تأثير الأمارا… الجانب الإيجابي من المواقف السلبية

كأس ماء نصف مملوء
آلاء عمارة
آلاء عمارة

7 د

كم مرة تعرضت لموقف صعب ثم أدركت أنه كان من المهم حدوثه؟ حتى إنه ربما كان نقطة فارقة في حياتك. وبسبب ضعف البصيرة، قد تندب حظك، وتنعت نفسك بقليل الحظ، مثلما فعل محمود درويش عندما قال في فراق حبيبته: "أنا العاشق سيئ الحظ!". لكن لا بأس من تعثر الحظ، قد يكون بداية للخير ولا ندري، وهذا يسمى "تأثير الأمارا". 

قبل الانطلاق في تفاصيل هذا التأثير، أود أن أسألك شيئًا. هل تؤمن بالعوالمِ المتعددة؟ ماذا؟ لا تعرف أصلًا ما هي العوالم المتعددة؟ حسنًا، دعك من المنظور العلمي الفيزيائي المعقد لها، إنه يطول شرحه بصراحة، لكن سأخبرك بما أعني من منظور فلسفي عبر مجموعة من القصص الممتعة، لكن ركز معي، هناك عبرة في كل قصة، حاول أن تستنتجها وحدك قبل الانتهاء من القراءة. 


أمارا في عوالم متعددة

تروي قناة "Pursuit of Wonder" قصة فتاة تسمى أمارا "Amara" في عدة حيوات، بقصص ومواقف ونهايات مختلفة.


فتاة ثرية ولكن..

في يوم 27 ديسمبر عام 1967، كان السيد "هيو ألتو" ينتظر زوجته "ليانا" التي تلد مولودهما الأول داخل غرفة العمليات. وفي تمام الساعة 4:45 صباحًا، وُلدت طفلة، أعطوها اسم "أمارا"، كانت الطفلة بصحة جيدة، واعتنى بها والداها كثيرًا. وجاءت النقطة الفارقة في عائلة آل ألتو بعد عامين من ولادة أمارا، عندما نجحت أمها في مشروعها الخاص، وحققت أرباحًا كبيرة، وانتقلت العائلة إلى طبقة الأثرياء. 

ذو صلة

عاشت أمارا حياة كريمة، وحاولت البحث عن هواية، لكنها لم تكلف نفسها عناء تطوير هواياتها، لأنها كانت تمتلك كل شيء تقريبًا، وكل ما تطلبه يأتي إليها، وعندما تخرجت من الجامعة، ذهبت للعمل مع أمها، وبما أنها ابنة مؤسسة الشركة، كان يعاملها الجميع بصورة مختلفة، بالرغم من قلة خبرتها في العمل، ما قلل حافزها للتغيير. 

بعد ذلك، تزوجت أمارا من رجل غني، وأنجبت منه 4 أطفال. واستطاعت مع زوجها بناء ثروة كبيرة بالإضافة إلى ما ورثته عن عائلتها. لكنها لم تتفق معه، ولم تعش معه في سعادة، بل اضطرت للعيش معه حفاظًا على المظهر الاجتماعي، وفي عمر الأربعين، طُلقت أمارا. كبرت أمارا وماتت، ولم تتزوج مرة أخرى، لقد كانت تعيش حياة الأثرياء، لكن لم تستمتع.


نجاح رغمًا عن التعثرات المادية

في يوم 3 يناير عام 1968، في تمام الساعة 12:01 صباحًا، جاءت إلى الحياة طفلة لوالدين، وهما: هيو وليانا ألتو. وأطلقوا عليها اسم أمارا، وقد وُلدت بصحة ممتازة، بالرغم من ولادتها قبل الموعد المحدد بأسبوع. بعد 3 أشهر من ميلاد أمارا، حدثت مشاكل مادية للعائلة، حيث طُرد والد أمارا من وظيفته، وبعد الرفت، كافح للحصول على وظيفة جديدة، وفي الوقت نفسه، اضطرت والدتها للبعد عن مشروعها والبحث عن وظيفة تستطيع من خلالها مساعدة أسرتها.

