لغز الزمن

0

بعض الناس يقول إن الوقت يطير، الوقت من نقود، نحن نهدر الوقت، نحن نقتله؛ لكن ماذا نعرف فعليًا عن الوقت أو الزمن؟

يبدو الزمن مثل النهر، كأنه يتدفق بلا نهاية لحظة بلحظة ولا يمكن إيقافه، ھناك أمر وحید مؤلم في وضوحه بالنسبة لنا جمیعاً، ھو أن للزمن اتجاه. إنه يخطو قدماً بانتظام مرعب، ولیس ھناك من سبیل لإعادته إلى الوراء.

الزمن يطير

من وجھة نظر فیزيائیة، يمثل اتجاه الزمن ھذا لغزاً، كبيراً وحل ھذه الأحجیة ھو ليس فقط مهمة الفيزيائيين بل والفلاسفة أيضاً.

يبدو الزمن وكأنه يتدفق في اتجاه واحد فقط …باتجاه المستقبل، في الواقع هذا اعتقاد خاطئ تماماً. لقد أظهرت الاكتشافات في القرن السابق أن كل ما نعرفه عن الزمن مجرد وهم، فبعكس ما كنا نعتقد، الزمن لايتدفق إطلاقاً. ربما ماضينا موجود في مكان آخر من الكون… مستقبلنا من الممكن أن يكون موجوداً الآن … أثبت أينشتاين أن الزمن من الممكن أن يتسارع، يتباطأ، يتوقف، أوحتى يرجع ولكن كيف؟ إنه شيء مألوف جداً بالنسبة لنا كيف يمكن أن نكون مخطئين بشدة حياله؟ ولكن إن كان الزمن ليس كما هو فما هو الزمن؟ من أين أتى؟ هل سينتهي؟

الزمن

معظم الناس ينظرون إلى الزمن نظرة سطحية، فهم يظنون الزمن شيئاً ثابتاً، الساعة تدق بنفس السرعة بنفس الوتيرة في كل الأرجاء، حتى لو توقف كل شيء عن الحركة، من السيارات إلى الكواكب أو حتى الضوء فإن الزمن ثابت. هذا ما بدأه الأب الروحي للعلوم الحديثة إسحاق نيوتن وهذا من المؤكد اعتقاد خاطئ.

كان الزمن بالنسبة لنيوتن شيئاً ثابتاً تماماً وتغيره ثابت في نفس المعدل. الزمن فقط يتقدم ولا يمكن إيقافه أو فعل أي شيء حيال ذلك، كل لحظة تأتي مرة واحدة فقط… رغم منطقية نيوتن إلا أن أينشتاين أثبت أنها غير صحيحة.

اكتشف أينشتاين أن الزمن يتقدم بسرعات مختلفة، وكما يبدو من اكتشافه الغريب أن الزمن قد لا يكون بالنسبة لي مماثلاً لما هو عندك، يمكننا القول إن اكتشاف أينشتاين سحق مفهوم نيوتن للواقع…. وصل أينشتاين لهذا الاستنتاج عندما اكتشف علاقة مخيفة بين الزمان والمكان.

وباكتشاف هذه العلاقة أدرك أنه لا يمكننا أن نفكر بالزمان والمكان كوحدتين منفصلتين، بل يجب أن نفكر بهما كوحدة واحدة غير متجزئة وهذا كان بداية مفهوم “الزمكان Spacetime”.

السفر عبر الزمن

في حياتنا اليومية نشعر في الزمن كتدفق مستمر، ولكن من المفيد أيضاً أن نفكر فيه كلقطات متتابعة من المشاهد أو اللحظات وكل شيء يحدث يمكن تصوره على أنه تتابع لحظة بعد لحظة، وإن كان بإمكاننا تصور كل اللحظات أو المشاهد مصفوفة بالتتابع، كل لحظة على الأرض وكل لحظة من دوران الأرض حول الشمس وكل لحظة تمر على كل ذرة في الكون بأجمعه فسيكون بمقدورنا أن نرى كل شيء، ليس فقط في الحاضر بل في الماضي أو حتى في المستقبل، كل موقع في الفضاء وكل لحظة من الزمن من ولادة الكون قبل 14 مليار عام إلى تكون النجوم في درب التبانة إلى تكون الأرض منذ 4.5 مليار الى ظهور الديناصورات حتى نصل إلى هذه اللحظة وأنت تقرأ هذه الكلمة.

بنظرته للزمان والمكان بهذه الطريقة غير أينشتاين فكرتنا عن الماضي والحاضر والمستقبل، لتوضيح هذا علينا أن نفكر في مفهوم “الآن” والذي يبدو كأول وهلة بديهياً وبسيطاً….. بالنسبة لي لو قمت بعد الأحداث التي تتضمن “الآن” فستضم دَقة وقت الظهيرة على ساعة الجدار، سيارة تمر “الآن” في الشارع مقابل منزلي، وأشياء أُخرى بعيدة عني مثل: حمامة ترفرف بجناحيها “الآن” في مدينة البندقية وشهاب يصطدم “الآن” بالقمر وانفجار مستعر أعظم في أقاصي الكون. هذه الأحداث وغيرها هي التي أتصور أنها تحدث في نفس اللحظة، وفي أماكن متفرقة من الكون تلخص ما نسميه “الآن” أو الحاضر.

يمكننا تصور هذه الأحداث متواجدة على شريحة واحدة من الزمن ولنسميها (شريحة آنية). المنطق يقول إننا جميعا متفقون على ما يحدث الآن أو ما هو متواجد الآن، لحظة بعد لحظة. بمعنى أخر جميعا نُجمع على ما تحتويه شريحة واحدة من الشرائح الآنية، ولكن أينشتاين أثبت أنه عندما ناخذ الحركة بعين الاعتبار فإن كل ما كنا نعتبره طبيعياً يتلاشى تماماً.

أينشتاين

لتوضيح هذا تَصور المكان والزمان كرغيف خبز، أدرك أينشتاين أنه بالإمكان تقطيع رغيف الخبز إلى شرائح بطرق مختلفة، توجد أيضاً طرق مختلفة لقطع الزمان بطرق وزوايا مختلفة، ذلك لأن الحركة تؤثر على تدفق الوقت فكل من يتحرك ستكون له نظرة مختلفة لما يحدث “الآن”، لذلك سيقطعون الزمن إلى شرائح آنية مختلفة، فشرائحهم ستكون بزوايا مختلفة، إذ إن الجسم المتحرك سيغير زاوية القطع وبالتالي ستكون الشرائح الآنية مقطوعة بزوايا مختلفة ولن تكون موازية لشرائحي الآنية.

كي نبسط هذه العملية الغريبة، فلنتخيل مخلوقاً فضائياً هنا في مجرة تبعد عنا عشرة مليارات سنة ضوئية، وبعيداً هناك على كوكبنا رجل جالس على الأريكة يقرأ الجريدة، إذا كان الاثنان جالسين في مكانهما فإن ساعتيهما تدقان في نفس الوتيرة، فسيكونان على نفس الشريحة الآنية التي تُقطع خلال الرغيف، لكن انظر ماذا سيحدث اذا قام المخلوق الفضائي بركوب دراجته الهوائية مبتعداً عن أرضنا بما أن الحركة تقلل من سرعة الوقت فإن ساعتيهما لم تعودا تدقان بنفس الوتيرة، وبما أن ساعتيهما لم تعودا متفقتين فإن شريحتيهما الآنية لم تَعد نفسها أيضاً. الشريحة الآنية للمخلوق الفضائي تقطع بزاوية مختلفة حيث أصبحت باتجاه الماضي. بما أن المخلوق الفضائي يتحرك بسرعة قليلة فإن زاوية القطع أيضاً صغيرة، لكن لمثل هذه المسافة الكبيرة فسيكون الفارق الزمني كبيراً جداً في النهاية، لذلك فإن المخلوق الفضائي في شريحته الآنية الخاصة به والتي يعتبرها تحصل على كوكب الأرض سيجد أنها لم تعد تحتوي على الرجل الذي يجلس على أريكته ولا حتى قبل 40 عاماً عندما كان الرجل طفلاً بل ومن المدهش أن شريحة المخلوق الفضائي الآنية قد تراجعت 200 عاماً لما نعتبره اليوم ماضياً بعيداً، مثل بتهوفن ينهي سيمفونيته الخامسة.

