”ملاحقات قضائية أم فقدان للشغف“.. هل نشهد نهاية عصر قرصنة الألعاب بعد اعتزال أشهر الفرق؟!

محمد خليل
محمد خليل

8 د

شهدت الآونة الأخيرة خروج بعض فرق "قرصنة الألعاب" الشهيرة من المجال وقررت ولأسبابٍ غير واضحة التوقف وترك "تهكير" الألعاب وإلى الأبد تاركة وراءها الكثير من التساؤلات والتفاصيل الخفية التي أثارت فضول المهتمين بمجال ألعاب الڤيديو، خصوصًا الشريحة التي لا تستطيع الدفع من أجل ترخيص ولعب الألعاب بشكل شرعي.

فريق "CODEX" الاسم الأبرز والمسيطر على المشهد خلال السنوات الثماني الماضية أعلن مُنذ أيام قليلة عن تقاعده رسميًا:


الآن، بعد سنوات من بلوغ هدفنا، نشعر أن الوقت قد حان للمضي قدمًا، نشكر كل من رافقنا ودعمنا في رحلتنا -فريق CODEX معُلًنا الإغلاق.

بعد ساعات قليلة من هذا الإعلان، كشفت مجموعة PLAZA هي الأخرى اعتزال قرصنة ألعاب الفيديو والاكتفاء بتاريخها الحافل في اختراق حماية أكثر من 5000 لعبة.

تنتمي فرق CODEX و PLAZA لكيان واحد ويتحدون في مجموعة أكبر تعرف باسم «The Scene»  أو «Warez scene» تضم العديد من فرق القرصنة الذين يتنافسون على قرصنة الألعاب، وكانت "كودكس" التي ظهرت أول مرة عام 2014 واحدة من الفرق التي نافست على المركز الأول، حيث قاموا بقرصنة 7300 لعبة.

ذو صلة

حَسَبَ بيان الاعتزال ذكر الفريق بأن الأسباب التي دفعته لاتخاذ القرار كانت قلة المنافسة وفقدان الاهتمام والشغف في قرصنة الألعاب، لكن ما خفي كان أعظم، هناك سبب آخر لم يتم الفصح أو الإشارة له -ربما- كان هو الدافع الرئيس وراء جُل تلك الانسحابات وفي هذا التوقيت بالذات.


الملاحقات القضائية أم فقدان الشغف؟

يُعد اختراق أو قرصنة الألعاب أمرًا غير قانوني وهو كذلك غير مقبول من الناحية الأخلاقية، وبطبيعة الحال، لم تسلم فرق القرصنة من المُلاحقات القضائية على مدار التاريخ -بالرغم من صعوبة تتبع فرق القرصنة التي توجد أغلبها في مناطق الصين وروسيا- مع هذا لم يفلت المُقرصنين من الوقوع تحت طائلة القانون لينتهي بهم الأمر خلف القضبان في نهاية المطاف.

في عام 2016 تم القبض على الشاب الأوكراني "أرتيم فولين" مؤسس موقع التورنت Kickass بتُهمة انتهاك حقوق الملكية الفكرية، ما سبب زلزالًا آنذاك للمستخدمين حيث على أثر ذلك تم إغلاق الموقع.

كان موقع KickassTorrents أحد أشهر مواقع التورنت المُتخصصة في نشر المحتوى المُقرصن بما فيها محتوى الألعاب مع أكثر من 50 مليون زائر شهريًا للموقع، في هذه الفترة كان الموقع يحتل المرتبة رقم 69 كأكثر موقع يتم زيارته على الإنترنت، كان هذا بالطبع قبل إغلاق الموقع والاستيلاء على الدومين الخاص به.

الصورة التي ظهرت لزوار الموقع بعد إغلاقه

في 11 فبراير الماضي، قامت السلطات الأمريكية في واشنطن بالحكم على "غاري بوز" مُخترق جهاز Nintendo Switch بالسجن لمدة 40 شهرًا فيدراليًا (3 سنوات) بالإضافة إلى تغريمه مبلغ 10 مليون دولار؛ وذلك بتهمة التسبب في خسائر بقيمة 65 مليون دولار لشركات الألعاب.


قد يكون هذا السبب الحقيقي وراء اعتزال أشهر فرق القرصنة، بالإضافة إلى فقدان الشغف!

يعتقد البعض أن عمليات الاعتقال تلك هي السبب الرئيس وراء قرار CODEX و PLAZA الانسحاب من المشهد في هذا التوقيت، بجانب السبب المُعلن بالطبع وهو انعدام المنافسة بينهم وبين فرق قرصنة الألعاب الأخرى وفقدان الشغف، عندما تفقد الشغف في أمر ما سيكون من الصعب تحمل الأعباء والمشقة الناتجة عنه، خصوصًا في عمل غير شرعي كهذا.