نجح الزوجان في الحصول على وظائف جديدة، وعاد الاستقرار إلى حياة الأسرة. وعندما كانت أمارا ف عمر 11، قررت البدء في لعبة كرة القدم، كانت هي أكبر أعضاء الفريق سنًا، لكنها الأفضل والأقوى. اجتهدت وتدربت كثيرًا. وفي فترة المراهقة، كانت تعمل للحصول على مال يساعدها في حياتها، حتى استطاعت في عمر الثانية والعشرين أن تكون في منتخب بلدها وأصبحت ناجحة في حياتها المهنية. وفي عمر الثلاثين، تزوجت من رجل تحبه كثيرًا، وأنجبت منه 3 أطفال، وكانت تحمل المسؤولية طوال فترة حياتها. كبرت وماتت، لكنها عاشت حياة غنية ذات معنى.


قد تهدم الظروف الصعبة

في يوم 27 ديسمبر عام 1967، وُلدت فتاة تُدعى أمارا لكل من: هيو وليانا ألتو في تمام الساعة 4:45 صباحًا. كان والداها عاديين، لكن لا يحققان نجاحات في وظائفهما. وعندما كانت أمارا تبلغ من العمر 11 عامًا، أُصيبت والدتها بمرض السرطان ونامت في سلام بعمر التاسعة والثلاثين. حزنت أمارا وأباها على وفاة والدتها، لكن كان التأثير الأعمق على والدها الذي أُصيب ببعض الأزمات النفسية، وعندما بلغت 14 عامًا، ذهبت هي ووالدها للعيش في شقة صغيرة بجوار مدرستها. 

بدأت أمارا تكبر دون أمها، ولم تجد من يرشدها في الحياة، فعرضت نفسها للانحرافات التي يتعرض لها المراهقون وتعاطت المخدرات وتزوجت رجلًا يشبهها وأنجبت طفلين، وعاشت حياة سيئة، ولم تحقق أي إنجاز في حياتها، وماتت عندما بلغت 55 عامًا.


ومن رحم المعاناة يُولد المجد 

في 6 ديسمبر عام 1967. وُلدت أمارا ألتو في 3:58 صباحًا، لوالدين، وهما هيو وليانا ألتو. لم تُولد الطفلة بحالة صحية جيدة. حيث ولدت قبل ميعادها بنحو أسبوعين أو أكثر، فلم يكتمل نموها، وبعد 8 سنوات، لاحظت أمارا أنها من ذوي الاحتياجات الخاصة، وكانت تتعرض للتنمر والمعاملة القاسية في المدرسة من المدرسين والطلاب.

وعندما كبرت قليلًا، أرادت أن تصحح نظرة الجميع الخاطئة، وفكرت في تطوير طرائق جديد تسهل عليها عملية التعلّم، ونجحت في ذلك. وبعد المدرسة الثانوية، قُبلت في جامعة ميشيغان في تخصص الفيزياء. وأثناء دراستها، استطاعت تطوير مهارة إدارة المشكلات والحلول. لذلك كانت تحل مسائل الفيزياء والرياضيات المعقدة بطرائق مختلفة ومبتكرة.

لم تتوقف مسيرتها الدراسية بعد التخرج، فقد أكملت الدراسات العليا، وحصلت على درجة الدكتوراه من جامعة هارفارد. وفي عمر الأربعين، صارت أمارا شخصيةً مهمة، ولها قيمة كبيرة في الوسط العلمي وبين الناس، وتخصصت في ميكانيكا الكم والجاذبية وعلم الكونيات، ونشرت عددًا من أهم الكتب. وكانت تظهر في برامج تليفزيونية خاصة بالعلوم، حيث كانت تلقي محاضرات وتظهر في مقابلات ولقاءات وغيرهم. أي أنّه كان لها حضور واسع. وفي عمر الـ 46، ألقت أمارا محاضرة في أحد مهرجانات العلوم وبعدما عرفت عن نفسها، قالت للجمهور: 