حتى في سرعات بطيئة نسبياً يمكننا الحصول على مفارقات شاسعة عن ما نسميه “الآن” حينما نكون متفرقين بأبعاد شاسعة في الفضاء. إن لم يكن هذا غريباً جداً بالنسبة لك فإن اتجاه الحركة له تأثير أيضاً فإذا غير المخلوق الفضائي اتجاهه فإن شريحته الآنية ستكون نحو المستقبل محتوية أحداثاً لم تحدث بعد على كوكبنا لـ200 عام مقبل. فقد يكون حفيد حفيد حفيد الرجل مسافراً من باريس إلى نيويورك عبر الناقل الفوري.

لحظة إدراكك أن حاضرك قد يكون ما اعتبرته أنا الماضي، أو أن حاضرك قد يكون المستقبل عندي وأن حاضرك وحاضري واقعيان عندها سنعلم أن الماضي حقيقة وأن المستقبل حقيقة وقد يكونان حاضرك يعني ذلك أن الماضي والحاضر والمستقبل جميعها حقيقة واحدة، جميعها موجودة إن صدقت قوانين الفيزياء.

فالمستقبل والماضي موجودان كوجود اللحظة الحالية، الماضي لم يتلاش والمستقبل موجود حالياً، فالماضي والحاضر والمستقبل متواجدون بنفس الطريقة.

نفق دودي

كما يمكننا تصور الفضاء متواجداً هناك بأسره يجب علينا أن ندرك أيضاً أن الزمن موجود بنفس الطريقة، فكل شيء حدث وسيحدث متواجد، ابتداءً من تكون الأرض قبل نحو 4.5 مليار عام مروراً بليوناردو دافنشي يضع آخر لمساته على الموناليزا إلى أول يوم لك في المدرسة مروراً بأحداث لم تحدث بعد مثل نزول أول شخص على المريخ.

بهذه البصرية الجريئة حطم أينشتاين مبادئنا التي كنا نفهم بها الزمن التفريق بين الماضي والحاضر والمستقبل كما قال مَرة (مجرد وهم) رغم ظننا ببديهيته.

السؤال الآن هل نستطيع حتى أن نتصور نظرية تُفسر كل ما يمكن أن نعرفه عن الكون؟

يسعى الفيزيائيون إلى إيجاد صيغة تفسر كل الظواهر التي تحدث في الكون في نظرية واحدة. هذه النظرية يجب أن تربط بين القوى الأساسية الأربعة المعروفة لتفسر كل شيء وهي:

  1. الجاذبية
  2. النووية الشديدة
  3. النووية الضعيفة
  4. الكهرومغناطيسية

لكن الحقيقة، هي لن نستطيع أن نعرف. هناك نتيجة رياضية، تدعى “نظرية مانشاك” Manchak’s theorem، تنص على أنه من المستحيل معرفة كل شيء عن طبيعة الكون. لب هذه النظرية هو أنك تستطيع إدراك الأشياء التي مضت، ومن بين هذه، تستطيع فقط أن تدرك تلك التي لا تتطلب نقل المعلومات بسرعة تفوق سرعة الضوء لكي تتمكن من إدراكها. السبب في ذلك، كما لاحظ أينشتاين، هو أن الضوء يضع حداً كونياً أقصى للسرعة.

هذا يعني أنك تستطيع فقط إدراك الأشياء ضمن ما يسمى (المخروط الضوئي الماضي) past light cone الخاص بك، كل مجموعة الزمكان التي تستطيع أن تُرسل لك إشارة تنتقل بسرعة لا تزيد عن سرعة الضوء. وإذا أخذت في الاعتبار ما يفرضه هذا القيد من حدود، فحتى لو كانت لديك معرفة كاملة عن مخروطك الضوئي الماضي، فإنك لن تعرف شيئاً عن الشكل العالمي للزمكان. إن نظرية مانشاك هي نظرية حزن وتشاؤم.

للمزيد يمكنك مشاهدة هذا الوثائقي “وهم الزمن”

Notice