لماذا التفكير ثقيل على الإنسان؟ وكيف تسهله على نفسك؟

0

لعل أكبر لغز واجه عقل الإنسان هو عقل الإنسان. هذا العقل البشري الذي فُضلنا به على سائر أمم الحيوان وممالكه، والذي استطاع به الإنسان أن يبلغ ما بلغه من تكنولوجيا وعلوم تشعبت حتى لا تكاد تعد، ثم لم يعجزه إلا أن يعرف نفسه، وكيف يعمل. فإن كان الكون لغزًا، فإن العقل على صغره وبساطته لغز أكبر. وقد كنت أريد أن أتكلم عن العقل كله بجميع وظائفه وأعاجيبه، ولكن خشية أن يطول المقالُ ويسأم القارئُ جعلته عن الذاكرة والتعلم وحدهما، ثم وصلت هذا بأثر التعلم في التفكير، وأثر الحفظ والذكر في الفهم والفكر. وبثثت خلال المقال إبطالًا لبعض الأوهام المتعلقة بالحفظ، وبالتعلم، وحِيَلًا تعين الطلبة على استخدام هذه المعلومات في الطلب والمذاكرة.

Brain

خلافًا لما قد تتوقع، فإن العقل لم يصمم للتفكير، بل صمم ليريحك منه، لأن العقل في الحقيقة ليس جيدًا جدًا فيه. فالتفكير عملية بطيئة لا يعتمد عليها. فانظر إلى المفارقة العجيبة، لو سئل الناس ما الشيء الذي يفصلنا عن باقي الحيوانات؟ لقالوا التفكير، ومع ذلك فالعقل ليس جيدًا جدًا فيه، بل هو مرهق مُكِدُّ للعقل ثقيل عليه، وعلى ذلك قال هنري فورد:

“التفكير هو أصعب الأعمال، ولعل هذا هو السبب في قلة من يخوضون فيه”

وقال برتراند رسِل:

“معظم الناس يؤثرون أن يموتوا على أن يفكروا، بل في الحقيقة هم يفعلون ذلك”

وقال توماس إيدسون:

“خمسة بالمئة من الناس يفكرون، وعشرة بالمئة يظنون أنهم يفكرون، أما الخمسة والثمانون الباقون فيؤثرون أن يموتوا على أن يفكروا”

كل هذه الأقوال تدل على أننا وإن كنا فُضلنا على سائر الحيوانات بالتفكير، فإنا نمارسه قليلًا.

وتفسير هذا عند علماء المعرفة، فإنهم يقولون إن الإنسان لا يفكر كثيرًا لأن عقله لم يُهيَّأ للتفكير بل لاجتناب التفكير. فالتفكير ليس متعبًا فقط كما في هذه الأقوال، بل لا يُعتمد عليه كذلك. فالتفكير ثقيل لأنه بخلاف أعمال العقل الأخرى كوعي ما يُرى ويسمع والمشي قائمًا والاتزان وغير ذلك يحتاج إلى تركيز. فإنك لا تحتاج كي ترى أن تركز أو أن تشغل عقلك به، بل ما هو إلا أن تفتح عينيك حتى يعالج العقل كل ما ترى وتعي كل ما حولك. وكذلك السمع، وإن كان يختلف عن الإبصار بأنك لا تحتاج إلى فتح أذنك كي تسمعَ ويبلغَ المسموع العقل  ليَعِيَه. وكذلك الاتزان والاعتدال الذي منَّ الله على الإنسان به فقال: “الذي خلقك فسواك فعدلك” فهذا العدل أمر صعب للغاية، فضلنا به على الحيوانات.

فكل هذه العمليات وغيرها على صعوبتها لا تأخذ منا جهدًا كي نؤديها، وهي تحتل أكبر مساحة المخ. وإذا أردت أن تعرف شدة هذه العمليات وصعوبتها فانظر إلى الحواسيب والروبوتات التي اخترعت، فقد آتيك بحاسوب يحل أعقد مسائل الرياضيات، أو يغلب جميع حُذَّاق الشطرنج، ولكن أن آتي بحاسوب أو روبوت يمشي، أو يعي ما حوله، ويفهم ما يسمع فهذا شيء لا تجده إلا في الأفلام، وإن كان العلماء خطوا في سبيل ذلك بعض الخطوات، فعملوا المساعد الشخصي للأيفون “سيري”، ولويندوز 10 “كورتانا”، والحاسوب الذكي “واتسون” القادر على الإجابة عن أسئلة تُطرح بلغة البشر. فالتفكير عملية صعبة عسيرة، تحتاج إلى تركيز وتفرغ له. فلا تحتاج إلى أن تركز كي ترى أو كي تسمع، بل ترى وتسمع وأنت تعمل شيئا آخر، ولكن تحتاج إلى تركيز كي تفكر، فلذلك قلنا إنه مقارنةً بقدرتنا على البصر والسمع متعب.

معضلة الشمعة
معضلة الشمعة

قد تبين بذلك أن التفكير عملية متعبة، ولكن كيف يكون عملية بطيئة وغير معتمدة؟ حتى تشعر بما قلت فجرب أن تحل هذه الأحجية المشهورة عند علماء النفس.

“يوجد في غرفة شمعة وأعواد كبريت وعلبة مسامير. ونريد منك أن ترفع الشمعة مشتعلةً قريبًا من 5 أقدام فوق الأرض، وقد جربتَ أن تُذيب بعض الشمع أسفل الشمعة وأن تلزقها بالجدار ولكن لم ينجع ذلك، فكيف ترفعها فوق الأرض بخمسة أقدام من غير أن تحملها؟”

20 دقيقة هي أقصى ما يسمح به، وقليل من الناس يحلها، وإن كنت حين تعرف حلها ستستسهلها. الحل: تفرغ علبة المسامير، وتُسمِّر العلبة إلى الجدار إلى ما تريد من ارتفاع ثم تضع الشمعة فيها. فهذه الأحجية وغيرها تبين ما نريد من وصف التفكير بالثلاث صفات التي ذكرناها. فإذا كان التفكير على ما وصفنا فماذا تقول في كل القرارات التي نتخذها في يومنا بسرعة، أليس كل ذلك عن تفكير سريع غير مُتعب؟ لا، بل نتملص من التفكير فيها، فلا نفكر أصلًا في أكثر قراراتنا، ولكن نعتمد على الذاكرة. فأكثر ما نواجه من مشاكل في يومنا هي مشاكل قد حللناها من قبل، فنقتصر في حلها على كيف حللناها من قبل. وذلك كما قال علي بن أبي طالب: “واستدل على مالم يكن بما كان، فإن الأمور اشتباه”. فهذا الذي نظنه تفكيرًا ليس إلا اعتمادٌ على الذاكرة.

فهب أنك بعد أسبوع من الآن وقد عرفت حل هذه الأحجية، سئلت عنها مرة أخرى، فإنك ستقول من فورك: “نعم أعلمها، تلزق العلبة بالجدار وتضع الشمعة” فهذا هو التذكر، وهو أسهل وأسرع وأوثق من التفكر. والذاكرة نوعان: ذاكرة قصيرة المدى (الذاكرة العاملة)، لا تمكث الذكرى فيها إلا ريثما تقضي حاجتك منها ثم تمَّحِي، وأقصاها عشر دقائق، وإلا محيت أو انتقلت إلى الذاكرة الطويلة المدى، وهي النوع الثاني من الذاكرة. وفيها قد تمكث الذكريات والحقائق لسنين بل ربما لعقود، وفيها يكون جميع خبرتك وعلمك، وبين هذين الطرفين ذكريات مداها متوسط، تظل لأيام أو لشهور وربما لسنين ثم تُمحَى إذا أُهملت. فتخزن الذاكرة كل الأعمال التي تتكرر عليك، حتى تغني العقل عن التفكير، وتُخلي الذاكرة العاملة، وهي القصيرة المدى، من الأعمال المتكررة حتى تتفرغ إلى ما يجدُّ على العقل. فإن مَثَل الذاكرة العاملة كمثل سبُّورة لها مساحة معينة، تكتب فيها ما تحتاج إليه في حينه ثم تمحوه إذا انقضت الحاجة أو إذا انتقل إلى الذاكرة الطويلة المدى. فعودتك إلى بيتك من العمل لا يحتاج إلى تفكير في طريقه، ولا كيفية قيادة السيارة ولم يكن ذلك إلا عن تكرير لهذا الفعل. وكذلك حال كل الخبراء وأصحاب الحِرف والصناعات، قد جُعلت أكثر أعمالهم تلقائية لا تفكير فيها، وذلك لأنها متكررة عليهم، فلما تكررت أُدخلت الذاكرةَ الطويلة المدى، وإن كانت كل هذه الأعمال صعبة أول أمرها.

