“وبضدها تتميز الأشياء” إحدى المقولات المميزة عند العرب، ولكن هل تخيلت أن هناك بعض الأشياء والمفاهيم سيكون تخيل أو تصور ضدها أصعب من فهمها واستيعابها لوحدها! دعنا نتخيل ونفهم المادة المضادة.

ولادة المصطلح

ولد مصطلح المادة المضادة لأول مرة مع عالم الفيزياء الإنجليزي ديراك Paul Adrien Maurice Dirac الذي جمع بين النظرية النسبية لأنشتاين theory of relativity وميكانيك الكم quantum mechanics بطريقةٍ رياضيةٍ لم يسبقه إليها أحد.

توصل ديراك نتيجةً لدراساته لمعادلةٍ حملت اسمه لاحقًا (معادلة ديراك Dirac equation) وكان من أهم نتائج هذه المعادلة أنها تثبت وجود جسيمات مشحونة بشكلٍ معاكسٍ للجسيمات والجزيئات المعروفة ولها عزمٌ مغناطيسيٌّ معاكسٌ أيضًا.

أطلق ديراك على هذه الجزيئات اسم مضادات الجزيئات antiparticles أو مضادات المادة antimatter.1

التعريف

المادة المضادة: هي تصنيفٌ عام يطلق على نوعٍ من الجزيئات التي تشترك مع بعضها البعض بخصائصَ عامة كغيرها من أنواع المادة إلا أنها تكون ذات شحنةٍ معاكسةٍ.

على سبيل المثال لدينا مادةٌ مضادةٌ تسمى البوزيترون Positron تتشارك مع الإلكترون في جميع الصفات إلا أنها مشحونةٌ بشحنةٍ موجبةٍ عكس شحنة الإلكترون السالبة.2

لغز المادة المضادة

يتنبأ علماء الفيزياء أن المادة ومادتها المضادة يجب أن توجدا تقريبًا بكمياتٍ متساويةٍ وهذه هي الحال عند نشوء الكون خلال الانفجار العظيم the Big Bang، كما يعتقد العلماء بأن قوانين الفيزياء يجب أن تبقى محققةً في حال استبدلت كل مادةٍ في الكون بالمادة المضادّة لها وهذا ما يسمونه مبدأ التناظر.

إلا أن هذه التنبؤات التي توصل لها علماء الفيزياء النظرية عبر معادلاتهم لا تتحقق في الكون بل على العكس فإن الكون الذي نعيش فيه مكونٌ في معظمه من المادة وليس المادّة المضادة! وبالتالي أين اختفت المادة المضادة لو صح وجودها عند نشوء الكون بالانفجار العظيم!.

بعتبر هذا السؤال من أكثر المعضلات غموضًا في الفيزياء وحتى الآن تدور حوله الكثير من الأبحاث والتجارب لمعرفة الإجابة الشافية.

تجارب وأبحاث

أظهرت التجارب أن بعض عمليات التحلل الإشعاعي radioactive decay processes لا تنتج نفس الكمية من المادة والمادة المضادّة إلا أن هذا لا يكفي لتفسير قلة وجود المادة المضادة في الكون، لذلك تعمل العديد من مجموعات البحث في مراكز الأبحاث الشهير مثل LHC وATLAS وCMS وغيرها على العديد من التجارب المماثلة التي يمكن أن تحل لغز المادة المضادة.

بالتأكيد لا يغيب مركز الأبحاث الأشهر في هذا المجال CERN عن هذه التجارب حيث تعمل مجموعاتٌ من الباحثين على تجاربَ على مستوى طاقةٍ منخفضةٍ للتأكد من كون المادة المضادّة هي الانعكاس الحقيقي للمادة.3

سفينة فضاء المادة المضادة

من الخصائص المثيرة للاهتمام للمادة المضادة هي أنه عندما تتفاعل جزيئات المادة المضادة مع جزيئات المادة فإنها تفني بعضها بعضًا وينتج عن ذلك التفاعل طاقةٌ.

بسبب خاصية توليد الطاقة من فناء المادة مع المادة المضادّة وبعيدًا عن الأبحاث والتجارب النظرية ولدت فكرة تصميم سفينة فضاءٍ تستمد طاقتها من تفاعل الفناء هذا، حيث يمكن لهذه السفينة لو أنجزت بنجاحٍ أن تسافر في الفضاء وتستكشف الكون دون الخوف من نفاد الوقود.

إلا أن وكالة الفضاء الأمريكية ناسا حذرت من فكرة سفينة الفضاء هذه فهي ذات تكلفةٍ مرعبةٍ كما تقول الوكالة، حيث يكلف إنتاج ميلي غرام واحد من المادة المضادّة ما يقارب المائة مليار دولار.

وأضافت الوكالة “حتى تكون فكرة سفينة الفضاء ناجعةً تجاريًّا يجب أن يقسم الرقم السابق على 10000″، كما أن كمية الطاقة اللازمة لإنتاج المادة المضادّة أكبر بكثيرٍ مما سيولده تفاعل فناء المادة المضادّة!.

ولكن ورغم كل هذه التحديات والحقائق التي تبدو محبطةً للغاية لم تتوقف ناسا والعديد من مراكز البحث الأخرى عن العمل لتطوير وسائلٍ تكنولوجيةٍ قادرةٍ على توليد المادة المضادّة وجعل فكرة سفينة الفضاء ممكنةً.

في عام 2010 أصدرت وكالة ناسا وبالتعاون مع مراكز أبحاثٍ أخرى تقريرًا بعنوان حدود التكنولوجيا: إمكانيات استكشاف الفضاء “Technology Frontiers: Breakthrough Capabilities for Space Exploration”، تناول هذا التقرير تصميم مركبة فضاءٍ تعمل بتقنية الاندماج.

يفترض التصميم خلق تصادم بين جزيئات الديتريوم والتريتيوم deuterium and tritium (نظائر الهيدروجين الثقيل) مع جزئيات المادة المضادة الخاصة بها لتوليد الطاقة اللازمة لتحريك سفينة الفضاء.4

فهل سنرى قريبًا سفينة فضاء تجوب الكون لتصور لنا معالمه ومجراته، أم أن الأمر لازال بعيد المنال؟ هذا ما يمكن أن يكشفه لنا المستقبل.

المراجع