لماذا تستخدم السنة الضوئية

الرئيسية » لبيبة » فيزياء فلكية » لماذا تستخدم السنة الضوئية
السنة الضوئية

هل تعتقد أن المسافة بين دمشق والقاهرة كبيرةٌ، أو تلك بين بغداد والجزائر شاسعة؟ هل تململت يومًا من طول رحلتك بين بلدٍ وآخر؟ حسنًا، ماذا ستقول إذًا عن المسافات بين الكواكب؟ كل المسافات الكبيرة التي ذكرناها سابقًا ضئيلةً في الواقع، ولا تكاد تُذكر أمام المسافات الشاسعة بين المجرّات والتي تُقاس وفق ما يُعرف باسم السنة الضوئية (Light Year).

فما هي السنة الضوئية بالضبط؟ وما السبب في تعيينها كوحدةٍ لقياس المسافات الفضائية الكبيرة؟ سنجيب في مقالنا هذا عن هذه التساؤلات وسنخوض في رحابه رحلةً قصيرةً نستعرض فيها خصائص السنة الضوئية ودواعي استخدامها كأحد الواحدت الأساسية في القياسات الفضائية.

تعريف السنة الضوئية

السنة الضوئية (بالإنجليزية Light Year)، على النقيض مما توحي إليه، هي واحدةٌ لقياس المسافات، وقد يبدو هذا غير منطقيٍّ، فهذه الواحدة تتضمن السنة، والسنة هي واحدةٌ زمنيةٌ كما نعلم، ولكن بالرغم من ذلك فإن السنة الضوئية هي إحدى الواحدات الأساسية لقياس المسافات الفلكية.

على النقيض من سيارتك التي تشق الطرقات بسرعاتٍ مختلفةٍ، فإن سرعة الضوء ثابتةٌ وهي تبلغ في الخلاء، 670.616.629 ميلًا في الساعة (أو 1.079.252.849 كيلومتر\ساعة). ومن أجل حساب المسافة التي تشير إليها السنة الضوئية، نقوم بضرب سرعة الضوء بعدد الساعات في السنة الأرضية الواحدة (والذي يبلغ 8.766 ساعة) فنحصل على مسافة السنة الضوئية وهي 5.878.625.370.000 ميل (أو 9.5 ترليون كيلومتر). وللوهلة الأولى قد تتخيل أن هذه المسافة هائلةً جدًا، إلا أنها في فضائنا الشاسع تبدو بسيطةً جدًا ومتواضعةً في الحقيقية.1

دواعي استخدام السنة الضوئية

قد يكون المتر والكيلو متر أو حتى القدم والميل، من الواحدات المألوفة لنا جميعًا، ففي حياتنا وتنقّلاتنا وتفاعلاتنا مع البيئة من حولنا نستخدم إحدى تلك القياسات لتحديد المسافات، إلا أن الأمر مختلفٌ مع الفلكييين. فعندما يستخدم الفلكييون التيليسكوب فإن المسافات عندها تغدو خياليّةً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فخذ على سبيل المثال أقرب نجمٍ إلى كوكبا (بعد الشمس) ألفا سينتاري أ (Alpha Centauri A) والذي يبعد عن كوكبا مسافة 39.000.000.000.000 كيلومتر، تخيّل! وهذا أقرب نجمٍ لنا، والأبعد منه يبعد مليارات أضعاف المسافة السابقة!

عندما نتكلّم عن المسافات الفضائية فإن الميل أو الكيلومتر تغدو واحدةً سخيفةً وغير مناسبةٍ لقياس المسافات فيها، فلا أحد يريد أن يتعامل مع أرقام بعشرين منزلةٍ رقميةٍ أو أكثر. لذلك تم اعتماد السنة الضوئية كواحدةٍ أساسيةٍ لقياس المسافات الفلكية.2

دور السنة الضوئة في تقريب الفهم العلمي

في الواقع إن السنة الضوئية وعلى الرغم من كونها واحدةً للمسافات، فهي تُساعد الفلكيين على قياس الزمن؛ فهي كما سنذكر لاحقًا تُساعد العلماء على تحديد عمر النجم أو الكوكب الذي ينظرون إليه. على سبيل المثال مجرّة أندروميدا، والتي تقع على مسافة 2.5 مليون سنةٍ ضوئيةٍ، وعندما تتم مُلاحظتها من كوكبنا فنحن نرى حالتها ووضعها كما كانت منذ 2.5 مليون سنة، وخذ أيضًا قياسًا على ذلك أبعد ما تمّ اكتشافه في كوننا، وهو ما يُعرف بأطراف المجرّة، هو أقدم ما توصّلنا إليه في عالمنا، فهو يبعد عن كوكبنا 13.8 مليار سنةٍ ضوئيةٍ، أي أنه ظهر مباشرةً بعد الانفجار العظيم (Big bang).3

أساس الفكرة

إن استخدام مصطلح السنة الضوئية لقياس المسافات لم يكن بالأمر الجديد، فهو يعود إلى أواخر القرن السابع عشر، وذلك عقب اكتشاف العالم رومر (Rømer) لسرعة الضوء التقريبية.

وفي بادئ الأمر كان مصطلح السنة الضوئية غامضًا قليلًا، وذلك لأن العلماء لم تكن لديهم الإمكانية التقنية لمعرفة وقياس المسافات التي تفصلنا عن النجوم في سمائنا، والافتتاحية الأولى لهذا المصطلح كانت في الغالب على يد الفلكي الألماني فريدريك بيسيل (Friedrich Bessel)، والذي قام بقياس المسافة التي تفصلنا عن النجم سيجني 61 (61 Cygni) وقال في مدوّنته ” يحتاج الضوء في الواقع إلى 10.3 سنة ليصل إلينا من تلك المسافة” ويقصد النجم سيغني، وهذا أقرب تأريخٍ لتوظيف مصطلح السنة الضوئية لقياس المسافات.

حقائق شيّقة حول السنة الضوئية

تخيّل أنّنا عندما ننظر إلى نجمٍ ما في سمائنا فإننا فعليًّا ننظر إلى الماضي حرفيًّا، كيف؟ حسنًا لنأخذ بعين الاعتبار نجمًا يبعد عن كوكبا مليون سنةٍ ضوئيةٍ، هذا يعني أن الضوء احتاج مليون سنة ليصل إلينا، فنظريًّا نحن نرى هذا النجم في هذه اللحظة على هيئته قبل مليون سنة!

كما أن شمسنا تبعد عنّا ما يُقارب 8 دقائق، هذا يعني أنّه في كلّ مرّةٍ ننظر إليها من أرضنا فإننا ننظر إلى صورتها منذ 8 دقائق. وعندما ترى منظر الشروق أو الغروب الخلّاب ذاك، فإن الشروق أو الغروب قد انتهى في الواقع وأنت لازلت تنظر إليه وهو يحدث في الماضي، أليس الأمر مثيرًا حقًّا.4

المراجع