ما نعيشه ليس بالضرورة حقيقيًا…مراجعة كتاب العقل الكوني لعلاء الحلبي

العقل الكوني
علي عبدو
علي عبدو

10 د

كتاب العقل الكوني من تأليف علاء الحلبي، يتألف من مقدمة بقلم الكاتب وثلاثة فصول إضافةً إلى ملحقين، يتحدث الفصل الأول عن الحقيقة وكيفية تحريفها، والثاني يتحدث عن مفاهيم العقل والوعي والوعي الكوني، أما الفصل الأخير فيعرض مجموعة عن منجزات العلم الحديث.


رؤية عامة عن كتاب العقل الكوني

يدور هذا الكتاب في مناخ الفكرة القديمة التي تقول بأنّ الواقع الذي ندركه من خلال حواسنا التقليدية، ليس هو الواقع الحقيقي، وأنّ ما نعيشه ليس بالضرورة حقيقيًا، وإلى ذلك تذهب بعض الفلسفات الشرقية التي ترى أنّ الواقع المادي الذي يدركه الإنسان ليس سوى وهم وعلى الإنسان أن يصحو منه.

كما أنّ الأديان السماوية أعطت أهمية كبيرة لمفهوم الجنة باعتبارها الحياة العليا المنشودة، أما ما نعيشه فهو حياة دنيا زائلة، إضافةً إلى نظريات الفيزياء الكمية في القرن العشرين والنظرية النسبية والهليوجرام وغيرها من النظريات التي تقول إنّ عالم الأشياء الصلبة المحيطة بنا ليس سوى عالم من الجزيئات الذرية تتحرك داخل وخارج الوجود في بعد رابع غير ملموس أو مدرك ويرتفع بعاملي المكان والزمان إلى مكان موحد عظيم، ويرى الكاتب أنّه على الرغم من وجود هذه الأفكار منذ القدم وتداولها بشكل متكرر عبر التاريخ، إلاّ أنّ الناس لا تزال تجد صعوبة في تصديق أنّ هناك عالمًا غير العالم الذي نعيشه.

ويقول الكاتب إنّه ليس في نيته من خلال العمل على هذا الكتاب تغيير معتقد معين أو دين أو أي مذهب فكري، أو التبشير لجهة معينة، وإنّما تقديم حقائق ثابتة لا يمكن نكرانها، وإنّ قارئ هذا الكتاب سيحصل بحسب رأي كاتبه على معلومات تخصّ واقع عالمنا الذي نعيشه، واكتشاف هذه المعلومات والاطلاع عليها قد يعمل على تغيير حياة الكثيرين، أو على الأقل تعديل طريقة تفكيرهم ونظرتهم للحياة، والقرار بالنهاية -برأي الكاتب- يعود للقارئ بقبول أو رفض ما سيقرؤه في كتاب العقل الكوني.

ويرى الكاتب في مستهل كتابه أنّ البشر بطبيعتهم أعداءٌ لما يجهلون، وسيكون لديهم مقاومة فطرية لكل ما هو جديد ومختلف عما تشرّبوه من أفكار ومعتقدات تحولت فيما بعد إلى مسلمات، فالطفل الذي يولد كصفحة بيضاء يقوم بالتقاط ما حوله من محيطه حتى سن السابعة حيث يكون قد اكتمل لديه بناء حاجز، يقوم فيما بعد هذا الحاجز بصد كل ما هو غريب عن المعلومات الأولية التي جمعها الطفل قبل ذلك والسماح بالمعلومات التي تبدو متشابهة.

ذو صلة

هذه الآلية يتطور عملها مع الزمن بفلترة المعلومات الواردة إلى عقل الإنسان، فتتحد أكثر فأكثر شخصية كل فرد ضمن مجتمعه ويزداد تقولبه بما يتماهى مع محيطه، فتصبح مسألة التعاطي مع الأفكار الخارجية أكثر تعقيدًا، وبالتالي تتولد ممانعة قوية للأفكار التي تنظر لحياتنا التي نحياها من زاوية جديدة، لا سيما إذا كانت هذه الزاوية تتناول الحياة التي نعيشها على أنّها ليست الحياة الحقيقة.

مما يعزز من رفض الفرد لما هو جديد من طروحات حول حياتنا وأسرارها، علاقة الفرد بمحيطه، فدائمًا ما كانت هناك أمثلة عبر التجربة الإنسانية لقمع طموح الفرد نحو المعرفة من قبل السلطة الاجتماعية، حيث يتم النظر حينئذ للمحاولات الفردية تلك بأنّها خروج على النهج الاجتماعي والعلمي القائم، فيشعر المجتمع بتهديد حقيقي تجاهه ويمارس بذلك كل ما يمكنه لحماية كيانه القائم.

يؤكد الكاتب من خلال بحثه أنّ العلم لم يكتشف كل شيء بعد، وأنّ النهج العلمي السائد ما زال قاصرًا عمّا يخفيه الكون، وأنّ هناك ماورائيات وظواهر غير مفسرة تستدعي التفكير بها مليًا، والكون الذي نعيشه هو كون واعٍ، كما أنّ عناصر هذا الكون تترابط فيما بينها ويوجد علاقة بين هذه العناصر بطريقة أو بأخرى.

ومفهوما العقل والوعي اللذان يجب التمييز بينهما ليسا حكرًا على المخلوقات الحية فالنباتات مثلًا عاقلة وتتعامل مع محيطها بطريقتها، ويؤكد بذلك على أن قدرة الإنسان أكبر بكثير من تعلمه وحواسُّه أكثر من خمسة، ويهاجم الكاتب النهج العلمي السائد بشدة ويرى أنّ هناك أصواتًا متفردة علمية أو روحية حاولت وما تزال تحاول البحث في الجوانب التي لم تُكتشف بعد في عالمنا، ويقول إنّه سيأتي يوم ويتغير النهج العلمي السائد ويصبح ما هو غريب اليوم أمرًا مألوفًا غدًا، ويستدل بذلك على الكثير من الاختراعات التي كان الحديث عنها سابقًا أمرًا من الخيال كالطائرات والراديو والتلفزيون، لكنّها أصبحت مع الزمن أمرًا حياتيًا لابد منه.

اقرأ أيضًا: كتاب بناء الكون ومصير الانسان للكاتب هشام طالب.


الفصل الأول من كتاب العقل الكوني: كيف يتم تحريف الحقيقة؟

يتحدث الفصل الأول من كتاب العقل الكوني عن الحقيقة وكيف يتم تحريفها ولماذا لا تحصل الشعوب على العلم الصحيح، وعن الجهات التي تعمل على رسم حدود ثابتة للمعرفة الإنسانية، ويحاول تقديم أجوبة عن هذه التساؤلات للإضاءة على النتائج السلبية في قولبة الفكر الإنساني وتحريفه نحو توجه محدّد، والتحدث عن بعض الأسباب التي أدت بالمعرفة الإنسانية السائدة حاليًا إلى اتخاذ شكلها الحالي، وقد حدد الكاتب بعضها فيما يلي: (السلطة الروحية، السلطة الأيديولوجية، السلطة المالية، حرق المكتبات، البيروقراطية العلمية، إضافة إلى أسباب استراتيجية أخرى).

يرى الكاتب أنّ السلطة الروحية استطاعت سواءً كانت مستمدةً وجودها من أسباب سماوية أو أرضية، استطاعت عبر التاريخ أن تتحكم بالسلوك المجتمعي وأن تحدد ما هو مسموح وما هو ممنوع من الأفكار بما يتناسب مع كيانها ومصالحها، هذه السلطة الروحية تتمثل بمجموعة غير قليلة من المسؤولين الدينيين، وعادة ما كانت تنشأ بعد مرور فترة زمنية من نشوء دين معين.

ويضيف الكاتب أنّ السلطة الأيديولوجية والمالية مارست ما مارسته السلطة الروحية من قولبة الجماهير لمصلحتها. ويؤكد الكاتب أيضًا على أنّ من أسباب تحريف الحقائق وعدم التقدم العلمي لاكتشاف أسرار الكون هو حرق المكتبات، تلك المجازر الفكرية التي راح ضحيتها أعداد كبيرة غير معروف عددها من الكتب التي لو بقيت لغيرت مسار البشرية، ناهيك عن حجب النتائج التي يتوصل إليه العلم من قبل قوى عالمية مسيطرة على مراكز القرار في العالم.

في بداية القرن العشرين حصل تطور في مسيرة التكنولوجيا، لكن على الرغم من ذلك تم التعتيم على الكثير مما اكتشفه العلماء، وبقي المنهج العلمي التقليدي هو ما يُدرس وما يعُمل به من قبل الناس، حيث يرى الكاتب أنّ ما توصل إليه العلم قادر على توفير العلاج لكثير من الأمراض المستعصية، وإنتاج محاصيل زراعية تكفي كل من على الكرة الأرضية، لكنّ الحكومات المتقدمة تسعى دائمًا إلى التعتيم على الحقيقة.

