إذا كانت نواة الأرض بدرجة حرارة الشمس، فلماذا لا تحترق الأرض تحتنا؟

إذا كانت نواة الأرض بدرجة حرارة الشمس، فلماذا لا تحترق الأرض تحتنا؟
نور حسن
نور حسن

6 د

نحن نعيش فوق كرة ملتهبة شديدة الحرارة حيث تصل حرارة نواة الأرض لأكثر من 6000 درجة مئوية وهذه الدرجة هي نفس درجة حرارة سطح الشمس، نعم لقد قرأتها بشكل صحيح ، تحت أقدامنا بآلاف الكيلومترات توجد شمس ملتهبة أخرى، لكن القشرة السطحية (التي لا تتجاوز سماكتها سماكة قشرة البيضة بالنسبة لحجمها الكلي) تلبي جميع حاجاتنا للبقاء بمساعدة الغلاف الجوي، والسؤال الآن: كيف تتحكم الأرض بدرجة حرارتها ولا تحرقنا؟

اقرأ أيضًا: لماذا لا تضيء الشمس الفضاء بينما تضيء الأرض؟


من أين جاءت حرارة نواة الأرض؟

تتكون الأرض من عدة طبقات هي: القشرة الصخرية، طبقة الوشاح، ولب الأرض الذي يتكون من قسمين: اللب الخارجي وهو الجزء السائل واللب الداخلي الذي يشكل نواة الأرض المركزية وهو في حالة صلبة، وعندما نقارن نواة الأرض بدرجة حرارة الشمس فنحن نقصد سطح الشمس فقط لأن غلاف الشمس أو ما يعرف "بالهالة" تصل درجة حرارته من 1 إلى 2 مليون درجة مئوية (كلفن)، حسنًا تبدو فجأة 6000 درجة مئوية غير كبيرة، لكنها درجة كافية لإذابة الحديد والصخور وجميع أشكال الحياة، فمن أين جاءت هذه الحرارة؟

المصدر الرئيسي لحرارة نواة الأرض يعود إلى الأسباب التالية:


تراكم الحرارة منذ تشكل وتراكم الكواكب

ذو صلة

بعد تشكل نظامنا الشمسي قامت النيازك بجذب بعضها بعضًا وتكوين هياكل وكتل أكبر حجمًا حتى وصلت لحجم كوكبنا الحالي، وعملية التصادم هذه سببت الكثير من الحرارة كما يحصل عندما تصفق بيديك كثيرًا ستشعر بحرارة فيهما، وهذه الحرارة المخزنة في جوف الأرض لم تتبدد بشكل كلي وتشكل حوالي 10% من إجمالي الحرارة داخل الأرض.


انحلال العناصر المشعة

التحلل الإشعاعي عملية طبيعية تحدث للعناصر غير المستقرة، مثل اليورانيوم 238U والبوتاسيوم 40K، التي تستقر مع الوقت وتعطي ما يسمى بالمنتجات الوليدة، ويقدّر العلماء أن هذه العملية مسؤولة عن إنتاج حرارة عالية تمثل حوالي 90% من إجمالي حرارة لب الأرض.


التسخين الاحتكاكي

يحدث التسخين الاحتكاكي عندما تغوص مادة أساسية أكثر كثافة غنية بالحديد نحو المركز، وهذه العملية قد تنتج حرارة تصل إلى 3000 درجة فهرنهايت.


كيف يقيس العلماء درجة حرارة جوف الأرض؟

يقع مركز الكرة الأرضية تحت أقدامنا بحوالي 6400 كيلومتر (4000 ميل)، وأعمق نقطة تمكن العلماء من حفرها لإجراء قياسات مباشرة لدرجة الحرارة هي 10 كيلومترات فقط (6 أميال)، لذلك استمد العلماء تقديراتهم لدرجة حرارة الأرض من سلوك انصهار الحديد عند درجات حرارة عالية حيث يشكل الحديد 35% من جوف الأرض.

كما استعانوا بعلماء الزلازل الذين درسوا عينات من اللب بشكل غير مباشر باستخدام الموجات الزلزالية (الحديد هو العنصر الوحيد الذي يتطابق بشكل وثيق مع الخصائص الزلزالية للب الأرض)، وقاموا بتجهيز مختبراتهم بأشعة الليزر وأجهزة الضغط العالي التي تدعى "سندان الماس" لتأمين ضغوط عالية ودرجات حرارة مرتفعة قدر الإمكان.

تعد هذه التجارب تحديًا صعبًا لكنهم تمكنوا من تقدير درجة حرارة جوف الأرض ضمن هذه الظروف بحوالي 4500 إلى 7500 كلفن، لا يعد هذا الرقم دقيقًا لأن اللب الخارجي سائل وينتقل بالحمل الحراري كما أن الحديد على هذا العمق غير نقي ويحتوي على شوائب.


كيف تصل هالة الشمس إلى هذه الدرجة العالية من الحرارة، بينما يبقى سطحها أكثر برودة؟

في الحقيقة لم يتوصل العلماء لمعرفة جواب هذا السؤال، ويقول عالم الفلك جاي إم باساتشوف في كلية ويليامز لمجلة ساينتفيك أمريكان: "إن معرفة السبب الحقيقي لارتفاع درجة حرارة هالة الشمس هي إحدى المعضلات المهمة التي لم تستطع الفيزياء الفلكية حلها حتى الآن" بسبب عدم تمكن العلماء من الاقتراب من هذه الكرة الملتهبة بما فيه الكفاية ليتمكنوا من دراستها، في حين أن بعض النظريات تشير إلى أن السبب قد يعود لتأثير المجال المغناطيسي للشمس، لكن لم يتمكن أحد من توضيح الآلية التي تجعل المجال المغناطيسي للشمس يسحب الحرارة من الفضاء المحيط بهذا الشكل الكبير.


لماذا لا نذوب؟

 في الحقيقة نحن نعيش فوق سطحٍ يطفو على بحر من الحمم واللهب، أي أنك الآن تجلس فوق كرة ملتهبة من الحمم والمواد المنصهرة، إلا أن النواة الأرضية التي تتكون بشكل أساسي من الحديد والنيكل محاطة بغلاف صخري صلب، كما أن القشرة الأرضية تعمل كحاجز يمنحنا حماية كبيرة من حرارة الجوف، لكن السبب الأهم لحمايتنا من الاحتراق هو الفرق بين السخونة وشدة الحرارة.

بمعنى آخر فإن السخونة هي مجرد طاقة بينما شدة الحرارة فيقصد بها درجة الحرارة أو كمية الطاقة الموجودة في جسم أو مادة ما، لتقريب الفكرة وفهمها بشكل أوضح سأستعين بالمثال التالي، تخيل أنك تعرضت لصدمة ماس كهربائي صغير في أثناء قيامك بشحن جوالك، في الحقيقة فأنت لن تتأثر بشكل كبير بالرغم من أن درجة حرارة الشرارة قد تصل لـ 1500 درجة مئوية، بينما في حال قررت أن تستحم في ماء ساخن عند درجة حرارة 100 درجة مئوية فإنك بالتأكيد ستموت، لأن الماء الساخن يحتوي على كمية طاقة حرارية أكبر بكثير.

خلاصة القول هنا ببساطة لو كانت الشمس على بعد 3000 كم من سطح الأرض وتغلي بنفس درجة حرارة جوف الأرض فإننا سنكون قد احترقنا منذ وقت طويل لكن وبالرغم من أن درجة حرارة الشمس نفس درجة حرارة جوف الأرض لكن هذا لا يعني أن توزيع الحرارة نفسه، ولإذابة الأرض كلها فأنت بحاجة إلى طاقة تفوق حرارة جوفها بكثير، ويمكن أن تعتقد أن هالة الشمس ضخمة جدًا ويمكنها فعل ذلك بسهولة لكن ولحسن الحظ فإنها تبعد عنا حوالي 150 مليون كيلومتر وهذه المسافة ساعدتنا في الحماية من الأشعة الملتهبة.


