مباركات و تهنئة عيد الاضحى 2020

الموسوعة » مباركات و تهنئة عيد الاضحى 2020

يحتفل المسلمون بعددٍ من المناسبات الدينية على مدار العام، أهمها عيد الفطر وعيد الأضحى، لأنهما على عكس الاحتفالات الأخرى يعتبران من صميم الدين ذاته. يأتي عيد الفطر في الأول من شوال احتفالًا بنهاية صيام رمضان، أما عيد الأضحى فيكون في اليوم العاشر من ذي الحجة، وهو اليوم التالي للوقوف بعرفة، فيتزامن العيدان مع شعيرتين من شعائر الإسلام هما الصوم والحج تواليًّا.

الوقوف بعرفة
الوقوف بعرفة

لا يحتفل المسلمون يوم عيد الأضحى بشعيرة الحج وحسب، بل هم يحتفلون بفداء الله نبيه إسماعيل، وذلك لمّا همّ أبوه النبي إبراهيم ليذبحه استجابةً للوحي، القصة نعرفها جميعًا وليس أفضل من أن نذكر الآيات القرآنية التي تحكيها:

“فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111)”

سورة الصافات، الآيات 101 حتّى 111.

إبراهيم وأبناؤه

سأعود لقصة الذبح والفداء لكن لنتعرف أكثر على إبراهيم وأبنائه. إبراهيم شخصيةٌ محوريةٌ في الديانات الثلاث التي تسمى نسبة إليه الديانات الإبراهيمية، وهي أديان اليهودية والمسيحية والإسلام بالترتيب الزمني لظهورها، هو أول الآباء التوراتيين من ناحية، وهو أبو إسماعيل الذي تسميه بعض المصادر بأبي العرب، طبعًا لا سبيل لإثبات مثل هذا الادعاء أقصد أبوة إسماعيل للعرب، وهو الادعاء الذي شكك فيه طه حسين بعبارته الشهيرة في كتابه الجدلي في الشعر الجاهلي حين قال:

“للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضًا، لكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، فضلًا عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة ونشأة العرب المستعربة فيها”.

طه حسين – في الشعر الجاهلي.

تنسب التوراة اليهودية إبراهيم إلى مدينة أور السومرية في بلاد ما بين النهرين (العراق حاليًّا)، وقد غادر إبراهيم بلاده حسب التوراة ليلبي نداء الرب لينشئ أمته، حتى وصل إلى أرض كنعان (اسم يطلق على منطقة فلسطين ولبنان وأجزاء من سوريا والأردن) واستقر بها. تنقل إبراهيم عبر عددٍ من المدن والقرى حتى انتهى به الأمر في مصر، وهناك كما تحكي التوراة ادعى أن زوجته سارة أو ساراي إنما هي أخته لئلا يقتل بسببها، وهناك منحهم ملك مصر جاريةً هي هاجر أم إسماعيل.§.

لم يكن لإبراهيم أي أبناءَ حينها، فطلبت منه زوجته سارة أن يدخل بهاجر، ففعل وأنجبت له ولده إسماعيل، ثم حملت سارة وأنجبت إسحاق، وبعد ذلك طلبت من زوجها أن ينزل هاجر وابنها بمكانٍ آخر، ذلك أن سارة انتابتها الغيرة وخافت أن يزاحم إسماعيل أخاه إسحاق في الميراث كما تروي التوراة، تردد إبراهيم في تلبية طلب زوجته لكن الله طمأنه على مصير ولده، فأخذ إبراهيم إسماعيل وهاجر إلى برية فاران بين بئر السبع وسيناء.§.

يعقوب ولد إسحاق بن إبراهيم هو إسرائيل كما تسميه التوراة، وقد حملت سلالته اسمه فسموا بني إسرائيل، وفيهم كان أنبياء كثيرون كموسى وداوود وسليمان وغيرهم، وصولًا إلى يسوع الناصري أو عيسى بن مريم. 

القرآن يقدم صورةً مختلفةً لإبراهيم، أولًا لا يحدد القرآن موطنًا لإبراهيم أي لا يسمي المكان الذي عاش فيه، ثم أن إبراهيم أخذ يدعو قومه إلى عبادة الله الواحد وترك عبادة الأصنام، لكنهم لم يؤمنوا بدعوته. لا يمنحنا القرآن تفاصيل خروج إبراهيم في رحلته لكن نفهم من القرآن أن إبراهيم خرج هروبًا من اضطهاد قومه له، الآيات التالية من سورتي الأنبياء والعنكبوت على الترتيب توضح ذلك:

“قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (65) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (67) قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (68) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70) وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (72) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (73)”.

سورة الأنبياء – الآيات 62 حتّى 73.

“وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (16) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (17) وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (18) أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (19) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (21) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (22) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (23) فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (24) وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (25) فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (26) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (27)

سورة العنكبوت – الآيات 16 حتّى 27.

كعادة القرآن فإنه لا يستغرق في التفاصيل، لذلك يحدثنا عن دعوة إبراهيم في قومه وعن خروجه من بلده وعن فداء إسماعيل بالإضافة إلى قصصٍ أخرى حول النبي إبراهيم دون الخوض في تفاصيل الأحداث إلا بالمقدار الذي يناسب غرض الآيات. في التراث الإسلامي تختلف قصة ترك إبراهيم لولده وزوجته في الصحراء، فهو لم يتركهما بين بئر السبع وسيناء، لكن تركهما في مكة، حيث تفجرت عين الماء زمزم عند قدمي الصبي إسماعيل، وحيث رفع إبراهيم وإسماعيل قواعد البيت بعد ذلك.

احتفالات العيد

“أفضل الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القر”

رواه أحمد وأبو داود والحاكم وصححه الألباني.

هذا حديثٌ نبويٌّ عن يوم عيد الأضحى، حيث يصفه بأفضل الأيام عند الله، أما يوم القر فهو اليوم التالي له حيث يستقر الحجاج في منى. في حديثٍ آخر يقول:

“أفضل أيام الدنيا أيام العشر”.

رواه البزار وابن حبان وصححه الألباني.

أي العشرة أيام الأولى من ذي الحجة، والعيد هو اليوم العاشر.

في يوم العيد يمارس الناس عددًا من الطقوس تتخذ شكلًا احتفاليًّا ويتبادلون عبارات تهنئة عيد الاضحى بينهم، منها التكبير الذي يبدأ مع فجر يوم عرفة أو ظهر يوم النحر، وينتهي عصر آخر أيام التشريق، وأيام التشريق هي أيام الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة. صلاة العيد هي ربما أبرز مظاهره، وهي ركعتان يصليهما الناس بعد شروق الشمس مباشرةً، في الركعة الأولى يكبرون سبع تكبيراتٍ وفي الثانية خمس. يوم عيد الأضحى تنحر الضحايا وتوزع لحومها بالتقسيم سالف الذكر، والأضحية قد تكون شاةً أو إبلًا أو بقرةً. يمتد الوقت المسموح للذبح بين انتهاء صلاة العيد وغروب شمس ثالث أيام التشريق.

صلاة عيد الأضحى
صلاة عيد الأضحى

يكون يوم العيد بمثابة فرحٍ يشارك فيها المسلمون جميعًا، فيتبادلون الزيارات وتخرج الأسر للتنزه وقد تزين البيوت، ويراعي الناس ارتداء الثياب الجديدة، ويعتنون بمظهرهم أحسن عناية. في بعض البلدان تجد عادات من قبيل خبز الكعك أو كما يسمونه كعك العيد، وينال الصغار نصيبهم بما يعطيه لهم الكبار من أموالٍ يعايدونهم بها ويسمونها العيدية.§.

العيد في 2020

كما اختلف كل شيءٍ هذا العام، فإنّ العيد سيختلف، وكذلك تهنئة عيد الاضحى واحتفالاته، فالعالم لا زال يخضع بأسره لفيروس كورونا المستجد الذي يغير واقع الناس وطريقة معيشتهم. بالنسبة للصلاة في الأغلب لن تسمح أكثر الدول بإقامة صلاة العيد، فرغم أن دولًا عاودت فتح المساجد للصلاة، إلا أن صلاة الجمعة لا يسمح بإقامتها منعًا لتجمع عددٍ كبيرٍ من الناس، وذات الأمر ينطبق على صلاة العيد.

نحر الأضاحي سيتأثر هو الآخر نظرًا للحالة الاقتصادية المتردية إثر توقف الحياة الاقتصادية بفعل انتشار فيروس كورونا. ربما لن يستطيع الناس التحرك بذات الحرية التي اعتادوا عليها في سنين سابقة، لكن تخفيف الإجراءات في عددٍ من الدول ربما يسمح للناس بالخروج لزيارة الأقارب أو للتنزه. رغم ذلك فنحن محظوظون كفاية أننا نعيش هذا الزمن حيث نستطيع التواصل عبر المسافات البعيدة كاسرين حواجز المكان، فلن يمنع الناس شيء من تبادل التهنئة وتشارك فرحتهم.

بكل الأحوال إن حياتنا لم تعد كما كانت عليه، لذلك يجب أن نتأقلم قدر استطاعتنا حتى تنتهي الأزمة. لكن حتى لو انتهت الأزمة الصحية فستبقى عواقبها الاقتصادية قائمةً لفترةٍ من الزمن، وهذا ما يتحتم علينا أن نعيه جيدًا. لنبدأ في تغيير نمط حياتنا القائم على الإنفاق، فكر دائمًا أنك لو كنت تملك عشرة دولاراتٍ مثلًا فغيرك لا يملك إلا دولارًا واحدًا أو هو لا يملك شيئًا بالإطلاق، فكر بالكوكب الذي نستفذه بسرعة. سنعاني جميعًا آثار تفشي الوباء، الوباء الاقتصادي أعني، وعلى أحدنا أن يفكر في الآخر لا في نفسه وحسب.