ويطرح الكاتب أمثلة على استغلال الحكومات المتقدمة للعلم والعلماء بما يخدم مصالحها فيتحدث عن مختبرات كامب هيرو التي أنشأتها الولايات المتحدة في ثلاثينات القرن العشرين لإجراء أبحاث متعددة بالتكنولوجيات السرية التي اعتمدت على أبحاث نيكولا تيسلا ونظريات أينشتاين، ومختبر بروك هافين الذي صرحت الحكومة الأميركية أنها تقوم فيه بتجارب تعتمد على الفيزياء الكمية، إضافةً إلى القيام بأبحاث مختلفة حول التحكم بالحالة الزمنية والمكانية كما صرح آينشتاين، وهناك موقع سري يسمى المنطقة (51) يبدو أنّه خاص بالصحون الطائرة والمخلوقات الفضائية حسب تسريبات من عاملين فيه كما يقول الكاتب.

ويستفيض الكاتب في الفصل الأول من كتابه بالحديث عما هو غريب وغير مألوف بالنسبة للناس، كالمخلوقات الفضائية والترددات شديدة الانخفاض التي يمكن أن تؤثر على الحالة المزاجية للإنسان، وعن الرسائل الخفية أو الإدراك الخفي وهو إمكانية إدراك الكثير من الأمور دون استخدام الحواس التقليدية، وجهاز التخاطر الإلكتروني الذي يستطيع إدخال الإيحاءات إلى دماغ الإنسان عن طريق لمس الجلد، ويورد الكاتب أمثلة أخرى كارتفاع الحجارة في الهواء بواسطة ترددات الصوت.

اقرأ أيضًا: السفر عبر الزمن – كتب ووثـائقيــات شيـقــة.


الفصل الثاني من كتاب العقل الكوني: ما هو العقل؟

أمّا الفصل الثاني من كتاب العقل الكوني فيُفرده الكاتب لتعريف العقل والوعي والبحث بماهيتهما، فيقول الكاتب إنّ المنهج العلمي العام يعرّف العقل بأنّه الوعي الذي ينتج في الدماغ ويظهر من خلال الفكر، الإدراك، الإرادة، الذاكرة، العواطف، والأحلام.

كما يرى الكاتب أنّ المنهج العلمي الحالي لا يزال يستند إلى مبدأ يقول إنّ عملية التفكير ليست سوى إجراءات دماغية معقدة والمسؤول الأساسي والوحيد عنها هو السيالات العصبية والشبكية وعناصر أخرى بالدماغ، ويرى أيضًا أنّه يجب النظر إلى العقل بطريقة علمية جديدة تستبعد علاقته بالدماغ، ويستدل بذلك من خلال بعض الظواهر التي تنفي محاولة تفسيرها ارتباط العقل بالدماغ.

وقد ذهب بعض العلماء في العصر الحديث إلى اعتبار العقل حقلًا بحد ذاته، أي أنه مجال بايوبلازمي محيط بجسم الإنسان والكائنات الأخرى، كالجاذبية والمغناطيسية، معتمدين بنظرتهم الجديدة على الكثير من الظواهر التي من الصعب تجاهلها.


بعض الظواهر التي يوردها الكاتب للتفريق بين مفهومي العقل والدماغ:


النباتات العاقلة والخلايا العاقلة

هناك نظرة قديمة للنباتات على أنّها تشعر وتدرك ما حولها وتتعامل مع محيطها رغم عدم وجود دماغ لديها، كما أنّ هناك شرطي أميركي جرب تطبيق جهاز كشف الكذب على النباتات فلاحظ وجود إشارات معينة يعطيها الجهاز عند استثارتها بطريقة معينة، يضاف إلى ذلك أيضًا خلايا الجسم، فهي لا تملك دماغًا لكنها تقوم بأفعال عاقلة، فهناك خلايا استطلاعية وخلايا دفاعية، وعند وجود خطر معين يهدد جسم الإنسان تقوم الأولى باستنفار الخلايا الدفاعية، إضافةً إلى تمتعها بالتذكر وذلك من خلال تعرفها على الأجسام المعادية التي كانت قد تدربت عليها سابقًا.

اقرأ أيضًا: أفضل كتب علم نفس الأعمال للمديرين الذين يرغبون في القيادة وإحداث التأثير.