أهمية الحرارة الداخلية لكوكب الأرض

تبردت الأرض خلال ملايين السنين حتى وصلت لشكلها الحالي، وعملية التبريد هذه بطيئة للغاية لدرجة أن اللب الداخلي للأرض يزداد بمقدار مليمتر واحد فقط في السنة، وذلك بسبب وجود غطاء صخري يعمل على حفظ الحرارة مثلما يفعل معطفك في ليلة شتوية باردة، يتوضع هذا الغطاء بين النواة الساخنة والسطح البارد ويمنعها من التبرّد بسرعة كبيرة.

يتشكل المجال المغناطيسي للأرض بفعل التبريد البطيء الذي يتسبب في تدفق الحديد المنصهر في اللب الخارجي وتدويره بسرعة حيث يتم نقل الحرارة إلى الوشاح، وعلى الرغم من عدم قدرتنا على رؤية المجال المغناطيسي إلا أن له دورًا هامًا في تشكيل تضاريس الكوكب كما أن الحيوانات المهاجرة تنتقل بالاعتماد عليه.


ماذا يحدث في حال أصبحت نواة الأرض باردة؟

في بداية تشكل الكرة الأرضية منذ 4.5 ملايين سنة كان جوفها منصهرًا بأكمله، ومنذ ذلك الحين بدأت حرارة نواة الأرض تنخفض تدريجيًا، وفي الوقت الحالي يتكون جوف الأرض من نواة داخلية من الحديد الصلب بفعل الضغط الشديد ولب خارجي من الحديد المنصهر، وعملية الانصهار هذه تؤثر على الصفائح التكتونية وتتسبب في تحركها أو التوائها مشكلة الجبال والوديان ونتيجة لتلك الحركة تحدث الزلازل والبراكين، لكن ما الذي سيحدث عندما يبرد جوف الأرض بشكل كامل؟

هذا الاحتمال قد لا يحدث لعدة مليارات من السنين لكن في حال حدوثه سيكون له تأثير كبير على كوكب الأرض بأكمله، ففي حال تم تبريد اللب الخارجي المنصهر فإن هذا سيؤثر على المجال المغناطيسي للأرض ويجعله يختفي تمامًا وبالتالي ستتوقف البوصلات عن الإشارة إلى الشمال ولن تتمكن الطيور من الهجرة لأنها ستضل طريقها كما أن الغلاف الجوي سيختفي.

كذلك، لن تتحرك الصفائح التكتونية وبالتالي لن تحصل زلازل أو انفجارات بركانية، من ناحية أخرى، وسوف تعتقد أن ذلك جيد، فالبراكين تنتج تربة خصبة للزراعة وتطلق غازات تساهم في تشكيل الغلاف الجوي والهواء، كل هذه الأمور ستجعل الحياة على سطح الأرض صعبة للغاية وتجعله أشبه بكوكب المريخ (حيث لاحظ العلماء أنه كان يمتلك في الماضي براكين ومجالًا مغناطيسيًا لكنه تلاشى لسبب ما ولم يبقَ سوى غلاف جوي رقيق، ولا يزال العلماء يحاولون الوصول لجوف المريخ لمعرفة ما إذا كان مركزه لا يزال منصهرًا أم لا). 

في النهاية نحن نعيش على كوكب معقد واستثنائي كل شيء حوله يجعله مثاليًا لاستقرارنا ووجودنا، وحتى هذه اللحظة يبقى كوكب الأرض هو الكوكب الوحيد المعروف باستضافته للحياة على سطحه بسبب اجتماع كل تلك العوامل وغيرها من الأمور الضرورية والمباشرة لبقائنا أحياء على سطح هذا الكوكب.

المصادر: 1، 2، 3، 4، 5

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة