نيكولاي فافيلوف لينينغراد
0
كان حصار لينينغراد الذي بدأ من سبتمبر 1941 حتى نهاية يناير 1944 أحد أبشع مظاهر الحرب على مر التاريخ البشري والذي استمر لمدة 872 يومًا نفذ فيها النازيون أمر هتلر “يجب أن تموت لينينجراد من الجوع!”.

مجاعة روسية
حصار لينينغراد: علماء اختاروا الموت جوعًا بالرغم من وجودهم داخل أكبر مخزن للطعام! – مدينة لينينغراد مدمرة أثر الاحتلال النازي

وبالفعل نجح النازيون بتنفيذ تلك الأوامر وقطع كل الإمدادات العسكرية للجيش الأحمر (جيش الاتحاد السوفييتي) وكذلك الإمدادات الغذائية للمدنيين. كان الناس يموتون جوعًا فعليًا، ويقدر اليوم مجموع قتلى ذلك الحصار بحوالي 1,642,000 ضحية، من بينهم 642,000 مدني!

قُصّت العديد من الحكايات حول المدنيين المساكين الذين حضروا ذلك الحصار، الآلاف الذين كانوا يموتون من الجوع، ومحاولة البقاء على قيد الحياة من خلال أكل نشارة الخشب، والآخرين الذين كانوا يتجمدون من البرد القاسي في لينينجراد أثناء محاولاتهم للمشي بضعة كيلومترات للوصول لأماكن الإمداد، حتى أن بعض القصص المثبتة نشرت بعام 2004 تثبت محاولات حقيقية لأكل لحوم البشر.

 الشدة المستنصرية التي دفعت المصريين لأكل لحوم بعضهم البعض… حرفيًا!

مجاعة روسية
حصار لينينغراد: علماء اختاروا الموت جوعًا بالرغم من وجودهم داخل أكبر مخزن للطعام! – صورة من مجاعة لينينغراد

ولكن بعيدًا عن ذلك كله، فإن أكثر القصص إثارة بين كل تلك القصص هي قصة مجموعة العلماء التي لم تقبل أن تتناول شيئًا من الطعام في ظل تلك المجاعة، عندما نجح النازيون بدخول المدينة الكبيرة (وهي اليوم مدينة بطرسبرج الروسية) وتدمير كل معلم ومزرَعٍ بها، تمكن بعض العلماء الروس من التسلل لداخل قبو يعرف بقبو “فافيلوف” والذي كان يستخدم لحفظ بعض البذور والنباتات الصالحة للأكل، كأحد أكبر مستودعات المحاصيل بالعالم كان به حوالي 200,000 نوع من النباتات، ربعها كانت صالحة للأكل، وهو ما يكفي هؤلاء العلماء لسنوات من هذا الحصار.

وزعت مجموعة العلماء نفسها في 16 غرفة من المستودع، لم يسمح العلماء لأي واحد منهم من البقاء بمفرده، كانوا يحرسون المخازن في نوبات من الهلع والذعر في لحظات الحصار، وفيما بعد بدأ هؤلاء الأبطال بالسقوط واحدًا تلو الآخر دون التفكير في أكل حبة واحدة. توفي في يناير 1442 عالم النباتات دميتري إيفانوف من الجوع وهو محاط بآلاف من عبوات الأرز التي كان يحرسها، وبنهاية الحصار بربيع 1944 كان تسعة من العلماء قد ماتوا وهم يراقبون كل هذا الكم من الطعام، العديد من المحاصيل المهجنة التي نأكلها اليوم لم تكن لموجودة لولا قيام هؤلاء العلماء بالحفاظ عليها.

نيكولاي فافيلوف، البطل الذي قتلته الشمولية

كان المستودع الذي مات فيه العلماء هو مستودع نيكولاي فافيلوف الضخم، كان فافيلوف واحدًا من أكبر علماء الزراعة في التاريخ البشري.

سافر فافيلوف في حياته لخمس قارات مختلفة لدراسة النظام البيئي العالمي للغذاء، وأطلق على هذه الرحلة “مهمة لأجل كل الإنسانية Mission for all Humanity” وأجرى فيها آلاف التجارب في الهندسة الوراثية يحاول فيها زيادة الإنتاج الزراعي، حتى عندما كانت روسيا تمر بالمجاعات في ظل حكم الاتحاد السوفييتي وكذلك في ظل الثورات وعمليات النهب الضخمة، ظل فافيلوف محتفظًا وحاميًا لبذوره ونتائج تجاربه في معهده لصناعة النباتات.

نيكولاي فافيلوف
نيكولاي فافيلوف

كان أمل فافيلوف وحلمه هو مستقبل جميل يمكن فيه أن تزدهر الزراعة بأقصى شكلٍ ممكن، لتقضي الإنسانية على أحد أكبر العوائق التي طالما واجهتها: الجوع.

فافيلوف كان من أوائل علماء الزراعة الذين فكروا في الاستماع حقًا لمشاكل المزارعين أنفسهم بدلًا من القراءة عنها، لذا سافر في جميع أنحاء العالم ليسألهم عن تجاربهم مع تنوع بذور حقولهم.

“جميع مفاهيمنا حول التنوع البيولوجي والحاجة للتنوع في الأطعمة في أطباقنا للبقاء بصحة جيدة لم تنشأ إلا منذ 80 عامًا على يد هذا الرجل، إذا كان هناك عدالة كان ليكون مشهورًا كداروين أو بوربانك.” – غاري بول نبهان، عالم أعراق (إنثولوجيا) ومزارع.

صدّر القمح للخارج ومات الناس في أوكرانيا جوعًا.. حكاية مجاعة أوكرانيا وديكتاتورية ستالين

علم ستالين الزائف الذي قتل فافيلوف

أراد فافيلوف بشدة أن يزيد إنتاجية المزارع الروسية للقضاء على المجاعات المتكررة في عصر ستالين، لذا دافع عن نظرية علمية مشهورة وهي نظرية مندل للوراثة القائلة بأن الجينات تنتقل دون تغيير من جيل إلى آخر، ليصبح الخصم الرئيسي لعالم ستالين المُفضل، الأوكراني تروفيم ليسينكو، الذي لم تعجبه نظريات مندل للوراثة وخلق نظريات خاصة به، تعرف اليوم على أنها نظريات “علم زائف”.

طور ليسينكو نظرية علمية خاصة به سماها حينئذ “اليسينكووية Lysenkoism” وكانت تعرف باسم “ضد المندلية”.

ليسينكو حصار لينينغراد
حصار لينينغراد: علماء اختاروا الموت جوعًا بالرغم من وجودهم داخل أكبر مخزن للطعام! – ليسينكو، العالم الذي دعمه ستالين

أدى اتباع سياسات ستالين لنظرية ليسينكو الفاشلة إلى العديد من المجاعات الإضافية بالاتحاد السوفييتي، وانخفضت المحاصيل بجميع أنحاء البلاد، احتاج ستالين كبش فداء ليبرر به السبب لملايين الجوعى وأسر الآلاف من الموتى، وكان كبش الفداء هو فافيلوف والذي، من وجهة نظر ستالين طبعًا، كان سببًا في تلك المجاعات لأنه يختار “أفضل عينات النبات” في أبحاثه، ويترك لنا الحبوب السيئة.

اعتقلت المخابرات الروسية فافيلوف أثناء جمعه للبذور على الحدود الروسية في وسط أحداث الحرب العالمية الثانية، لم يعرف أحد حينئذ ما حدث له، بما في ذلك ابنه وزوجته.

وقبل محاكمته أخضعته شرطة ستالين إلى 1700 ساعة من الاستجواب الوحشي على مدار 400 جلسة (كان يستمر بعضها لمدة 13 ساعة) سعيًا للحصول على اعتراف منه أنه السبب في كل تلك المجاعات، على عكس جاليليو، لم يوافق فافيلوف على الاعتراف بشيء كان يقول “سنذهب للمحرقة، سنحترق، ولكننا لن نتراجع عن قناعاتنا”.

نيكولاي فافيلوف لينينغراد
صورة لينكولاي فافيلوف أثناء سجنه، تظهر آثار ضرب وتعذيب على وجهه 

“بعد أكثر من عام ونصف عام من تناول الطحين المتعفن يوميًا، مات الرجل الذي علمنا الكثير عن مصادر طعامنا، والذي حاول لأكثر من 50 عامًا إنهاء المجاعة في العالم، مات من الجوع”. – غاري بول نبهان، عالم أعراق (إنثولوجيا) ومزارع.

ما هو اقتصاد المعسكرات الذي ازدهر في معسكرات اعتقال الاتحاد السوفيتي؟

0

شاركنا رأيك حول "حصار لينينغراد: علماء اختاروا الموت جوعًا بالرغم من وجودهم داخل أكبر مخزن للطعام!"

أضف تعليقًا