كثرة التفكير
0

الإفراط في التفكير يؤدي إلى شلل فكري بسبب عملية التحليل المستمر لجميع الأشياء.. من المهم التفكير مليًا في الأمور، لكن يستخدم الكثيرون التفكير كوسيلة لتجنب تنفيذ الأعمال” – روبرت هيرجافيك.

كثرة التفكير مرض نفسي حقيقي، قد يصيب أيٍّ منّا.. جميعنا قد يُفكر كثيرًا من حين لآخر، وذلك ربما شيء طبيعي بالنظر إلى ما يمرّ به كلّ منا، فعندما تواجه مصيبة في يومٍ ما، وتفكر مليًا لتحاول حلّها، ذلك غالبًا تصرّف عاقل لإنسان طبيعي، أما مرض كثرة التفكير المزمن فهو التفكير في أي شيء أو كل شيء وكأنك غارق في دوامة لا نهاية لها.

تلك اللحظة عندما تحاول نسيان ما تفكر به أو تشتيته في رأسك على الأقل، ولكن كل طُرُق تفكيرك تؤدي إليه، تبدأ أفكارك في استجرار بعضها وتقودك إلى حلقة مُفرغة، أما عن نتيجته.. فهي لا شيء سوى الأذى الذاتي العاطفي، وزيادة خطر الإصابة بمشكلات الصحة العقلية.

اقرأ أيضًا: كيف تهزم شبح فرط التفكير Overthinking

الإفراط في التفكير

ما هو الإفراط في التفكير

الإفراط في التفكير هو ببساطة “التفكير كثيرًا“، إعادة التفكير في نفس الفكرة مرارًا وتكرارًا، وتحليل أبسط المواقف والأحداث إلى أن يشعر المفكر بأن درجة التناسب التي يفكر فيها بدأت تختفي. هناك مستويات من الإفراط في التفكير، ويمكن أن يأخذ عدة أشكال:

  • التفكير بلا نهاية في حلقة مفرغة عند اتخاذ قرار، وبعدها ربما يفكر الشخص في التشكيك في قراره بعد كل هذا التفكير.
  • محاولة قراءة عقول الناس والتنبؤ بما يفكرون، والتنبؤ بالمستقبل عند أي فكرة صغيرة.
  • محاولة قراءة وتفسير التفاصيل في كل شيء.

طبعًا، الإفراط في التفكير لا يمكن أن يؤدي إلى نتائج إيجابية، لأنه في الأصل، لا يستطيع العقل المفرط التفكير ترجمة الأفكار السلبية إلى أفعال إيجابية، وبالتالي النتيجة المتوقعة لمُفرط التفكير هي القلق والتوتر الدائمين.

ما الذي يميز التفكير عن كثرة التفكير ؟

التفكير العادي والتحليل المنطقي والبسيط للأمور، يجعلك تصل إلى نتائج منطقية تقودك إلى حلول وأفكار إيجابية، ولا يوجد أدنى شك في ذلك، حتى لو كانت نتيجة التفكير والتحليل سلبية، فأنت ستحاول حلّ ذلك باقتراح الحلول لإنهاء القضية التي تفكر بها وإغلاقها تمامًا.

أما كثرة التفكير فلا تحمل من الأفكار شيئًا سطحيًّا أو مُبهجًا، يفكر في كلام الناس من حوله، يفسّر وجهات النظر المختلفة، ينتقد ما قاله أو ما فعله سابقًا، أو حتى لو كان بالأمس! ويخشى أن يبدو سيئًا ولو بدرجة صغيرة أمام أي شخصٍ كان، ويخاف من المستقبل كثيرًا لذا يُفرط التفكير به.

تُهيمن كلمتي “ماذا لو” و”ينبغي” على عقول مفرطي التفكير، كما لو أن حياتهم عبارة عن محكمة وهم متهمون ولديهم هيئة محلفين تجلس وتقيّم وتحكم حياتهم. كما أنهم يندمون ويتألمون أحيانًا لما ينشرونه على حساباتهم على مواقع التواصل، لأنهم يقلقون كثيرًا بشأن كيفية تفسير الآخرين لمنشوراتهم. لا ينام المفرطون في التفكير جيدًا، ذلك أن اجترار الأفكار والقلق حول كل شيء يبقيهم مستيقظين في الليل.

الآثار السلبية لهذا المرض

غالبًا ما يخلط الناس في العلاقة بين كثرة التفكير وحل المشاكل، فبدل أن يحلّوا مشاكلهم، يجهدون أنفسهم في التفكير فيها وفي جزئياتها. الإفراط في التفكير تصرّف مدمّر ومستنزف للعقل، يجعلك تشعر وكأنك عالقٌ في مكان واحد، لا تتقدّم أبدًا بل على العكس، فيمكن أن يؤثر على حياتك اليومية، حيث يعرّض سعادتك ورفاهيتك وصحتك للخطر، وهذا قد يقود إلى أخطر الأمراض النفسية، الاكتئاب.

اقرأ أيضًا: كيف تتوقف عن القلق بشأن ما إذا كان الناس يحبونك أم لا

الخلطة السحرية للتخلص من كثرة التفكير

والآن، بعدما عرّفنا الإفراط في التفكير وعرفنا الفرق بينه وبين التفكير العقلي الطبيعي، يأتي دور الخطوات اللازم اتباعها للتخلص من هذه الآفة. إليك الخلطة السحرية للتخلص من كثرة التفكير وتعتبر خلطة لأنك يجب أن تقوم بأكثر من نصيحة من النصائح التالية، لا تكتفِ بتنفيذ واحدة بل خذ جرعة من كل بند:

ممارسة التأمل

طرق التخلص من كثرة التفكير
التأمل

مارس رياضة التأمل لتطوير شعور اليقظة لديك. إذا أردنا تعريف التأمل علميًا، فهو القدرة على تطوير الحالة المعرفية للوعي بالحاضر، والعقلية التي تسمح بمعالجة المعلومات بطريقة سلسة تعطي نتيجة، وليس بطريقة محاكمة النفس.

مارس التأمل أو ما يمكننا تسميته “اليقظة الذهنية”، فعند ممارسة التأمل، ستخلق لنفسك مساحة خاصة، مساحة للتفكير والتنفس بعمق، مساحة بينك وبين ردود أفعالك، أي وكأنك تتحدث مع نفسك. لست بحاجة لشراء أي شيء لممارسة التأمل، فقط خصص مساحة مناسبة في بيتك أو مكان عملك وبعض الوقت يوميًا، وركز في اللحظة الحالية بعد بدء التأمل.

كيف نمارس رياضة التأمل؟

  • ابحث عن مساحة أو مكان هادئ ومناسب.
  • ضع حدًا زمنيًا للممارسة، مثلًا 5 دقائق أو 10.
  • بدء وضعية التأمل: أهم ما في هذا البند هو ملاحظة جسمك وأخذ وضعية مريحة، سواء الجلوس على كرسي، أو الجلوس بوضع القرفصاء، أو حتى الركوع، المهم أن تتأكد بأنك في وضعية تسمح لك البقاء متأملًا أطول فترة ممكنة بدون ألم.
  • حاول أن تشعر بأنفاسك عند التقاط الشهيق والزفير واتبعها وركز عليها.
  • تابع عقلك ولا تجعله يشرد: حتمًا، سيتركك دماغك لوهلة ويتجول في أماكن أخرى، ركز، وعندما تلاحظ ذلك سواء خلال ثوانٍ أو دقيقة، ببساطة، أعد انتباهك إلى التنفس والجلسة، لا تجعله يذهب بعيدًا. قد يتكرر ذلك، لا بأس، كن لطيفًا مع عقلك وأعده بضع مرات فهذا هو مغزى ممارسة التأمل، إعادة الذهن إلى وضعه الطبيعي وعدم التفكير كثيرًا.

ماذا يحدث عندما نبدأ التأمل؟

بينما أنت في جلسة التأمل تتدرب على الانتباه إلى ما يحدث في جسدك وعقلك حاليًا، ستجد أن هناك العديد من الأفكار التي تتعبك قد تقطع عليك جلستك، شيءٌ ما ينغصك أو شيء حدث معك في الأمس وأزعجك، باختصار سيحاول عقلك الابتعاد عن جلستك وهذا شيء طبيعي جدًا، الأهم من ذلك كله هو ملاحظة شرود العقل وإعادته في كل مرة، وهذا ما يؤدي إلى دماغ أكثر صحة ومرونة.

الجزء الثاني من العمل هو عدم الاستماع إلى الدماغ عندما يبدأ في حكمه علينا كمذنبين، كلنا مذنبون إذا ما استمعنا إلى عقلنا والناقد الذي يكلمنا منه، والتفاعل بالإحساس بالذنب، هذا طبيعي أيضًا، والحل هو التفاعل مع الموضوع فقط، لاحظ إصدارك الأحكام على نفسك، وتعرّف على أحاسيسك وما تشعر به في جسدك عندما تتذكرها، ثم ببساطة اتركها تمر.. وكأنك نبهت نفسك فقط ألا تفعل ما فعلته وأحسست أنك مذنب بفعله، مرة أخرى.

تنفيذ بعض تقنيات الاسترخاء

كثرة التفكير
تنفيذ بعض تقنيات الاسترخاء

كما قلنا، تؤدي كثرة التفكير إلى الإصابة بالقلق، فيمكن أن تساعد تقنيات الاسترخاء على تقليل القلق واكتساب شعور التحكم بالموقف والتركيز بشكل أكبر. إليك بعض التقنيات للمساعدة على الاسترخاء:

  • التنفس العميق: خذ نفسًا عميقًا واجعله يملأ حجابك الحاجز، احبس أنفاسك وأنت تعد للثلاثة ببطء ثم حرر الهواء ببطء أثناء الزفير.
  • استخدام المخيّلة: يمكنك استخدام تصوّر الأحداث أو التخيّل كاستراتيجية للاسترخاء والتخلص من كثرة التفكير. فقط أغلق عينيك وضع كفيك عليهما، بحيث تكون راحتي الكفين على العينين والأصابع على الجبهة، ثم تخيّل مكانًا مريحًا بالنسبة لك (حقيقيًا أو خياليًا) وتخيل ما يحلو لك.
  • ممارسة اليوغا: يمكن أن تقلل ممارسة اليوغا من إفراز هرمون التوتر (الكورتيزول) وأعراض القلق.
  • الحديث الذاتي الإيجابي: ببساطة، تحدث إلى نفسك عن نفسك، عن إيجابياتك، ما هي ميزاتك، لا تخف فذلك ليس جنونًا، بل تزويد دماغك بجرعة من الثقة بالنفس وعدم الاستسلام لكثرة التفكير بالسلبيات.