"أنتم تعرفون طفولتي، فقد حكيت عنها من قبل، كم كنت غبية، ولوهلة، صدقت ذلك. لقد وضع العالم هذه القيود على الأفكار والناس…لقد علمتني حياتي وعملي الكثير من الدروس… أنا مؤيدة جدًا لنظرية تُعرف بتفسير العوالم المتعددة، وأؤمن بأنّ هناك عددًا آخر من الأمارا في هذه العوالم الموازية. كل واحد منا، لديه ظروفه الخاصة. هناك من يعملون بجد، وأيضًا من لا يحبون العمل…من الممكن أن تتحول المميزات إلى عيوب، والعكس صحيح…مثلا إعاقتي، التي لازمتني طوال حياتي، هي التي جعلتني أقف هنا اليوم…"


راقت لي فكرة العوالم المتعددة الآن 

من خلال القصص السابقة، ستُلاحظ أنّ كل أمارا وُلدت في ظروف خاصة مختلفة عن الأخرى، تمامًا كما ذكرت أمارا الأخيرة، هناك من عمل بجد، وتحدى الظروف وقرر تحويل الأزمة إلى فرصة جديدة، وأيضًا هناك من لم يكلف نفسه عناء حمل مسؤولية، وعاش حياته بلا معنى. هذا دفعني للتفكير عن آلاء في العوالم الأخرى، أتساءل عن الظروف التي عشتها. وأنت أيضًا، فكر في حياتك وظروفك الآن، وحاول تخمين ظروف نظرائك في العوالم المتعددة. 

والقصد من ذلك، ليس تأكيد فكرة العوالم المتعددة التي ذكرها الراحل "أحمد خالد توفيق" في سلسلة "ما وراء الطبيعة" بالعدد الخاص بـ"سلمى وسالم". ولكن توضيح أنه مهما كانت الظروف سيئة، هناك من يأخذ خطوة للأمام، ومن ينجرف للوراء بمحض إرادته أيضًا. 


لهذا، يوجد جانب إيجابي من السلبيات 

دعك من أمارا، وتعال معي على أرض الواقع، هل تعلم قصة تمثال الحرية الماثل في نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية؟ حسنًا، ربما تكون معلومة حديثة عليك أو قديمة، لقد أهدته فرنسا للأمريكيين في الذكرى المائة بعد نجاحهم في الاستقلال عن بريطانيا العظمى، لكن ما علاقة هذا بموضوعنا؟ 

العلاقة ببساطة هو ما حدث قبل 100 عام من إرسال تمثال الحرية للولايات المتحدة، فقد كان الجيش البريطاني هناك، ويحاول السيطرة على الأمريكيين، الذين قاموا وقرروا الانفصال عن بريطانيا، ولما وجدت بريطانيا أنه لا فائدة من هذه الحرب التي تستنزف طاقتهم وذخائرهم، انسحبوا، وقرر الأمريكيون القيام بدولتهم حتى صارت أقوى دولة في العالم اقتصاديًا وسياسيًا وعلميًا، إنها متفوقة على جميع الأصعدة تقريبًا. 


هل يستطيع المرء تغيير حياته للأفضل حقًا؟

الإجابة باختصار هي نعم، يمكن للمرء أن يغير حياته للأفضل وذلك من خلال البحث عن معنى يعيش من أجله، قد يتمثل هذا المعنى في هدف أو حلم يريد تحقيقه، مهما كانت الظروف، ثم تبدأ خطة تحقيق الهدف، بعدها يشرع في التنفيذ ويستمر في العمل الجاد حتى يحققه. من قال إنّ الظروف تحكم؟ والحقيقة أنّ مقاليد التحكم في الحياة في يديك أنت، تستطيع تحديد النسخة الأفضل منك، ثم تعمل على بنائها. ويمكنك الاستسلام لمجريات الحياة من حولك أيضًا، وفي هذه الحالة، لا تلوم إلا نفسك.

هناك العديد من القصص التي تحولت فيها الهزيمة إلى نصر، لكن لا أود أن يكون موضوعي كله قصصًا، وإنما أريد أن ينصب تركيزك نحو العبرة من هذا كله، فقائمة الناس الذين حولوا العيوب إلى مميزات طويلة للغاية، ولا أستطيع إحصاءها، ما يعني أنّ الأمل موجود في كل زمان ومكان. فقط قف وفكر جيدًا، ستجد ضالتك حتمًا إذا أردت.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة