في شمال غربيّ مصر وعلى ساحل البحر الأبيض المتوسط تتوضع مدينة الاسكندرية العريقة، التي عاصرت كلًّا من الحضارة الإغريقة والرومانية والبيزنطية والإسلامية، وكانت المدينة الأكبر والأكثر ازدهارًا في العالم القديم.1

تاريخ تأسيس مدينة الاسكندرية

بعد انتصار الإسكندر الكبير في بلاد فارس، اتجه نحو مصر وفتحها واستقبله أهلها كمحررٍ لهم، ويقول المؤرخون الكلاسيكيون أن الإسكندر الكبير وجد في قصر الملك الفارسي المهزوم داريوس الثالث صندوق مجوهراتٍ صغيرٍ مرصّعٍ فاحتفظ به كغنيمة حربٍ ووضع بداخله أعمال هوميروس التي كانت من أغلى ما يملك.

بعد وقتٍ قصيرٍ من فتحه لمصر وتتويجه ملكًا لها، بدأ بالتخطيط لبناء عاصمةٍ له في مصر، وكان قد اختار موقعًا غير الإسكندرية، لكن قبل أن يبدأ بتأسيسها راوده حلم أن هوميروس قام بزيارته وتحدث معه عن الأوديسة، وكان في الحلم إشارةً إلى جزيرة فاروس المصريّة في البحر الأبيض المتوسط. في صباح اليوم التالي سافر الإسكندر إلى جزيرة فاروس ووقف على صخورها ممسكًا النعش الذهبي ومحدقًا في امتداد ساحلي منسي، وبعد صمتٍ طويلٍ أومأ برأسه، كانت تلك إشارة البدء لبناء الاسكندرية.2

تم تحديد موقعها في مستوطنة راكوتيس (راقودة) القديمة التي يعود تاريخها إلى 1500 قبل الميلاد، ووجد الإسكندر في هذا الموقع مقوماتٍ عديدةً تساعد على قيام المدينة وأهمها المياه العذبة من بحيرة مريوط التي تتم تغذيتها من فرع النيل الكانوبي، والمرسى الجيد للمدينة الذي توفره جزيرة الفاروس.3

مدينة الاسكندرية

بعد مغادرة الاسكندر للاسكندرية تابع نائبه كليومينيس تأسيسها، وبعد وفاة الاسكندر عام 323 قبل الميلاد انهارات إمبراطوريته، وانتقلت السلطة على مدينة الاسكندرية إلى نائب الملك بطليموس الأول سوتر الذي أسس السلالة التي سميت باسمه.

سرعان ما حققت الاسكندرية تحت حكم البطالمة السيادة وأصبحت المدينة الأكثر ثقافةً والأقوى في الشرق، وجذبت التجارة المربحة من الهند والجزيرة العربية كونها ميناء أوروبا على البحر الأبيض المتوسط، وكانت أسواقها تعج بالحرير والأقمشة الرائعة من أسواق الشرق. كذلك جلبت الثروة الرفاهية والتي بدورها جلبت الفن والإبداع فأصبحت الاسكندرية موطنًا لمكتبةٍ رائعةٍ ومدارسٍ فلسفيةٍ تمثل جميع أطياف الفكر، وكان يقال في وقتٍ ما أن عباءة أثينا سقطت على أكتاف الإسكندرية.

معمارية مدينة الاسكندرية

كانت الاسكندرية في العصر البلطمي ممتدةً من الشرق إلى الغرب على شكل مستطيلٍ محصّنٍ بسورٍ منيعٍ بين بحيرة مريوط من الجنوب والبحر المتوسط من الشمال، وكانت مقسّمةً إلى شوارعٍ مستقيمةٍ أهمها:

  • الشارع الكانوبي: الذي امتدَّ من الشرق إلى الغرب بعرض مائة قدم، وفي نهايته الشرقية كانت بوابة الشمس وفي نهايته الغربية كانت بوابة القمر.
  • شارع سيما: كان يتقاطع مع الشارع الكانوبي في منتصفه ويمتد من شمال المدينة إلى جنوبها.

وكانت بقية الشوارع موازيةً لهذين الشارعين وتحمل أسماء أفراد من الأسرة المالكة.

كانت مقسّمةً إلى خمسة أحياءٍ سميتٍ وفقًا للأحرف الهجائية الأولى من اللغة اليونانية (ألفا- بيتا- غاما- دلتا- أبسليون) وأهمها كان:

  • الحيّ الملكيّ: في شرقي المدينة كان يحده من الغرب شارع سيما ومن الشرق حي اليهود وطريق كانوب من الجنوب، كانت تقام القصور الملكية في هذا الحي على مرتفعاتٍ من الأرض بحيث تشرف على البحر والميناء وكانت محاطةً بالحدائق، في هذا الحي أيضًا كانت دار الحكمة ومكتبة الاسكندرية القديمة، وفي الجنوب الشرقي كان قبر الإسكندر (سيما) في الشارع الذي حمل نفس الاسم.
  • حيّ دلتا: شرقيّ الحيّ الملكيّ، هو حيّ اليهود وبه مقابرهم.
  • الحيّ الوطني: في الجنوب الشرقيّ من المدينة في موقع قرية راكتوس القديمة، كان يسكن به الأهليين وفيه كان معبد السرابيوم الذي أقيم على تلٍّ مرتفعٍ يُصعد إليه بسلمٍ ذي مائة درجة.4

منارة الاسكندرية

بُنيت منارة مدينة الاسكندرية على جزيرة فاروس خارج موانئ الإسكندرية عام 280-300 قبل الميلاد في عهد بطليموس الأول والثاني، كان ارتفاعها أكثر من 100 متر وكانت عظيمةً لدرجة أنها وضعت في قائمة العجائب السبع للعالم القديم، لكن للأسف انهدمت المنارة بفعل الزلزال بعد صمودها لأكثر من 1600 عام، وكانت أطول مبنى في العالم بعد أهرامات الجيزة.

مكتبة الاسكندرية

بدأ بناء مكتبة الاسكندرية في عهد بطليموس الأول (305-285 قبل الميلاد) وانتهى في عهد بطليموس الثاني (285-246) قبل الميلاد، أرسل بطليموس الثاني دعواتٍ للحكام والعلماء يطلب منهم المساهمة في إمداد المكتبة بالكتب، وفقًا للمؤرخين كان هناك في المكتبة مساحةً تكفي لسبعين ألف مخطوطة بردي.

ولإكمال المكتبة التي كانوا يحلمون بها، فُتشت جميع السفن التي كانت تدخل الميناء، وكل الكتب التي وجدت كانت تُرسل إلى المكتبة حيث يتقرر إعادتها أو مصادرتها ونسخها، لا أحد يُعرف عدد الكتب التي احتوتها مكتبة الإسكندرية لكنها تقدر بحوالي 500000 كتاب.

معبد سرابيوم

أراد بطليموس الأول سوتر اختيار إلهٍ رسميٍّ لمصر فاختار سيرابيس وأمر المهندس المعماري بارمينيسكوس بتصميم المعبد الذي أصبح واحدًا من أكبر معابد الآلهة وأكثرها شهرةً، كانت تقام طقوس عبادةٍ يونانيةٍ بحتةٍ لسيرابيس حتى عام 391 ميلادي عندما دمره البطريرك ثيوفيلوس وأتباعه. 5

المراجع