وأمثل بأمثلة قريبة من القراء وقد جرب كثير منهم لعب البلاي ستيشن، فالمبتدئ فيه قد يغلب على فكره تَعرُّفه أزرار الذراع، ولا يهتم باللعب نفسه، ومستعمل الحاسوب ينشغل أول أمره بمواضع المفاتيح عن ما يريد أن يكتب، ثم إذا حذق هذا (أي أدخله الذاكرة الطويلة المدى) تفرغت ذاكرته العاملة للعبة نفسها، أو لما يريد أن يكتب. فتخزن الذاكرة الطويلة المدى كل الأعمال التي تتكرر عليك، حتى تغني العقل عن التفكير، وتُخلي الذاكرةَ العاملة، وهي القصيرة المدى، من الأعمال المتكررة حتى تتفرغ إلى ما يجدُّ على العقل. فلولا هذه الذاكرة الطويلة المدى لعسرت علينا حياتنا جدًا، ولانشغلنا بأعمالنا المتكررة علينا عن الأشغال الطارئة، ولما تقدمنا شبرًا في علومنا، إذ لانشغلنا كل مرة بتعلم ما يتكرر علينا عن الإبداع، فلولاها ما استطعت أنا أن أكتب هذا المقال! وأنصح من أراد أن يتخيل حاله بغير ذاكرة طويلة المدى أن يشاهد فِلم “Memento” فإن فيه تمثيل حسن لهذه الحالة، وتبيينًا لفضل هذه النعمة علينا، وهو مع ذلك ممتع.

أرجو أن أكون أوضحت الآن كيف أن التفكير ثقيل، وأن الذاكرة تخفف منه، وأن كثيرًا مما نعده تفكيرًا إنما هو استحضار لما في الذاكرة. ولكن هل يعني كون التفكير ثقيلًا أن الإنسان دائمًا لا يحب التفكير، أم إن هناك مواطن يحب الإنسان فيها أن يُعمل فكره؟ الإجابة هي نعم، هناك مواطن يحب فيها الإنسان التفكير وإن كان لا يحسنه. وذلك إذا كانت المشكلة بينَ بينَ، صعبةً سهلةً، فإن سهلت عليه جدًا استسهلها وعدها طفولية، وإن صعبت جدًا عدها مستحيلة فتركها. أما إذا كانت وسطًا بين ذلك فإنه يستمتع بحلها. والاستمتاع حينئذ يكون بحلك لها، لا بمعرفة إجابتها. وإلا فقد أخبرتك بمسألة الشمعة، فهل استمتعت إذ علمت حلها مني؟ فمن حلها بنفسه فقد استمتع بها، ومن لم يحلها لم يستمتع بمعرفة جوابها.

وفي قريب من هذا قال مسلمة بن عبد الملك: “ما شيء يؤتى العبدُ بعد الإيمان بالله أحب إليَّ من جواب حاضر، فإن الجواب إذا انعقب لم يك شيئًا” فتفرح إذا حضرك جوابٌ عن ما سُئلت في وقته، أما إذا جاءك بعد الحدث فتتحسر. وكذلك الأمر في الأضحوكات، وقد جربت هذا كثيرًا: أقول النكتة فمن فطن إلى معناها ضحك، ومن استفهمني عن معناها فأفهمته لم يضحك، وذلك لأن فهمه انعقب (أي لم يأت من فوره) ولم يأت من قبل نفسه. فقد قلت مرة: قال أبراهام لنكولن: “احذروا الاقتباسات المكذوبة على الإنترنت” فلم يضحك إلا من فهمها بغير إفهام، ولعلكم جربتم ذلك فرأيتم صحة ما أقول. ومثلها الأحازير والأحجيات كما مثلنا لها بالشمعة.

فالإنسان يفكر إذا (1) اضطر كما قال الجاحظ: “ولن ينظر ناظر ولا يفكر مفكر دون الحاجة التي تبعث على الفكرة”  (2) وإذا وجد لذة من وراء التفكير (وذلك إذا كانت المشكلة وسطًا يمكن حلها) وقد تكلم كثير من الفلاسفة عن اللذة وأن أسماها لذة العلم، وحل عويص المسائل، وجعلوها أحد أسباب جمال الرياضيات، أعني اللذة التي تعقب حل مسائله، والتي تحمل كثيرًا من علماء الرياضيات على التخصص في الرياضيات البحتة التي لا تطبيق ولا عمل من ورائها، وإنما ذلك لما وجدوه من لذتها.

الذاكرة

ثم أزيد أمر التفكير وعلاقته بالذاكرة إيضاحًا، فهذا الشكل تمثيل يسير لأمر التذكر والتفكير، فعلى يساره المحيط أي ما تراه وتسمعه، وحتى المسائل التي تريد حلها، وهذا المقال الذي تقرأه. وعن يمينه تجد الذاكرة العاملة (قصيرة المدى)، وقد مثلت لها بالسبورة من قبل. وفيها يكون وعيك لما حولك، وتخزن الأمور التي تفكر فيها. والسهم الذي من المحيط إلى الذاكرة العاملة يبين أن الذاكرة العاملة هي حيث تعي ما حولك من صورة وصوت حاضرين. وقد تعي أشياء ليست حولك، ولكنك مررت بها من قبل ثم انقضت ومضت، وهذه تكون في الذاكرة الطويلة المدى، فقد تذكر صوت والدتك وإن لم تكن بالغرفة، وتذكر صورة الفيل وإن لم يكن أمامك، وكل ذلك استحضار من هذه الذاكرة. فهذه الذاكرة هي محل جميع ما تعلم من حقائق: من لغة وصور وأصوات وأفكار. وجميع هذه الذكريات الطويلة المدى تكمن في هذه الذاكرة ساكنةً، حتى إذا أُهيجَت واستُحضرت حَضرَت مباشرة إلى وعيك، أي إلى ذاكرتك العاملةِ القصيرةِ المدى. فلو سألتك ما لون الدب القطبي؟ لقلت “أبيض” من فورك، وقد كانت هذه المعلومة في ذاكرتك الطويلة المدى ساكنة غير حاضرة بوعيك من ثوانٍ، حتى إذا سئلت عنها واستحضرتها حضرت.

برج هانوي
برج هانوي

ثم التفكير يحدث حين تجمع بين المعلومات (من المحيط ومن الذاكرة طويلة المدى) بطرق جديدة. هذا الجمع يحدث في الذاكرة العاملة. وحتى أريك كيف يكون هذا الجمع فجرب أن تحل هذه الأحجية، وهي مشهورة عند أهل الرياضيات واسمها “برج هانوي“. وفيها يجب أن تنقل الأقراص من العمود الأول إلى الأخير، وألا يعلو قرص كبير على قرص أصغر منه. فلو جربت أن تحلها (وليس الغرض هنا هو حلها ولكن لأن نجرب ماذا نعني بالتفكير والذاكرة العاملة) فتبدأ بأن تجمع المعلومات من المحيط، وهي هنا قواعد اللعبة وهيئتها، ثم تتصور أنك تحرك الأقراص لتحاول أن تبلغ الموضع الذي تريد، وفي ذاكرتك العاملة يجب أن تُبقي حالتك الراهنة في اللعبة وأين وضعت أقراصك، وكذلك أن تظل  متذكرًا القواعد وما يُسمح به من تحركات وما لا يُسمح.

ومثلها Unblock Me، التي تحتاج إلى تصور كثير من الخطوات البعيدة التي تسمح لك بأن تخرج القالب دون أن يعوقه شيء. فهذه ومثلها كثير من الألعاب والأحجيات إنما صعبت لما فيها من تفكير، أي ملء للذاكرة العاملة بالمعلومات من المحيط أي اللعبة.

towers-of-hanoi

فلنقارن ما عملت في هذه اللعبة ببعض مبادئ الحساب، فاضرب 18 في 7، فإنك تمر بهذه الخطوات: 1 تضرب 10 في 7 وتستحضر من الذاكرة الطويلة المدى أنها 70، ثم تضرب 7 في 8 وتستحضر إجابتها من الذاكرة أيضًا وهي 56، ثم تجمع 56 و 70 في الذاكرة العاملة فتعطيك 126. فهذه مسألة أسهل، ولكن ما الذي جعلها أسهل من أحجية برج هانوي؟ شيء واحد، وهو أنها أُعينت بالذاكرة الطويلة المدى، وليس فقط في استحضار نواتج ضرب 7 في 8 أو 7 في 10، بل في المعرفة الإجرائية، فهذه الذاكرة لا تخزن الحقائق فقط، بل المعرفة الإجرائية، التي تعرفك الخطوات التي تتبعها في حل أشكال المسائل الرياضية وغيرها. فلو كان التفكير هو الجمع بين المعلومات في الذاكرة العاملة، فالمعرفة الإجرائية هي قائمة بما ستجمع ومتى تجمعه. ولعلك حين جربت لعبها أول مرة وإذ لم يكن لديك علم بها في الذاكرة الطويلة المدى اعتمدت على التجربة والتخمين، ولذلك صعبت، إذ ليس لديك ما يؤيدك من معرفة إجرائية (إلا أن تكون لعبتها من قبل).

فهذان المثالان (برج هانوي ومسألة الحساب) يبينان أن الذاكرة الطويلة المدى تسهل التفكير تسهيلًا عجيبًا، وأن مسألة الحساب سهُلت لأنها أُعينت بالذاكرة الطويلة المدى، فأخلت مكانا في الذاكرة العاملة للتفكير، أما برج هانوي فقد ازدحمت فيها المعلومات في الذاكرة العاملة حتى صعَّبتها. فهل يمكننا استغلال هذه النتيجة في تسهيل التفكير؟ نعم، وذلك بشيئين: بالتضبير Chunking وبزيادة المعرفة في الذاكرة الطويلة المدى حتى لا تنشغل بها الذاكرة العاملة، وسنبين حِيَلًا لتُدخلوا العلم فيها على أسهل وجه.

-Views-of-Chunking

فنبدأ بالتضبير (وهو من ضبَّر الأشياء إذا جمعها في إضبارة أي في حُزمة)، وسبق أن أوضحنا أن الذاكرة العاملة كالسبورة، لها مساحة معينة. فحتى ننظر كيف تعين الذاكرة الطويلة المدى الذاكرة العاملة، اقرؤوا هذه الحروف مرةً، ثم سمعوها لأنفسكم من غير نظر إليها:

CN

NPHD

ENCUSO

ERLSA

IPUCA

CII

فإن كنتم مثل أكثر الناس فلعلكم حفظتم سبعة أو قريبًا منها، وأكثرها في أول القائمة وآخرها، والآن جربوا هذه القائمة:

CNN

PHD

UNESCO

LASER

IUPAC

ICI

فهذه أظنكم حفظتم منها حروفًا أكثر من القائمة الأولى، وأظنكم لاحظتم أنها أسهل لما فيها من كلمات لها معنى، بعكس الأولى، ولو نظرتم جيدًا علمتم أن حروف القائمة الأولى هي نفس حروف الثانية، ولكن تغير الترتيب فقط ليجعل لها معنى. فهذا مثال عن عمل للذاكرة العاملة، وهي التي لها مساحة محددة. ولكن لِمَ سَهُلت حروفُ القائمة الثانية دون الأولى؟ لأن قدر مساحة الذاكرة العاملة لا يعتمد على عدد الحروف، ولكن يعتمد على عدد الأشياء ذات المعنى. فإذا كنت تستطيع تذكُّر سبعة حروف على حدتها، فإنك تستطيع أن تذكر سبعة أو قريبًا منها من الكلمات ذات المعنى، فجميع حروف LASER تعد في ذاكرتك شيئًا واحدًا، لأن لها معنى. فظاهرة ربط قِطَع متفرقة من المعلومات من المحيط تُسمى التضبير Chunking. منفعتها واضحة، تستطيع أن تدخل أشياء أكثر في ذاكرتك العاملة إذا ضبَّرتها إلى أضابير لها معنى. ولكن الحيلة في هذا هي أن التضبير لا يعمل إلا إن كان لك معرفة بالمعنى الذي تُضبِّر إليه في الذاكرة الطويلة المدى. ففي القائمة الماضية قد يعلم كثير من الناس الأربعة الأولى ثم لا يعلم الخامسة إلا من علم في ذاكرته الطويلة المدى أن IUPAC هي منظمة قائمة على علم الكيمياء. ولا يعلم السادسة ICI إلا من علم الفرنسية، لأنها تعني في الفرنسية “هنا” وإن لم يكن لديك علم بها لم يعمل التضبير. فإذن زيادة العلم في الذاكرة الطويلة المدى يمكِّنك من التضبير، والتضبير يمكِّنك من إخلاء كثير من مساحة الذاكرة العاملة.

ثم الأمر الثاني هو زيادة المعرفة: فقد تبين لنا أن زيادة المعرفة هي الأساس في التضبير، وأن المعرفة إذا كثرت خففت عن الذاكرة العاملة فخلت الساحة كلها للتفكير. ليس ذلك فحسب بل يسرِّع التعلم، فإنك كلما ازددت علما كنت أسرع تعلما، وهذا يؤكد قول علي رضي الله عنه: “كل وعاء يضيق بما فيه إلا وعاء العلم، فإنه يتسع”. فكثير من التجارب أكدت منفعة زيادة المعرفة للتعلم والتذكر. يأتي الباحثون بأناس لديهم خبرة بمجال معين (ككرة القدم أو أي رياضة أو علم) وأناس لا خبرة لهم به. ويقرأ جميعهم قصة أو مقالًا قصيرًا في هذا المجال، وتكون مادته سهلة يستطيع قراءتها وفهمها كل الناس. ثم في اليوم التالي يجدون ذوي الخبرة والمعرفة الخلفية عن المجال أشد تذكرًا للمقال ممن ليس لديهم به معرفة خلفية. ثم لا يدخل هذه الذاكرة الطويلة المدى إلا ما تكرر على الذهن وتُمُرِّن عليه، ولكن هل هناك طرق أسرع إليها؟ نعم، وهذه هي الحيل:

1. الحكاية، فإن استطعت أن تصوغ ما تريد أن تتعلم كأنه حكاية فقد سلكت أسهل المسالك إلى الذاكرة. ولذلك سهُلت علوم معينة مثل التاريخ، وصعبت علوم أخرى مثل الفيزياء والكيمياء والرياضيات. ولكن هذا لا يعني أنه لا يمكن أن تحتال لهذه العلوم بأن تصوغ ما فيها صيغةَ الحكاوى. فقد صدرت كتب تعين على ذلك، مثل كتاب Memorize the Periodic Table  صورة الكتاب فياليتني علمت به إذ طُلب منا حفظه في المدرسة. فطريقة الكتاب في تحفيظ الجدول الدوري هو جعل جميع العناصر أشخاصًا في قصة متسلسة، تبدأ بالهيدروجين وتنتهي بالكوبرنيكيَم. ثم علمت قريبًا بعد ما حفظت الجدول من الكتاب أنهم قد جعلوا منه رسومًا متحركة وفيديوهات على يوتيوب. فهذا مثال عن استعمال الحكاية في شيء قد لا يُظن فيه أنه يمت للقصص بصلة. فإن استطعت أن تستعملها في ما تتعلم فلا تترد، فإن القصص هي أنفذ الطرق للذاكرة.

Mem Periodic Table

2. التنغيم ونظم ما تريد تعلمه. فمن استطاع أن يَنظِم ما يتعلمه في نظم يُتغنَّى به فقد سهَّل على نفسه، فإن المنظوم من المعلومات أسهل حفظًا من المنثور على ما قال علماء المعرفة. وقد علم الناس هذا قديمًا، فكثرت المتون والنظوم، ولعل جميع الأمم استعملوا التنغيم في تحفيظ أطفالهم حروف لغتهم، مثل “ألف بِه تِه” وA B C. والنظم مستعمل كثيرًا عند العرب لمرونة اللغة العربية فيه، كألفية ابن مالك، فهذا نظم لمعظم علم النحو، وكذلك لامية الأفعال للصرف، وغيرهما. فانظر كيف استغلوه أحسن استغلال، وإن كانوا في بعض الأحيان بالغوا في استعماله حتى تحوَّل الهدف فيه من تسهيل الحفظ والفهم إلى الحفظ بغير فهم. وأظن أن سهولة حفظ ما نُغِّم من العلم هو أحد أسباب في أن أكثر ما بلغنا عن العرب هو شعر وليس نثر، فإن أمة لا تكتب يجب إذا أرادت أن ينتشر فيهم قول أو حدث أن يكون سهل الحفظ، فغلب عليها الشعر لذلك. وهذا رابط قناة على يوتيوب تنغِّم للعلوم وتتغنى بها. وهذه أغنية للجدول الدوري مرة أخرى، وهي جميلة مُطربة. ولا يعيب التغني بالعلم إلا شيء واحد، هو صعوبة تأليفها، فكأنها قصر على من تعلم العَروض، أو تكلف تأليفها، ولذلك أستحب أن يكثر دارسو العروض ويستعملوه في نظم ما صعب حفظه من العلم، ولكن ما صعب حفظه فقط، وليس كل شيء كما رأينا في بعض العلوم.

3. التطعيم، ولا أعني به تطعيم الأطفال، بل تطعيم العلم الذي لا تحب بما تحب. وهذه وإن كانت ليست من الحيل المساعدة على التذكر إلا أنها عامل كبير في التحفيز للتعلم. فمن كره الكيمياء وأحب السيارات، طعَّمنا له الأول بالآخر فأحبه، فنفهمه الكيمياء بلغة السيارات، وذلك مثل الكتاب، أو من أحب الكيمياء والطبخ لمن يحب الطبخ ويستصعب الكيمياء، فإذا قرأه ربط بين ما يحب وما يجد صعبًا فاستسهله. كذلك لمن أراد دراسة الفلسفة واستثقلها واستخف بعض الأفلام والمسلسلات، فلديه فلسفتها، مثل فلسفة Game of Thronesو Breaking Bad وغيرهما، وهي أرض خصبة لتعلم الفلسفة لأن أكثرها تخيل وتصور، و”تجارب فكر.” فكل فِلم يُعد تجربة فكر وحده، وهو إجابة “ماذا لو كان كذا”، ولذلك ألحقَتْ كثيرٌ من مراجع الفلسفة فصولًا في التعلم بالأفلام، فيقول لك شاهد فلم كذا ثم تعال نتفلسف عليه. أرجو أن تكون هذه الأمثلة كافية لإفهام أمر الاحتيال للعلم، وأن العلم إذا لم يُحبَّ فطعِّمه بما يحبُّ يتأثَّرْ به.

Game of Thrones

Breaking Bad

4. النحت (Acronym)، وهو أن تكوَّن كلمة من الأحرف الأُوَل لعدة كلمات. وهذه الحيلة تسهل التضبير جدًا، فبدل أن نحفظ اسما مثل: Dihydroxy acetone phosphate كنا نحفظ “دهب” وكذا للهالوجينات F, Cl, Br, I “فكل بري”، وقد استعملته العرب من قديم، حتى لقبوا الشاعر محمود بن الحسين 360 بهذا اللفظ المنحوت: “كُشاجم” وهو مركب من: كاتب وشاعر وأديب وجميل ومُغنٍّ. ولا أريد أن أستوسع فيه لأنه ذائع شائع، وهو أوغل في بعض العلوم (كعلوم الحاسوب) منه في علوم أخرى.

UnderstaCars

Culinary

وفي الجملة، فإني أستحب للطلبة كتب For Dummies و Demystified وما سهَّل على الطلبة وألا يقنعوا بالمراجع وحدها، فإن للمراجع لغة جزلةً وهيبة تمنع كثيرًا من مؤلفيها من إعانة القارئ ببعض المختصرات والحيل، أما هذه الكتب الميسرة فلا تتحرج من ذكرها ولطالما استفدت منها. ثم أجِدُني لا أرضى أن أترك القارئ وقد يكون في ذهنه بعض الأوهام عن التعلم انتشرت بين الناس.

وذلك مثل:

  1. ذم الحفظ على عمومه، فإني رأيت من يقول إننا في عصرنا هذا وبين أيدينا جوجل ويكيبيديا قد استغنينا عن الحفظ، وأنه لم تعد له فائدة من ورائه. وهذا يخالف الدليل العلمي، وأقوال علماء المعرفة. فإنهم يقولون إنه وإن لم يكن شكٌّ في أن حفظ الحقائق الجافة لا طائل من وراءه، فإن مهارات التفكير والتحليل والإبداع لا تكون إلا لمن لم يعرف كثيرا من الحقائق. وهذا بمثابة الحفظ، فحفظ الحقائق عن فهمٍ شيءٌ حسنٌ محمود، ولا ينبغي ذم منفعة الحفظ على عمومه. ولذلك كنت أعجب إذ أرى مفارقة عجيبة بين العلماء القُدامى والمحدثين، أولئك يمدحون الحفظ ويؤلفون فيه الكتب، وهؤلاء يذمونه ويبطلون جميع منفعته، ولعلي ما درَّسني مُدرِّسٌ إلا قال لا نريد حفظًا بل فهمًا فقط، ثم هو يُحفِّظنا. فهذا تبيان هذا الخلاف الظاهر، وهو أن المحدثين ذموا الحفظ الجاف الذي ليس عن فهم، والقدماء مدحوا الحفظَ المبنيَّ على الفهم، فتَبيَّن أن كليهما محق، وأن الحفظ لا يُذم على عمومه.
  2. آفة العلم النسيان، وهذا وهم، فلا ينبغي ذم النسيان بجملته، فقد اكتشف علماء المعرفة أن النسيان يقوي التعلم ويشايعه. وعلى ذلك نصحوا أن تكون الدراسة بُعَيداتِ بَينٍ (أي تُبايِنُ بينها، فتتدرس ثم تتوقف ثم تعيد تتعيد الدراسة) حتى تكون نسيت ما تعلمت ثم تعيد تعلمه. فإعادة التعلم (وهي التي تكون بعد النسيان) هي التي ترسِّخ ما تريد تعلمه في الذاكرة، وليس أن تتابع الدراسة. وذموا تأخير الدراسة وضغطها قبل وقت الامتحان، لأن الإنسان وإن ظن أنه قد استمسك بما تعلم وتمكن منه، لم يلبث أن ينساه. وقد كنت أستغرب ذلك من نفسي، نُمتحَن امتحانين نظري وشفوي، وبينهما ساعة فقط، فكنت أضغط المذاكرة إلى ما قبل النظري، وأحسن الإجابة فيه، فإذا خرجت منه لم ألبث أن أنساه، فأدخل الشفوي وقد نسيت ما ذاكرت، فأُحسِنُ في النظري وأُسيءُ في الشفوي، وما ذاك إلا لأني راكمت المذاكرة قبلها. فأعجب كيف أن ضد التذكر يعين التذكر، وأن النسيان مرحلة يجب أن تمر بها كي ترسخ العلم. ولذلك فمقولة “آفة العلم النسيان” ليست على عمومها صحيحةً، ولا قول الجاحظ عن الإنسان: “وهو لا يحتاج في الجهل إلى أكثر من ترك التعلم” فإن ترك التعلم لمدة قد يكون سببًا في التعلم. ويؤيد ما قاله المحدثون نصيحةَ ابن شهاب ليونس عن العلم، وهي من أحسنها وأقربها إلى الدليل الصحيح: “لا تأخذ العلم جملةً، فإن من رام أخذه جملةً ذهب عنه جملة، ولكن الشيء بعد الشيء مع الأيام والليالي”.

وبعد، فطرق التعلم كثيرة، وهي إلى ازدياد، وإذ وجب فيمن خشي أن يملَّ القراءة ألا يُطنب ويتزيَّد، كان على أن أنتخل لكم أحسن ما وجدت وأكَدَه، وأمخضكم ما جربته بنفسي، ولمست منفعته، وتبينتُ عائدته على من يستعمله. فهاكَك أيها القارئ مهداةً إليك، مؤيَّدة بالدليل، فيها من تجربة الأولين وحكمهم، ومن خبرة المحدثين وعلمهم. فأرجو أن أكون وفقت في إبلاغ ما أردت، وفي إفادتكم.


المصادر

  1. How the Mind Works.
  2. The Psychology Book, Big Ideas Simply Explained.
  3. Heads up Psychology.
  4. Remembering: Attributions, Processes, and Control in Human Memory.
  5. Why Don’t Students Like School?
  6. معجم الدخيل ل “ف. عبدالرحيم”
  7. جامع بيان العلم وفضله

ملاحظة:  قد استعملت مصطلح التضبير، وهو من ترجمتي، وقد كانت تٌترجَم إلى تقطيع، ولكن ليست بدقيقة، لأن التقطيع هو تقطيع الشيء الواحد إلى قطع،وهذا وإن كان أحد معاني Chunking إلا أنها هنا تعني جمع وضم معلومات في قطعة واحدة، أي في إضبارة واحدة، وهو نفس معنى التضبير (لسان العرب: ض ب ر)

وكذلك مصطلح التطعيم، وهو من واطَّعَمَ الشيءُ: أَخذ طَعما، فتطعيم الشيء هو إعطاؤه الطعم.ومصطلح النحت ترجمةً لـAcronym وقد كانت من قبل تُترجم إلى الاسم التاجي، ولكن اخترت ترجمة ف. عبدالرحيم في كتابه “معجم الدخيل” وهي كلمة منحوتة من “النحت الطرفي”

Notice

0

شاركنا رأيك حول "لماذا التفكير ثقيل على الإنسان؟ وكيف تسهله على نفسك؟"