اعمل على إشغال نفسك دائمًا

كثرة التفكير
اعمل على إشغال نفسك دائمًا

وذلك بالتركيز على أشياء لتفعلها دومًا، لا تستلقِ وتبحلق في سقف منزلك، أو تجلس دون فعل أي شيء، خذ كتابًا واقرأ، فيمكن للقراءة أن تساعدك على تشتيت انتباهك والاسترخاء. طريقة أخرى وهي أن تتحدى نفسك للتركيز أكثر في مجال عملك.. ما مقدار ما يمكنك إنجازه خلال يوم واحد؟ حاول إلهاء نفسك دائمًا، وإذا شعرت بالملل من العمل فلا بأس، لا بد وأنه لديك هواية أخرى غير القراءة، ممارسة الرياضة أو الذهاب إلى الحديقة مع صديق أو غيرها..

جرّب أن تركّز على شيء آخر!

يُقال “الضرّة مرة”، وكمثال صغير، إذا كنت تفكر في “فيل” وطلبت منك أن تتوقف عن التفكير فيه، ماذا ستفعل؟ إذا فكرت بأن لا تفكر في الفيل، فستفكر فيه حتمًا وذلك لن ينفع، بدلًا من ذلك، فكر بسلحفاة. إن إخبار نفسك بألا يكون لديك فكرة معينة ليس السبيل لعدم امتلاكك لهذه الفكرة.

حدد وقتًا لتقلق فيه!!

الإفراط في التفكير
حدد وقتًا لتقلق فيه!!

قد يبدو هذا غريبًا، هل هناك من يحدد وقتًا ليقلق فيه وكأن ذلك فرض؟ عزيزي، مَن لا يعاني من كثرة التفكير فلا داعي لأن يحدد وقتًا يقلق فيه، أما مَن يعاني من إفراط التفكير فسيكون من المُجدي أن يقلق في وقتٍ معين بدلًا من أن يمضي كل نهاره وليله في إفراط التفكير والقلق.

في دراسة أجرتها الدكتورتان سارة كيت ماكجوان (Sarah Kate McGowan) وإيفلين بيهار (Evelyn Behar) وصدرت في مجلة تعديل السلوك الأكاديمية، شملت الدراسة 53 شخص يعانون من اضطراب القلق العام، وقُسم الأشخاص إلى قسمين، جَدول البعض قلقهم لمدة 30 دقيقة يوميًا، والبعض الآخر بقوا يقلقون بحرّية طوال اليوم. أظهرت النتائج أن المجموعة التي حددت قلقها في اليوم، عانت من القلق بشكل أقل بكثير من تلك التي بقيت حرة. يستغرق الأمر حوالي أسبوعين حتى يشعر المرضى بالراحة.

جرّب أن تكتب ما يجول في بالك

الإفراط في التفكير
جرّب أن تكتب ما يجول في بالك

يمكن أن يكون تدوين مخاوفك واهتماماتك التي تفكر كثيرًا فيها علاجًا لك، حيث أن كتابة مشاعرك يقلل من الضغط النفسي والإجهاد حكمًا، فأنت تنقل الضغط من جسدك إلى الورقة أو اللابتوب، وذلك يتيح مساحة في عقلك لمزيد من الإنتاج في الأشياء التي تحبها. بمجرد إغلاق كمبيوترك او دفتر يومياتك بعد الكتابة، تحرر من الأفكار السلبية التي كتبتها واستمر في يومك. جرّب أيضًا أن تخصص دفترًا للامتنان الذاتي، دون كل إيجابياتك واقرأها دائمًا.

عوّد نفسك على تحمّل المسؤولية

يميل الذين يعانون من كثرة التفكير والقلق، أو بمعنى أصحّ، تقودهم غريزتهم، إلى اعتبار أي موقف غير معروف سواء كان خطيرًا أم لا، إلى اعتباره خطيرًا حكمًا، حيث يعتقدون أن القلق حول أي شيء يساعدهم على الاستعداد للأسوأ وحل المشكلات، وذلك ليس صحيحًا، بل يجب تحمّل المسؤولية واستقبال السعادة برحابة صدر والتعاسة ببعض التحمل.

اقرأ أيضًا:  ليست مخدرات: سلوكيات إدمانية مضرة للغاية تجنبها وحاول التعافي منها إن كانت لديك إحداها

0

شاركنا رأيك حول "الخلطة السحرية للتخلص من كثرة التفكير!"

أضف تعليقًا