0

ازدحمت سوق الهواتف المحمولة في بداية الألفية الجديدة بمئات الهواتف مختلفة التصاميم، هواتف بمفاصل قابلةٍ للطي، وهواتف بمفاصل دوارة، وأخرى بمفاصل انسحابية، ناهيك عن مئات الهواتف العادية بغير مفاصل. كان يومئذٍ لكل هاتفٍ شكلٌ وحجمٌ يميزه عن باقي المنافسين ويجعل التعرف عليه من مجرد النظر إلى أحد جانبيه أمراً غايةً في السهولة.

أما في أيامنا هذه، أصبحت الهواتف جميعها متشابهةً لدرجةٍ تعجز عن تمييزها، قطعتين من الزجاج المستطيل ملصقتان على إطارٍ من الألمنيوم، نوتش في أعلى الشاشة، مع إطار كاميراتٍ خلفي سميكٍ يزداد شكله غرابةً جهازاً بعد جهاز (أنتِ المقصودة أيتها الشركات الصينية). كيف يعقل هذا؟ هل يُعقل أن إبداع مُصممي المنتجات قد مات؟

في الحقيقة، كانت هذا مقدمةً سوداويةً متشائمةً قسوت فيها قليلاً على الهواتف الذكية ومُصنّعيها بغير حق، فاللوم لا يقع على عاتقهم، والهواتف ليست أقل إبداعاً من ذي قبل.

إبداعٌ سابقٌ لأوانه

إذا سألت أي شخصٍ عن أول هاتفٍ محمولٍ بشاشةٍ لمسيةٍ سيجيبك “هاتف آيفون بالطبع”، أما إذا كان ملماً قليلاً بتاريخ الهواتف الذكية سيجيبك بـ “هاتف LG Prada”، لكن إن كنت تسعى خلف الإجابة الصحيحة، فعليك البحث عنها في الألفية السابقة. في الواقع، فكرة التخلص من الأزرار ومنح الهاتف شاشةً لمسيّةً كبيرةً ليست فكرةً جديدة، فقد طرحتها شركة IBM للمرة الأولى عام 1994 في هاتف Simon الذي يُعتبر السَلف الأول للهاتف الذكي الذي تستخدمه لقراءة هذا المقال.

تخلص هاتف Simon من الأزرار واستبدلها بشاشة لمسيةٍ كبيرةٍ -حسب مقاييس التسعينات- نوع مونو كروم (بالأبيض والأسود) يمكن التحكم بها باستخدام قلم مخصص. لم يكن Simon هاتفاً للاتصال فقط، بل كان بالإمكان استخدامه لإرسال الرسائل عبر الفاكس والبريد الإلكتروني، كما امتلك برنامجاً للتقويم وآخر بدائياً للرسم.

كان Simon إبداعاً سابقاً لأوانه، فقد كانت البرمجيات آنذاك غير ناضجةٍ بما فيه الكفاية لاستخدامها في الهواتف اللمسية، لا أنظمة تشغيلٍ قادرةً على تلبية متطلبات التطبيقات، ولا متاجر إلكترونية لتحميلها، ولا حتى مبرمجين مستعدين لبذل ذاك الجهد الكبير في سبيل تصميم تطبيقاتٍ لهاتفٍ وحيد. حتى العتاد المادي كان بدائياً جداً آنذاك. ومن يدري، لربما كان كمفهوم الهواتف الذكية التي نعرفها في وقتنا الحالي قد تغير لو سلكت Nokia و Motorola و Ericson وغيرها من مصنعي الهواتف الذكية الأوائل طريق IBM في تطوير الهواتف اللمسية، لكنها آثرت صبّ اهتمامها على تطوير المفاصل الدوارة والقابلة للطي.

الشاشة هي السبب

بحلول عام 2007 كانت فكرة استغناء الهواتف عن الأزرار الفيزيائية قد اكتملت، ونضج مفهوم الهواتف اللمسية ومتطلباتها وكيفية الاستفادة منها، فما الحاجة لأزرارٍ جامدةٍ تحتل جزءاً كبيراً من حجم الهاتف ويقتصر استخدامها على كتابة الرسائل والاتصال إن كان بالإمكان الاستعاضة عنها بشاشةٍ أكبر يمكن لعشرات آلاف التطبيقات للاستفادة منها؟ منذ ذلك الحين، بدأت الهواتف الذكية تأخذ شكلاً واحداً لا يمكن الرجوع عنه، لم يكن ذلك بسبب موت الإبداع لدى المصنّعين، بل بسبب القيود التقنية التي فرضتها عملية تطوير تجربة المستخدم وتحسين وظيفة الهاتف ككُل.