وبالعودة لعام 2014، تم إنشاء فريق CODEX بهدف واحد فقط وهو: "إعطاء مجموعة قرصنة ألعاب الكمبيوتر المسيطرة في ذلك الوقت «RELOADED» بعضًا من المنافسة الجادة".

بمرور الوقت لم تدم طويلًا سيطرة فريق RELOADED وبدأوا في الانهيار والانهيار، ما جعل المشهد أقل إثارة للاهتمام وعلى أثره… كان قرار الاعتزال.


في الحقيقة، لا تتأثر مبيعات الألعاب بالقرصنة

لعلك تدرك جيدًا أن معظم الألعاب تأتي محمية ببرمجيات خاصة (DRM) تمنع تشغيلها إلّا عند شراء نسختك الخاصة من اللعبة بشكل شرعي، وذلك حتى تستطيع الشركات الناشرة لهذه الألعاب من تحقيق الأرباح المنشودة، ومع ظهور فرق القرصنة المختصة في كراكات الألعاب، تمكن الملايين من الأشخاص من الحصول على نسخهم المجانية من الألعاب، ما جعل البعض يتصور أن هذا الأمر له تأثير سلبي على مبيعات النسخ الأصلية، والحقيقة أن هذا غير صحيح.

ربما كان أكبر تأثير لهذه الفِرَق هو إقناع بعض مطوّري الألعاب على الأقل بتجنب الدفع مقابل حماية النسخ "القوية"، وتقديم ألعاب خالية من إدارة الحقوق الرقمية أو ما تعرف باسم "DRM Free" من خلال منصات مثل GOG (التي تمكن المستخدم من تحميل اللعبة وتشغليها مباشرةً دون حماية).

خير مثال على ذلك هو لعبة The Witcher 3: Wild Hunt التي صدرت دون حماية ومع هذا تمكنت من بيع 12 مليون نسخة بحلول عام 2020 على الحاسب الشخصي فقط، مع 28 مليون نسخة إذا تم تضمين نسخ الأجهزة المنزلية من اللعبة.


The Witcher 3: Wild Hunt

مثال أخر وهو لعبة Kingdom Come: Deliverance التي صدرت بحماية DRM على المتجر الرقمي "ستيم" وفي غضون ساعات قام فريق CODEX بفك تشفير اللعبة وإطلاقها مجانًا للجميع، سرعان ما قام الناشر الخاص باللعبة Warhorse بإطلاق نسخة أخرى خالية من حماية DRM على منصة GOG، في النهاية، باع الناشر حوالي نصف مليون نسخة من اللعبة في غضون يومين، ومليون نسخة بنهاية الأسبوع، وبحلول الذكرى السنوية الأولى لإطلاق اللعبة، تم بيع مليوني نسخة، كل هذا على الرغم من وجود نسخة مقرصنة مجانية في يوم الإطلاق!

حصريات سوني كانت دليلًا آخر على عدم أهمية قرصنة الألعاب، عندما قرر عملاق الصناعة الياباني جلب حصريات PS4 إلى الحاسب الشخصي، دون الاهتمام بحماية تلك الألعاب، وعلى الرغم من قرصنة كل العناوين التي أطلقتها سوني على الحاسب حتى الآن؛ إلا إنها حققت نجاحًا ضخمًا سواء على صعيد المبيعات أو حتى في تغيير فكر سوني المُستقبلي وتأكيدها على جلب المزيد من العناوين للمنصة في وقتٍ لاحق.

استطاعت سوني بيع مليون نسخة على الحاسب من Days Gone و 2 مليون نسخة من God of War بالرغم من قرصنة هذه الألعاب بعد ساعات قليلة من إطلاقها.


God of War

هل ينتهي عصر "قرصنة الألعاب" إذًا؟

بسبب تطور أنظمة الحماية كنظام الحماية الأشهر "Denuvo DRM"، توقع الخُبراء انتهاء عصر قرصنة الألعاب بحلول عام 2018، في المدّة ما بين 2016 حتى ذاك العام كانت قرصنة الألعاب التي تحمل حماية دينوفو ضربًا من ضروب الخيال وبعض الألعاب لم تُقرصن من الأساس بسبب تلك الحماية العنيدة، ولكن لم تنفك فرق القرصنة عن المحاولة حتى نجحت في كسرها وكان لفريق CODEX الفضل الأكبر في ذلك.

في الوقت الراهن، أصبح الحصول على النسخة المُقرصنة من اللعبة في يوم إطلاقها هو الشيء الذي يتوقعه ناشر اللعبة نفسه قبل اللاعبين المتحمسين، والأكثر إثارةً للاهتمام أن بعض اللاعبين يفضلون النسخ المقرصنة عن النسخة الأصلية حتى إذا كان في مقدورهم شراء اللعبة من الناحية المادية!


في بعض الأحيان، تتفوق النسخ المقرصنة من الألعاب على النسخ الرسمية!

في آخر إصدارات صناعة الألعاب الكبرى، لُعْبَة Elden Ring، كانت النسخة المُقرصنة من اللعبة تعمل بشكل أفضل من النسخة الأصلية المدفوعة، والسبب هو أن النسخة المُقرصنة لم تضم تحديث اليوم الأول الذي أطلقه المطور في أول ساعات صدور اللعبة رسميًا، وكان يحتوي بعض الأخطاء "التقنية" التي أثرت على أداء اللعبة وسببت الضجر للاعبين، في اليوم الأول للعبة كان مُلّاك اللعبة الشرعيون يعانون الأمرّين، بينما ينعم اللاعب المُقرصن بتجربة أفضل.


Elden Ring

في بعض الأحيان، وبسبب تحديثات الألعاب الضخمة التي أصبحت هذه الأيام تصل لأحجام بعض الألعاب برمتها، يُفضل كثير من اللاعبين على الحاسب الشخصي استخدام النسخ المُقرصنة عوضًا عن النسخ الأصلية، ليس بسبب فقط توفير الأموال، ولكن كما يقال "لإراحة البال" من الإجبار على التحديثات المستمرة، لا أحد يريد أن يستغل الساعات القليلة في يومه المخصصة للعب في تحميل تحديث مفاجئ بحجم 30 غيغابايت!

كذلك، يتم اتهام حماية Denuvo دائمًا بأنها تتسبب في انخفاض أداء المعالجات المركزية وعلى هذا انخفاض أداء الألعاب من الناحية التقنية، وهو سبب آخر يجعل النسخ المقرصنة من الألعاب أفضل من الرسمية، حيث لا تحتوي على تلك الحماية.


روسيا ترحب بقرصنة الألعاب والبرامج، للتحايل على الحظر التقني المطبق عليها

يبدو أن ازدواجية المعايير التي تسود العالم حاليًا جرّاءِ الحرب "الروسية الأوكرانية"، قد وصلت إلى الحد الذي جعل من الحكومة الروسية تتطلع لإضفاء الشرعية على بعض البرامج والألعاب المُقرصنة كمحاولة للرد على الشركات التي قامت بمنع إطلاق ألعابها وخدامتها بشكل شرعي في البلاد. حيث أدخلت وزارة التنمية الاقتصادية الروسية قانونًا جديدًا محتملًا يسمى "خطة العمل ذات الأولوية لضمان تنمية الاقتصاد الروسي في ظروف ضغط العقوبات الخارجية" ومن خلال مراجعة الخطة تم استنتاج التأثير الكبير على شرعية قرصنة البرامج.

بمعنى أكثر وضوحًا، فبمجرد تمرير هذا القانون، يمكن لأي شخص"في روسيا" تنزيل واستخدام برامج مقرصنة بشرط ألا يكون لها بديل روسي، وأن تكون تلك البرامج تابعة لبلاد تدعم حاليًا العقوبات المفروضة على روسيا.


الخلاصة.. هل سترسو سفينة القراصنة على اليابسة؟

لا يُمكن الجزم بنهاية عصر القرصنة، وعلى الأغلب لن يحدث ذلك أبدًا حتى وإن توقف لبعض الوقت، الآن بعد أن تقاعد طاقم CODEX رسميًا، من المُتوقع أن تظهر في الأفق مجموعات جديدة لقرصنة ألعاب الحاسب الشخصي؛ لكن من المحتمل ألا يكونوا قادرين على الاقتراب من جودتهم أو انتشارهم، لذا يُمكن اعتبار خبر الاعتزال بمثابة نهاية حقْبَة في المشهد، وبداية حقبة جديدة مجهولة المعالم.

مع هذا، الأمر الأكثر تهديدًا الذي من الممكن أن ينهي عصر قرصنة الألعاب فعلًا، هو الاتجاه السائد في عالم الألعاب نحو الاشتراكات الشهرية والسنوية، مثل خدمة Game Pass التي تقدمها مايكروسوفت التي مكنت اللاعبين من لعب كل ألعاب الشركة مقابل اشتراك شهري بدلًا من تحمل عبء شراء كل لعبة بسعرها الكامل.

بالإضافة إلى وضع تسعير حسب كل منطقة بما يتناسب مع قدرات مواطنيها على الشراء، وهو ما يحدث ولكن ببطء، ما زال متجر ستيم الرقمي مثلًا لا يضع تسعيرًا مناسبًا لدول مثل مصر والجزائر والمغرب… إلخ ويتم التعامل معهم على أنهم مواطنين في أوروبا، وعلى هذا يتم تسعير الألعاب بالدولار وهو ما يجعل من فكرة شراء الألعاب صعبة، ومع ذلك نجد متاجر مثل Epic Games ومايكروسوفت تضع تسعيرًا بالعملات المحلية في دولة مثل مصر، ما شجع كثيرًا من المستخدمين على فكرة شراء المنتجات بدلًا من قرصتنها.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة
متعلقات