستخدم لجرة ومزود بأداة للتوجيه وهو مثال للتربة الرقيقة ولكن يعيبه أنه لا يقوم بقلب طبقات التربة.

المحراث الفرعوني
المحراث المستخدم في الحضارة المصرية في 1200 عام قبل الميلاد

جعل المحراث عملية الزراعة أسهل وأسرع والتحسينات والتطويرات اللاحقة بتصميم المحراث جعلت العملية الزراعية أكثر كفاءة بحيث كان بإمكان الناس حصاد ما يزيد عن حاجتهم من أجل النجاة، ومقايضة الفائض لديهم مقابل بضائع وخدمات أخرى مختلفة، وعندما أصبح بإمكانهم الحصول على الطعام عبر المقايضة استغلوا اوقاتهم في أشياء أخرى بخلاف زراعة الطعام مثل إنتاج البضائع المختلفة وتنمية حرف وخدمات كان الطلب عليها متزايداً في ذلك الوقت. عندما ظهرت الحاجة لتجارة وتخزين المواد والبضائع ظهرت اختراعات أخرى جديدة مثل الكتابة، الأعداد، فنون الدفاع والتحصين وأخيراً الجيوش، وعندما بدأ الناس في التجمع من أجل الانخراط في هذه الأنشطة نمت المدن وأصبحت أكبر وبالتالي لا يمكننا إنكار أن المحراث كان بشكل ما سبباً رئيساً في ظهور الحضارة الإنسانية.

العجلة

عربة ذات عجلات من الحضارة السومرية استخدمت في معركة اور قبل 2500 عام قبل الميلاد
عربة ذات عجلات من الحضارة السومرية استخدمت في معركة أور في عام 2500 قبل الميلاد

العجلة أيضاً من الابتكارات القديمة جداً وليست لدينا أي وسيلة لمعرفة أول من اخترعها أو أول حضارة ظهر فيها استخدام العجلة، أقدم عجلة تم اكتشافها كانت بالقرب من بلدة لوبليانا في سلوفينيا وتعود إلى عام 3100 قبل الميلاد ولكن هناك أدلة على وجودها في الحضارة السومرية أو بلاد ما بين النهرين في الألفية الرابعة قبل الميلاد ويرى المؤرخون أنها قد ظهرت لأول مرة منذ 10 آلاف عام قبل الميلاد أي قبل ظهور الزراعة أو صناعة الفخار، ساهمت العجلة في ذلك الوقت في جعل عمليات نقل البضائع والطعام أكثر كفاءة وسرعة خاصة عندما كان يتم تثبيتها في عربات يتم جرّها بواسطة الحيوانات ومع ذلك لو اقتصر استخدام العجلة على النقل لما كانت في قائمتنا اليوم ولم تكن لتستحق لقب اختراع غيّر العالم، بالإضافة إلى أن عدم وجود طرق ممهدة ساهم في الحد من فائدة العجلات في عمليات التنقل بشكل كبير لآلاف السنين.

عجلة قديمة

في الواقع التفسير الفيزيائي لفكرة عمل العجلة أو إحدى تطبيقاتها مثل الدراجة الهوائية قد يطول شرحه بل قد تصيبكم الدهشة إذا أخبرتكم أنّ العلماء لا يعرفون إلى الآن الفكرة الفيزيائية وراء عمل الدراجة الهوائية. العجلة تسهل عملية الحركة من خلال تقليل الاحتكاك بالسطح الملاصق لها كما أن استخدامها مع محور تماثل أو إضافات أخرى يجعل عملية رفع أو تحريك الأشياء الثقيلة غاية في السهولة، العجلات يمكن استخدامها في العديد من الأشياء بجانب تثبيتها في عربات لحمل البضائع أو الناس، عشرات الآلاف من الاختراعات والابتكارات الأخرى تتطلب العجلة كجزء أساسي في مكوناتها لتعمل بدءاً من الدواليب المائية التي تزود الطواحين بالطاقة إلى التروس التي سمحت للحضارات القديمة بصنع آلات وأدوات معقدة. البكرة والسواعد والأعمدة الدوّارة تحتاج العجلة لتعمل، عدد كبير جداً من تقنيات اليوم ما زالت تعتمد على العجلة لتقوم بوظيفتها مثل أجهزة الطرد المركزي في مخابر الكيمياء والتحاليل الطبية والمحركات الكهربائية ومحركات الاحتراق الداخلي ومحركات الطائرات ومحطات توليد الطاقة والعربات بأنواعها والعديد من التقنيات والصناعات الأخرى التي لا تكاد تخلو من العجلات كأحد مكوناتها الأساسية.

الطباعة

قالب خشبي للطباعة من متحف Yangzhou
قالب خشبي للطباعة من متحف Yangzhou

كما ذكرنا في المقدمة في أغلب الأحوال قد ينسب الفضل الأكبر في أي اختراع إلى المخترع صاحب الإضافة الأكثر تأثيراً، الرجل الذي نعتقد أنه اخترع الطباعة جون جوتنبرج في ثلاثينيات القرن الخامس عشر قام في الواقع بتطوير تقنيات كانت موجودة من قبل وجعلها أكثر فائدة وكفاءة لتصبح مشهورة ومنتشرة، في ذلك الوقت كان العالم يعرف الطباعة بطريقة القوالب الخشبية – block printing بالفعل وقد عرفتها مصر في فترة الخلافة الإسلامية في القرنين الثامن والتاسع ويرجح أنها كانت تستخدم قوالب غير خشبية مثل القصدير والرصاص ومنها انتقلت إلى أوروبا، الحضارة الصينية عرفتها أيضاً منذ القرن الحادي عشر ولكن صعوبة وتعقيد لغتهم كان عاملاً في عدم انتشارها إلى أن طوروا نوعاً آخر من الطباعة وهو الطباعة باستخدام “حروف أو أشكال” قابلة للحركة والتعديل بدلاً من القوالب الثابتة والذي يمثل المرحلة الثانية من مراحل تطور الطباعة من أصل 25 مرحلة وصولاً لطباعة اليوم الرقمية.

جمع جوتبرج فكرة الطباعة بطريقة القوالب مع الطباعة باستخدام آلات الضغط – screw press التي كانت تستخدم في إنتاج زيت الزيتون والنبيذ، قام أيضاً بتطوير قوالب معدنية للطباعة والتي كانت أطول عمراً وقدرة على التحمل وأسهل في الصنع من القوالب الخشبية المستخدمة في السابق وفي النهاية ساهمت جهودة في صناعة الحبر والورق بعمل ثورة في عملية الطباعة.

قوالب خشبية للطباعة في دير سيرا Sera Monastery في التيبت
قوالب خشبية للطباعة في دير سيرا Sera Monastery في التيبت

سمحت الصحافة المطبوعة بتسجيل كميات كبيرة من المعارف والمعلومات مما ساهم في انتشارها حول العالم، في السابق كانت الكتب فقط للأغنياء جداً ولكن الطباعة بكميات كبيرة ساهمت في تقليل الأسعار بشكل مؤثر، كما أن الصحافة المطبوعة مسؤولة عن عدد كبير آخر من الاختراعات بطريقة غير مباشرة، إذ أن القدر الهائل من المعرفة التي ساهمت الطباعة في نشرها ووصولها لكل الناس ساعدت على تعليم وتثقيف العديد من الأشخاص بالقدر الكافي الذي يسمح لهم بإبداع اختراعاتهم الشخصية في القرون التالية وحتّى اليوم.

المحرك البخاري

محرك جيمس وات في صورته الأولية
محرك جيمس وات في صورته الأولية

المحركات البخارية تعد محركات احتراق “خارجي” بخلاف محركات الاحتراق الداخلي التي نألفها اليوم في السيارات والشاحنات، وفيه تكون الموائع (ماء أو بخار أو هواء) منفصلة عن عملية الاحتراق كما يمكن استخدام مصادر الحرارة غير المشتعلة مثل الطاقة الشمسية أو النووية أو الطاقة الحرارية الأرضية. الدورة الثيرموديناميكية للمحرك البخاري ببساطة تبدأ بتسخين المائع او الماء إلى أن يتحول إلى بخار داخل حاوية أو غرفة مضغوطة وعندما يتمدد البخار يتسبب في حركة المكابس أو التوربينات وتتولد بذلك الحركة الميكانيكية يتم بعد ذلك تكثيف البخار ذي الضغط المنخفض وضخه إلى غرفة الغليان مرة أخرى.

قبل ظهور المحركات البخارية كانت معظم المنتجات يدوية، كانت دواليب المياه (التوربينات) والحيوانات المستخدمة في جر الآلات والأدوات هي القوى الصناعية الوحيدة المتاحة آنذاك والتي كما هو واضح تعد وسائل محدودة جداً. الثورة الصناعية والتي تعد أعظم تغير حدث في التاريخ القصير للحضارة البشرية كانت تستمد قوتها من المحركات البخارية، مفهوم استخدام البخار من أجل تزويد الآلات بالطاقة اللازمة لتعمل كان مألوفاً منذ زمن بعيد، ولكن ابتكار ثوماس نيوكومن Thomas Newcomen الذي قدمة في عام 1712 كان أكثر الابتكارات التي استغلت تلك الطاقة والقوة بشكل مفيد عبر أول محرك بخاري تجاري يستخدم المكابس واستخدم وقتها في ضخ المياه خارج المناجم، في عام 1769 تمكن جيمس وات من تعديل محرك ثوماس نيوكومن من خلال إضافة مكثف منفصل والذي أدّى إلى زيادة قوى المحرك البخاري بشكل كبير وجعله عملياً بشكل يلائم الوظائف التي يقوم بها، كما أنه تمكن أيضاً في عام 1781من تطوير طريقة لجعل المحرك ينتج حركة دائرية وهي فائدة عظيمة جداً إذ إن أغلب الاستخدامات تعتمد على تلك الحركة الدائرية لذلك يعتبر جيمس وات هو مخترع المحرك البخاري.

Uniflow_steam_engine Steam_engine_in_action

محركا ثوماس نيوكومن وجيمس وات في الواقع استغلا الفراغ الناتج عن البخار المكثف لتحريك المكابس وليس الضغط الناتج عن التمدد البخاري أو تمدد البخار لذلك فقد كانت تلك المحركات ضخمة الحجم، وبفضل المحرك البخاري عالي الضغط الذي طوره ريتشارد تريفيثيك Richard Trevithick وآخرون ظهرت المحركات البخارية صغيرة الحجم ما سمح باستخدامها في القطارات، استُخدمت المحركات البخارية لتزويد المصانع بالطاقة وهو ما جعل عملية إنتاج الأطعمة والبضائع أسرع من ذي قبل بشكل لا يمكن تجاهله كما أنها استخدمت أيضاً في القطارات والسفن البخارية التي حملت تلك الأطعمة والبضائع بين أطراف العالم . بينما استبدلت اليوم المحركات البخارية في قطاعات النقل والمصانع بالمحركات الكهربائية ومحركات الاحتراق الداخلي ولكنها لا تزال ذات أهمية لا يمكن إنكارها، لأن معظم محطات إنتاج الكهرباء تستخدم في الواقع توربينات بخارية لتوليد تلك الكهرباء بغض النظر ما إذا كان يتم تسخين البخار باستخدام حرق الفحم أو الغاز الطبيعي أو المفاعلات النووية.

المصباح الضوئي

مصباح إديسون الأصلي والذي كان يستخدم الكربون وقتها
مصباح إديسون الأصلي والذي كان يستخدم الكربون وقتها

لعلكم لاحظتم أن الفكرة الأساسية لهذا المقال هي أنه لا يوجد اختراع غيّر العالم وأتى نتيجة عبقرية شخص واحد، كل اختراع مذكور هنا بُني بشكل تدريجي من خلال الإضافة والتطوير في اختراعات واكتشافات أخرى وينسب الفضل في النهاية للشخص الذي ساهم بشكل ملحوظ في جعل هذا الاختراع ذي قيمة وفائدة يمكن للناس أن تستفيد منها بشكل مباشر وهذه الفكرة تنطبق أيضاً على المصباح المتوهج الكهربي، بمجرد ذكر المصباح ينتقل تفكيرنا بشكل تلقائي إلى توماس إديسون مخترع المصباح الكهربائي ولكن تجب الإشارة إلى أن عشرات المخترعين والعلماء عملوا على أفكار مشابهة منذ عام 1870، عندما طوّر إديسون مصباحة الضوئي الذي يعتمد على الحرارة كان جوزيف سوان قد توصل لنفس الفكرة في بريطانيا في نفس الوقت وفي نهاية المطاف دمجا أفكارهما في شركة واحدة وأطلقا عليها اسم إديسوان – Ediswan.

فكرة المصباح ذاته تعتمد على مرور تيار كهربائي في سلك رفيع يتميز بمقاومة كهربائية مرتفعة ويعرف باسم filament، الطاقة المفقودة نتيجة مقاومة السلك المرتفعة تخرج على شكل حرارة وضوء ويتم وضع السلك في إطار زجاجي مفرغ أو معبأ بغاز خامل ليمنع حدوث الاشتعال. ربما تعتقد أن المصباح الضوئي قد غيّر العالم لأنه سمح لنا بالعمل ليلاً وفي الأماكن المظلمة وهذا صحيح فعلاً ولكن بجانب ذلك فقد كان المصباح الضوئي في الواقع البنية التحتية الأساسية التي تم استغلالها لإيصال الكهرباء لكل منزل كما أنه اللبنة الأساسية التي قامت عليها تجارة غيّرت العالم.

  المصدر

0

شاركنا رأيك حول "اختراعات وابتكارات مميزة غيّرت العالم – الجزء الأول"

أضف تعليقًا