الشاشة هي أول وأهم تلك القيود، والسبب الرئيسي في أخذ الهواتف الذكية شكلها الحالي، والتي أخذ حجمها بالازدياد عاماً بعد عامٍ، فالشاشة الأكبر تعني تجربة استخدامٍ أفضل، بدءاً من تصفح الويب ومواقع التواصل الاجتماعي، وليس انتهاءً بالألعاب ومشاهدة الفيديوهات، لذا تتسابق الشركات لتقديم شاشاتٍ بحجمٍ أكبر مع الحفاظ على حجم الهاتف أصغر ما يمكن.

من جهةٍ أخرى، تلعب توقعات المستخدمين دوراً هاماً في تحديد تصاميم الأجهزة المستقبلية، حيث يضع جميع المستخدمين تصوراً عاماً عن الميزات والمواصفات التي يرغبون بالحصول عليها في هاتفهم الجديد، فحجم الشاشة يجب ألا يقل عن 6 إنش والنوتش أصغر ما يمكن، يملك كاميرتين أو حتى 4 كاميرات وبطاريةٌ لا تقل استطاعتها عن 4000 مللي أمبير دون أن تتجاوز سماكة الهاتف 8.5 ملم.

فرضت هذه التوقعات المزيد من القيود على المُصنّعين ومنعتهم من خطو أي خطوةٍ جديدةٍ دون دراسةٍ مطولة ودفعتها إلى طرح أفكارها تدريجياً على شكل تحسيناتٍ طفيفة. ناهيك عن أن الشركات لا تحبّذ التغييرات الجذرية والمفاجئة لأن وقعها قد يكون سلبياً على المستخدمين.

هل مات الإبداع فعلاً؟

تمهّل لحظة، من قال إن الإبداع قد مات؟ لعلّه شخصٌ يعتقد أن جودة أي هاتفٍ من هواتف شاومي -الصينية- تماثل جودة الهاتف -الصيني طبعاً- الذي اشتراه عام 2005، أو أحد معجبي آبل الذين ما زالوا ينتظرون بفارغ الصبر إطلاق هاتفها الشفاف كلياً الذي رآه يوماً ما في أحد التصاميم التخيلية.

في الواقع، لم يسبق لسوق الهواتف الذكية أن كان على درجةٍ عاليةٍ من الإبداع كما هي الآن، لا أقصد الإبداع التصميمي فقط، بل أيضاً الإبداع التقني والعلمي الذي تتطلبه أي فكرةٍ جديدةٍ خارجةٍ عن المألوف، فبالرغم من التنوع الكبير في تصاميم الهواتف القديمة ذات الأزرار، إلا أنها لم تكن معقّدةً من الناحية التقنية، ولا يتطلب تغيير تصميمها سوى إعادة ترتيب بعض المكونات الداخلية، على خلاف التقنيات الحالية التي تتطلب أشهراً وربما سنواتٍ من البحث والتطوير.

بدءاً من هاتف Galaxy S4 Zoom ذي العدسة المتحركة في عام 2013 إلى هاتف LG Wing بشاشته الدوارة عام 2020، وما بين هذين العامين من أفكارٍ جديدةٍ وغريبةٍ لم ينجُ بعضها للجيل الثاني وأخرى لم تُبصر النور حتى. كفكرة الشاشة الهولوغرامية ثلاثية الأبعاد في هاتف Red Hydrogen One عام 2018، وهاتف Mi Mix alpha ذو الشاشة المنحنية التي تمتد لتغلّف جهتي الهاتف الأمامية والخلفية، والهواتف التركيبية من Lenovo و LG ومشروع Ara الثوري من Google.

هذا ولم أبدأ التحدث بعد عن الإبداع التقني الحقيقي في حل بعض المشاكل كمشكلة تشويه الكاميرا الأمامية للجزء العُلوي من الشاشة، هذه المعضلة التي كانت لوحدها أكبر اختبارٍ لإبداع المُصنّعين، والتي كان من نتائجها تصميم الشاشة الانسحابية في هاتف Xiaomi Mi Mix 3 والكاميرا المنبثقة في هاتفي Oppo Find X و Vivo Nex الدوارة في هاتف Galaxy a80 والمُنقلبة في هاتف Asus 6z. أما الإبداع في الهواتف القابلة للطي فيحتاج لمقالٍ كاملٍ للتحدث عنه.

لسوء الحظ، لم يكن النجاح حليف أغلب الأفكار تلك، ويعود السبب الرئيسي إلى أنها غير عمليةٍّ لدرجةٍ كافيةٍ تسمح باستخدامها بشكلٍ فعليٍّ في الحياة اليومية، لكن التجارب الفاشلة السابقة لم تثنِ المُصنّعين عن تقديم المزيد من الأفكار الإبداعية كل عام، وطالما تستمر التقنيات الجديدةٍ في التطور، لن يتوقف الإبداع أبداً.

0

شاركنا رأيك حول "إنه زمن الأشكال المتشابهة.. هل مات الإبداع في تصميم الهواتف الذكية؟"