سم الزرنيخ

عرف سم الزرنيخ (Arsenic) جيدًا منذ القديم عند المداوين والمُسممين على حدٍّ سواء، واستخدم عبر التاريخ لتصفية الملوك والأباطرة وتسهيل الاستيلاء على إرث الأغنياء. فقد كان سلاح نيرو لقتل أخيه غير الشقيق بريتانيكوس والسيطرة على عرش إمبراطورية روما. وللزرنيخ مكانةٌ في الطب أيضًا خاصةً في علاج مرضين عظيمين هما داء النوم الإفريقي والزهري.

كان اكتشاف الزرنيج المنقذ الجديد لعلاج مرض الزهري بالسلفارسان Salvarsan عام 1909 مع باول ارليخ وساهاشيرو هاتا.

عنصر الزرنيخ

يعدّ الزرنيخ من عناصر اللافلزات، وينتشر على شكلٍ واسعٍ في قشرة الأرض، وعادةً يختلط مع معادن أخرى، أو الكبريت أو الأوكسجين. تشمل خامات الزرنيخ الشائعة كلًّا من Arsenopyrite (الزرنيخ الرمادي، FeAsS)، وSandarach (الزرنيخ الأحمر AsS)، وOrpiment (الزرنيخ الأصفر As2S3)، وArsenolite (الزرنيخ الأبيض As2O3). تتميز مركبات الزرنيخ غير العضوية بأنها أكثر سميةً من المركبات العضوية التي تتحول إلى مركباتٍ غير عضويةٍ عندما تمتصها الأجهزة البيولوجية.

اشتقت كلمة زرنيخ (Arsenic) من كلمتي Zarnikh الإيرانية و Zarniqa السريانية، واللتين اندمجتا لاحقًا عند الإغريق القدماء في كلمة Arsenikon، وتعني الفعّال، وأشارت مبدئيًّا إلى الزرنيخ الأصفر، وأصبحت الكلمة Arsenicum في اللاتينية، وArsenic في الفرنسية القديمة.

اكتشاف سم الزرنيخ

اكتشف هيبوقراط خواص الزرنيخ السمية، حيث وصف عام 370 ق.م أعراض مغصٍ بطنيٍّ عند شخصٍ يعمل بالتعدين، وكانت الخصائص مشابهةً لما وصف به الزئبق والزرنيخ من قبل بليني (Pliny) في القرن الأول ق.م وثيوفراستوس (Theophrastus of Erebus) في القرن الرابع ق.م، أما الفيزيائي الإغريقي Pedanius Dioscorides في بلاط الإمبراطور نيرو الروماني فقد وصف الزرنيخ بأنه سمٌ.

إن تمتع المركبات الزرنيخية غير العضوية بانعدام الرائحة والطعم (كالزرنيخ الأبيض) جعلت منها سمًّا مثاليًّا؛ فقد كان من الصعب اكتشاف التسمم بالزرنيخ لأن أعراضه الأولية تحاكي تسمم الطعام، وتكفي جرعةٌ واحدةٌ منه لتسبب إسهالًا شديدًا وإقياءً وشللًا ثم الموت. وبسبب فاعليته هذه كان السم المفضل لدى الفئات الحاكمة لقتل منافسيها وأعدائها، وأصبح يعرف باسم سم الملوك وملك السموم.

في عهد النهضة في أوروبا، وصل التفنن بالتسميم إلى قمته، وأصبح التعاقد لتسميم جارٍ مزعجٍ عرفًا اجتماعيًّا، وكان صاحب السم يضع خدماته وأسعاره ليأتي الزبون ويسمي له الضحية وبذلك يتم الاتفاق. أما الدفع فيكون بعد انتهاء المهمة.

لكن، منذ القرن 18، تضاءلت حوادث التسمم بسبب تطور طرق فحص الجثة بعد الوفاة، وفي عام 1836 طور الكيميائي الإنكليزي James Marsh اختبارًا كيميائيًّا ناجحًا حول سم الزرنيخ وعدله لاحقًا السويدي Jöns Jacob Berzelius ليعرف باسم اختبار مارش-برزيليوس.

في القرن التاسع عشر، استخدمت النساء بودرة الزرنيخ لتبييض الوجه، بالإضافة إلى استخدامه على الشعر وفروة الرأس لقتل الطفيليات، حيث اُعتقد أن استهلاك الزرنيخ يمنح الجمال والنعومة للجلد. استمر استخدامه في مستحضرات التجميل حتى بداية القرن العشرين، وشكل مصدرًا شائعًا لحوادث التسمم غير المقصودة.1

حقائق حول الزرنيخ

  • يتواجد الزرنيخ طبيعيًّا بمستوياتٍ عاليةٍ في المياه الجوفية لعدة بلدانٍ.
  • الزرنيخ شديد السمية في شكله غير العضوي.
  • استخدام الماء الملوث للشرب، وتحضير الطعام، وري المحاصيل يشكل تهديدًا أكبر للصحة العامة من الزرنيخ.
  • التعرض طويل الأمد للزرنيخ عبر شرب الماء وتناول الطعام يمكن أن يسبب السرطان وتضرر الجلد. كما يرتبط بأمراض القلب والأوعية الدموية والسكري.
  • التعرض للزرنيخ في الرحم أو مرحلة الطفولة الأولى له تأثيراتٌ سلبيةٌ على النمو وزيادة حالات الموت بين البالغين الشباب.
  • الإجراء الأكثر أهميةً عند إصابة مجتمعات بالزرنيخ هو الوقاية من التعرض المستقبلي للزرنيخ بتوفير مصادر مائية نظيفة وآمنة.2

أسباب التسمم بالزرنيخ

يتشكل الزرنيخ بشكل طبيعي في التربة والمعادن، وقد ينتشر في الهواء والماء والتربة، كما يستخدم أيضًا:

  • كمكونٍ في المبيدات.
  • لإنتاج الزجاج.
  • في صناعة النحاس وغيره من المعادن.
  • في الصناعات الكهربائية.
  • في الطب.

يحدث التسمم عند تعرض شخص ما للتسمم بكميات من سم الزرنيخ عن طريق:

  • تنفس هواء يحتوي على زرنيخ.
  • تناول طعام ملوث بالزرنيخ.
  • شرب ماء ملوث بالزرنيخ.
  • العيش في مناطق تحتوي على مستوياتٍ طبيعيةٍ عاليةٍ من الزرنيخ.
  • العمل في مهنةٍ محاطة بالزرنيخ.3

أعراض استنشاق وتناول سم الزرنيخ

قد تكون أعراض تناول سم الزرنيخ خطيرةً، أو شديدةً ومباشرةً، أو مزمنةً، حيث يتم معايشة ضرر الصحة لفترةٍ أطول. لكن غالبًا يعتمد الأمر على طريقة التسمم، وبالنسبة للشخص الذي قام ببلع سم الزرنيخ فقد يختبر الأعراض التالية خلال 30 دقيقةً:

  • الخمول.
  • الصداع.
  • التشوش.
  • إسهال شديد.

عند استنشاق الزرنيخ أو تناوله بكميةٍ مركزةٍ تتطلب الأعراض وقتًا أطول لتظهر، ليبدأ المتسمم باختبار تشنجات وتغير في لون الأظافر. ويمكن ذكر أعراض الحالات الشديدة من التسمم بالزرنيخ في الآتي/

  • طعم معدني في الفم ونفس بنكهة الثوم.
  • إفراط في اللعاب.
  • دم مع البول.
  • مشاكل في البلع.
  • تشنج عضلي.
  • تساقط الشعر.
  • اضطرابات معوية.
  • تشنج واضطرابات.
  • تعرق زائد.
  • تقيؤ.
  • إسهال.

يؤثر التسمم بالزرنيخ عادةً على الجلد والكبد والرئتين والكلى، وتتضمن الأعراض في المراحل النهائية نوباتٍ مرضيةً وصدماتٍ دماغيةً، وقد يؤدي ذلك إلى الدخول في غيبوبةٍ أو الموت.4

علاج التسمم بالزرنيخ

ليس هناك طريقة محددة لعلاج سم الزرنيخ والطريقة الأفضل لعلاج الحالة هو التوقف عن التعرض للزرنيخ. قد يحتاج الشفاء الكامل إلى أسابيع أو ربما شهور، والأمر برمّته يعتمد على مدة التعرض للزرنيخ، كما تلعب شدة الأعراض دورًا في ذلك.

كعلاجٍ بديلٍ؛ قد تستخدم مكملات السلينيوم وفيتامين E الغذائية للحد من تأثيرات التعرض للزرنيخ، ولكن يعتقد أن هذه المواد تلغي بعضها الآخر، لذلك لا بدّ من بحوث أكثر لدعم طرق العلاج بالسيلينيوم وفيتامين E.5

المراجع