التحدث بلغات غريبة، التقمص...

التحدث بلغات غريبة (الكسينوغلوسيا)، التقمص، الخروج من الجسد، ظاهرة الاقتراب من الموت، كلها ظواهر كثيرًا ما تم تداولها من باب الأسطورة أحيانًا، ومن باب التصديق والإيمان بها أحيانًا أخرى، لكن كثيرين وقفوا عاجزين عن اتخاذ موقف تجاهها، كما حاول العلم تناولها محاولًا تفسيرها.

ويؤكد الكاتب أنّ هناك أمثلة كثيرة في العالم عن أناس يتحدثون بلغات يجهلونها دون تعلم تلك اللّغات، وأنّ هناك حالات كثيرة عن أناس ماتوا وانتقلت أرواحهم لأجساد أخرى، ناهيك عن تجارب خروج الروح من الجسد وتجولها خارجه ثم الرجوع إليه، أمّا بالنسبة لظاهرة الاقتراب من الموت، فبعد تطور وسائل الإنعاش الطبية تمكن الأطباء من إعادة الكثير من حافة الموت، أدى ذلك إلى تجارب غريبة تحدث عنها بعض من عاشوا هذه التجربة.

إنّ ما ذُكر من ظواهر يعدّه صاحب هذا الكاتب دليلًا يجب الأخذ به وعدم إهماله للنظر إلى العقل بطريقة جديدة باعتبار أنّ تلك الأمثلة تدل على فك ارتباط العقل بالدماغ.

وبالنسبة لمفهوم الوعي يقول الكاتب في كتاب العقل الكوني إنّه لا يوجد تعريف محدد أو متفق عليه بين الأوساط الأكاديمية للوعي، لكنّ هناك تعريفًا عامًا معتمدًا أكثر من غيره لدى العاملين في المنهج العلمي السائد يقول إنّ الوعي هو ناتج أساسي من الأحاسيس الخارجية المستمدة من البيئة، فالحواس تنقل المعلومات الحسية إلى جذع الدماغ، وخاصة التشكل الشبكي، والذي بدوره ينقل ويوزع المعلومات إلى المناطق المختصة في القشرة الدماغية التي تغذي بدورها وبشكل ارتجاعي التشكل الشبكي الذي يعمل على نقل ردود الأفعال إلى الأعضاء الحركية للتعامل مع المستجدات البيئية.

إذًا هناك تخبط كبير في تحديد ماهية الوعي، إضافةً إلى غياب مفهوم الوعي لسنوات طويلة عن دراسات العاملين في مجال الدراسات الإنسانية والنفسية، وضمن هذا التخبط وُجد أشخاص من خارج الدائرة الأكاديمية استطاعوا العمل على تحديد مفهوم الوعي بشكل أبسط من خلال ملاحظة بعض الظواهر الغريبة وأخذها بعين الاعتبار، الأمر الذي أوجد حقائق مناقضة للمفهوم العلمي المنهجي حول موضوع الوعي، تشير إلى أنّ الوعي عبارة عن طاقة كونية لا زالت غامضة، طاقة عاقلة مجهولة المصدر، آلية عملها غامضة.

يجزم الكاتب في هذا الفصل ويؤكد أنّ هناك وعيًا كونيًا، ويرى أنّنا نعيش بعالم أثيري مليء بالمعلومات، ونحن حسب قوله ندرك بطريقة لاشعورية الكثير من الانطباعات الفكرية والعاطفية التي تصدر لا إراديًا عن الآخرين، ونرسل ونستقبل المعلومات بنفس طريقة الحواس التقليدية، لكّن الطاقة الناقلة لهذه المعلومات ما تزال غامضة ولا يمكن قياسها بالوسائل الموجودة حاليًا، ويدعم رأيه هذا بالحدس والإلهام الذي يتمتع به البعض.

إذًا هناك وعي كوني، فالتجارب والأفكار والانطباعات المختلفة التي تنبثق من الكائن الحي لا تفنى ولا تزول، بل تأخذ لنفسها حيزًا مكانيًا في الحقل المعلوماتي الكوني، وتتراكم وتزداد كلما زادت الخبرات والتجارب الجديدة التي تخص تلك الأفكار، وقد أجمع رجال العلم بأنّنا نعيش في رحاب قوة عظمى خفية لا متناهية، كما تنبه الفلاسفة إلى أنّ الانبثاق الأبدي للطاقة يصدر ويُدار من قبل عقل عظيم، وقد توصل علماء فيزياء إلى أنّ الأثير الكوني الذي نعرفه هو عبارة عن "فلويد" أي مادة بلازمية شبه سائلة، وقالوا إنّ هذه المادة هي جوهر الكون ولديها جميع المقومات التي تجعلها تدير عملية التطور في الكون ككيان واع.


الفصل الثالث من كتاب العقل الكوني: أبحاث وابتكارات حديثة

يستعرض فيه بعضًا من الخطوات في طريق بحوث علمية غير تقليدية، فيتحدث عن الفيزياء الحديثة ويذكر مساعي علماء أحدثوا تغيرات كثيرة في عالم الفيزياء، مثل ألبرت آينشتاين، بوهم، غابور، بل، شيلدريك وغيرهم الكثير من خلال نظريات ملهمة لفتح مسارات مختلفة في طريق المعرفة.

كما تحدث عن حقل الطاقة الإنساني وعن ابتكارات جديدة كطريقة كيرليان بالتصوير، وتطويرها لتتناسب مع الأبحاث العلمية التي تناولت ظاهرة حقل الطاقة أو المجال البايوبلازمي وتصوير المجال البلازمي المحيط بالكائنات الحية، والمولدات السايكوترونية حيث تم التوصل إلى صنع أدوات تعمل على جمع الطاقة المنبثقة من الإنسان وتخزينها ثم إطلاقها حين الطلب، تعمل على إمداد المجال الحيوي للإنسان العادي بطاقة إضافية.

ويختم الكاتب بحثه في كتاب العقل الكوني بملحقين تحدث فيهما عن تاريخ الأمم المزور وتاريخ الإنسانية المزور، فأورد أمثلة عن الطريقة التي كتب بها التاريخ المزور لكثير من الدول، وعمّا أُخفي من العلوم وما مُنع إيصاله للشعوب.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة

مسلسل The Last Of Us.. محاولة للنجاة بالحياة في عالم ما بعد فناء البشرية

مسلسل The Last Of Us

10 د

يقول الشاعر الأمريكي الشهير روبرت فروست في إحدى أشهر قصائده المعرفة باسم النار والجليد: "يقول البعض بأن العالم سينتهي بالنار، ويقول آخرون سينتهي بالجليد وممّا تذوّقته في حياتي من شهوات، فإنّني أتضامن مع أولئك الذين يؤيدون النار"

كتب فروست هذه القصيدة في محاولة منه للإجابة عن السؤال الذي حير البشرية منذ بدء الحضارة، كيف سينتهي هذا العالم؟ كثيرون أجابوا عن هذا السؤال عبر التاريخ، سواء بالشعوذة والتنبؤات أو عن طريق العلم والفلسفة، ولم يغفل الفن إجابة هذا السؤال المصيري، فالفن مرآة للعقل البشري، إنه تصوير مادي لمخاوفنا وأفكارنا، وعبر السنوات قدمت لنا السينما الكثير من النظريات الخاصة بنهاية العالم، زلزال مدمر كائنات فضائية أمراض مستعصية وحوش مفترسة، والكثير الكثير من السيناريوهات المحتملة لفنائنا المحتوم.

لكن السينما لم تعد وحيدة في عالم الفن، ففي السنوات الأخيرة اخترقت ألعاب الڤيديو هذا العالم، وأصبحت تمتلك إضافة إلى ميزات الرسم والمغامرة والمتعة، قصصًا مشوقة رائعة مميزة، لقد أصبحت ألعاب الڤيديو أكثر تعقيدًا مما كانت عليه في زمن سوبر ماريو، وأصبحت أشبه بمغامرة حقيقية بقصة خاصة بها، وشخصيات تفاعلية يتحكم اللاعب بمصيرها حتى إن قصص بعض الألعاب ولروعتها دفعت المنتجين إلى اقتباس أفلام ومسلسلات منها لكنها لاقت فشلًا ذريعًا مثل فيلم Assassin's Creed المقتبس من اللعبة المحبوبة والذي كان خيبة أمل مؤلمة، أما في هذا المقال فسنقدم مراجعة لمسلسل مقتبس من لعبة ڤيديو شهيرة نجح في تحطيم الأرقام القياسية بعد عرض حلقتين فقط، هو مسلسل The last of us.


معلومات عن مسلسل The Last Of Us

فيديو يوتيوب
  • كتابة كريج مايزن، نيل دركمان
  • طاقم العمل بيدرو باسكال، بيلا رامزي، آنا تورف
  • عدد الحلقات 9 حلقات
  • تاريخ العرض 15 يناير/كانون الثاني 2023
  • التقييم على IMDb هو 9.4/10
  • التقييم على Rotten tometto هو 97%

مسلسل The Last Of Us: محاولة للنجاة بالحياة في عالم ما بعد فناء البشرية

تبدأ أحداث المسلسل بداية بطيئة بعض الشيء، حيث تبدأ الحلقة الأولى بمشهد يدور في الستينيات، نرى فيه مقابلة مع عالمين من علماء الڤيروسات وينبه أحدهما إلى خطر الفطريات، التي يمكن أن تسيطر على دماغ البشر دون رادع، الأمر الذي سيفسر ما سيطرأ من أحداث لاحقة.

تنتقل الأحداث إلى عام 2003 ونتعرف على جول وابنته سارة اللذين يعيشان حياة هادئة اعتيادية، وتدور الأحداث في هذه المرحلة من وجهة نظر سارة الغافلة عما يجري، لكن يتم التلميح للخطر في كل مشهد، سواء من خلال الأخبار التي تبث عبر المذياع، أو توتر صاحب محل الساعات الذي ذهبت إليه سارة لإصلاح ساعة أبيها. فجأة تستيقظ سارة على صوت انفجارات عالية، فتخرج من البيت لتعيد كلب الجيران الذي يبدو مرعوبًا للغاية، لكنها تصدم أن جارتها العجوز المقعدة، تحولت إلى نوع غريب من الوحوش، والتهمت كل سكان المنزل.

في أثناء محاولة سارة الهرب، يصل والدها إلى المنزل مع عمها تومي، ليحاولوا الهرب من المدينة التي تحولت إلى جحيم حقيقي، لكن سارة تقتل على يد أحد الجنود وتموت بين ذراعي أبيها. تقفز الأحداث عشرين عامًا، فنرى جول الذي أصبح حطام إنسان، يعيش في منطقة الحجر الصحي في بوسطن، ذلك أن الفطريات التي اكتسحت العالم منذ عشرين عامًا، غيرت وجه البشرية كلها، يدير هذه المنطقة الوكالة الفيدرالية للاستجابة للكوارث (فيدرا)، بأسلوب عسكري قمعي استبدادي، حيث يجبر الناس على العمل في مهن شاقة، كحرق الجثث وتنظيف المجاري، ليأخذوا بطاقات تموينية تعطيهم كفاف يومهم، لكن جول لا يكتفي بهذا، بل يعمل أيضًا كمهرب مع شريكته تيس، وعندما يفشل شقيقه تومي في الاتصال بهما من موقعه في وايومنغ، يحاولان شراء بطارية سيارة من تاجر محلي، ولكن بدلًا من ذلك يبيعها إلى اليراعات، وهم مجموعة متمردة تعارض فيدرا، ويتم تسميتهم بالإرهابيين.

في محاولة لاسترداد البطارية، يجد جول وتيس أن الصفقة قد انحرفت عن مسارها، وأن معظم محاربي اليراعات قد قتلوا، فتعقد مارلين زعيمة اليراعات الجريحة صفقة مع جول وتيس، وهي أن يصطحبا إيلي الصغيرة إلى ولاية ماساتشوستس عبر الولايات المدمرة المليئة بالفطريات القاتلة، مقابل الإمدادات التي ستساعدهما في الوصول إلى تومي، يحاول جول وتيس أن يعرفا حقيقة أهمية إيلي، لكن مارلين تلتزم الصمت

في أثناء هروبهم يتم القبض عليهم من قبل جندي خلال التسلل إلى الخارج، تطعنه إيلي عندما يختبرهم بحثًا عن العدوى، وعندما حاول الجندي إطلاق النار عليها يضربه جول حتى الموت، تدرك تيس أن إيلي مصابة، لكن إيلي تريهما أن الإصابة عمرها ثلاثة أيام، ومن المستحيل ألا تتحول خلال هذه الفترة أو تموت. لربما كانت بداية العمل باردة بعض الشيء، لكن الإثارة المتصاعدة والتوتر والدراما الرائعة طغت على كل شيء آخر، إضافة إلى دقة التفاصيل وربط الأحداث المتقن الذي جعل العمل يحطم الأرقام القياسية بعدد المشاهدات حلقة بعد حلقة، ومن الواضح أن أحداث العمل القادمة تبشر بالمزيد من الإثارة.


محبو اللعبة سيسعدون للغاية بالعمل، اقتباس بعيد عن التشويه وأمانة في نقل الصورة

إن اقتباس أي عمل كان، يحمل في ثناياه خطر تشويه الأصل، أو تقديم مادة لا تمت بصلة له، وهناك الكثير من الأعمال الشاهدة على خيبة أمل الجمهور بسبب سوء الاقتباس، لكن بالنسبة إلى مسلسل The last of us يمكننا القول إننا شهدنا أفضل اقتباس على الإطلاق، لقد بقي كتّاب العمل أوفياء لأساس القصة الخاصة باللعبة، ولم تشهد أي نوع من المبالغة الدرامية، أو التغيير المزعج، بل احترمت الكتابة روح اللعبة.

لكن هذا الكلام لا يعني إطلاقًا أننا سنشاهد نسخة كربونية من اللعبة، لقد أكد الكتّاب أن القصة ستنحرف قليلًا، وسيتم تغيير بعض الأشياء بما يناسب العرض التلفزيوني، ومما شاهدناه من العمل حتى الآن، يبدو أن الكتابة أضافت نظرة إبداعية، عمّقت القصة وأوضحت نقاطًا لم ترد في اللعبة، كما يمكن أن يلاحظ أي لاعب مخضرم، فقد ركز المسلسل على أساس وجود المرض، وشرح آلية عمله وطريقة انتقاله وتطوره المرعب، الذي جعله أسوأ ما أصاب البشرية منذ قرون، وقد ظهرت أمانة الاقتباس في بعض التفاصيل الصغيرة التي تميزت بها اللعبة، مثل ساعة جول المكسورة التي كانت آخر هدية من ابنته سارة، أو ملابس الشخصيات أو حتى بعض المشاهد التي تعتبر أسطورية في عالم اللعبة، ويمكننا القول إن وفاء صناع العمل للأصل، كان من أبرز أسباب نجاحه، فاللعبة التي حققت نجاحًا لافتًا وشعبية كبيرة، حققت هذا كله بفضل قصتها المميزة المؤثرة، والتي نجح المسلسل في تقديمها في أولى حلقاته، ومن الواضح أنه ينوي الاستمرار على هذا المنوال.


بداية مميزة تمهد للرعب القادم وأجواء تذكرنا بأجواء المسلسل الشهير The walking dead

كما قلنا سابقًا، بداية العمل كانت باردة بطيئة، حياة هادئة لأب وابنته في ضاحية هادئة في مدينة أوستن، تكساس تنقلب جحيمًا بين ليلة وضحاها، براعة التقديم كانت تصوير الأحداث من وجهة نظر سارة البريئة الغافلة عن كل ما يجري حولها، لكن التوتر كان متواريًا في الزوايا ينبئ بالخطر، كالأخبار في المذياع التي تنبئ بالكوراث، توتر أصحاب محل الساعات وإسراعهم في الإغلاق، توتر كلب الجيران، كل هذه الأشياء البسيطة كانت تمهد لما سيحدث لاحقًا، حتى إن بعض المشاهد حملت الطابع الديستيوبي المميز لمسلسل The walking dead الغني عن التعريف، لكن بدلًا من وجود ڤيروس غامض يحول البشر إلى زومبي، أصبح الخطر متركزًا في فطريات غريبة تتطفل على الجسد وتأكله من الداخل إلى الخارج، إضافة إلى المشهد الافتتاحي الذي عرض أحد العلماء يتنبأ بخطر الفطريات، كل هذه التفاصيل جعلت المشاهد متحفزًا يستشعر الكارثة في كل زاوية، كل هذه التفاصيل لم تكن موجودة في اللعبة، الأمر الذي أعطى القصة مدًا أوسع لتأسيس هذا العالم الضخم، وتمهيد الطريق للمشاهد الذي لم يعرف اللعبة سابقًا، كي يتفاعل مع الأحداث وهنا يطرأ سؤال مهم للغاية قد يطرحه أي متابع


هل يجب أن تكون لاعباً للعبة كي تفهم العمل؟

بداية يجب التنويه إلى أن عالم ألعاب الڤيديو عالم ساحر مستقل بحد ذاته، يحتاج شغفًا وحبًا لهذا العالم كي تستمتع به، وليس باستطاعة أي كان ممارسة لعبة ڤيديو معقدة تفاعلية كهذه اللعبة، والإجابة عن سؤالنا هذا أتت من اللاعبين أنفسهم، الذين أكدوا أنه لا ضرورة للعب اللعبة إطلاقًا، فعلى الرغم من وفاء العمل لأصله، إلا أنه قدم الكثير من التفاصيل والمشاهد التي ترفع الغموض عن الأحداث، بل حتى إن اللاعبين المخضرمين سيجدون العمل ممتعًا مشوقًا بفضل هذه الإضافات المتقنة.


تحفة درامية جديدة من صانع التحفة الدرامية Chernobyl

إن لم تكن قد شاهدت مسلسل تشيرنوبل الدرامي الرائع، فقد فاتك الكثير حقًا، لقد قدم هذا العمل خلال حلقاته القصيرة، قصة حقيقية مؤلمة زادها ألمًا عن حادثة انفجار مفاعل تشيرنوبل النووي، وما ألحقه من خسائر بشرية واقتصادية وسياسية، وحقق أرقام مشاهدات قياسية في زمن قصير. وها هو ذا كريغ مايزن كاتب مسلسل تشيرنوبل، يعود مجددًا واعدًا المشاهدين بتحفة أخرى تضاهي ما سلف، خاصة أنه معجب جدًا بقصة اللعبة، حيث صرح في إحدى المقابلات: "لا توجد لعبة أخرى أفضل من The Last of Us عندما يتعلق الأمر بالسرد القصصي، هذه أعظم قصة سُرِدت في ألعاب الفيديو على الإطلاق".

كما أن انضمام مخرج ومطور اللعبة نيل دراكمان إلى مايزن، كان إضافة ذكية أبقت القصة الخاصة بالمسلسل تحت أنظار المبتكر الأصلي، الأمر الذي سيبقي القصة ضمن إطار المادة الأصل دون تشويه وإفساد.


اختيار موفق لطاقم العمل

إن أهم عنصر في أي عمل هو طاقم التمثيل، فهم التجسيد المادي المرئي للشخصية المكتوبة، ومهما كانت الشخصية مميزة ومتقنة في كتابتها، فلو جسدها شخص غير كفؤ، فإن هذا سيودي بها إلى الفشل. بالنسبة إلى مسلسل The last of us كان اختيار الممثلين موفقًا للغاية، خاصة الشخصيات الرئيسية التي تتقاطع دروبها خلال سير الأحداث، فمن غير الرائع بيدرو باسكال يجعلنا نذرف الدموع دون أن ينطق كلمة واحدة.

بيدرو الذي أغرم به كل من شاهد مسلسل صراع العروش بشخصية الثعبان الأحمر أوبرين مارتيل، أثبت مجددًا أنه الرقم الصعب، وقدم شخصية جول العنيف المحطم الغارق في البؤس، بطريقة أقل ما يقال عنها إنها مبهرة، حيث نال إشادات واسعة عن أدائه في الحلقة الأولى، سواء من النقاد أو من اللاعبين الذين رأوا شبهًا رائعًا بينه وبين شخصية جول في اللعبة، خاصة مشهد مقتل ابنة جول سارة الذي كان صادمًا مؤثرًا، جعله أداء باسكال وباركر مدمرًا، حتى بالنسبة لمن لعب اللعبة ويعلم ما الذي سيحدث.

وإن كان باسكال رائعًا فإن بيلا رامزي كانت استثنائية، خطفت الأضواء منذ أول ظهور لها، بيلا التي عرفناها بشخصية ليانا مورمونت من لعبة العروش أيضًا، قدمت أداء متقنًا لشخصية صعبة، هي إيلي الفتاة الصغيرة التي يبدو أنها تحمل سر نجاة البشرية، كما أن التناغم والكيمياء الواضحة بينها وبين باسكال كان الأمر الأهم في العمل، فهاتان الشخصيتان هما أساس المسلسل وهذا التناغم بينهما أفاد العمل وزاد من روعته.


زوايا تصوير مميزة وموسيقى أسطورية ملائمة للعمل

الانسجام والتناغم كان عنوان أسلوب التصوير في العمل، فزوايا الكاميرا الموضوعة في أماكن مدروسة، جعلت المشاهد يشعر أنه دخل إلى المسلسل، خاصة مشهد هروب جول مع أخيه وابنته، ولم تكن الألوان المستخدمة أقل شأنًا، فقد كانت كالحة باردة، وضعت المشاهد في الجو المطلوب، جو نهاية العالم وحياة ما بعد الكارثة، كذلك المؤثرات الخاصة بأشكال الزومبي أو المتحولين التي لاقت كثيرًا من الثناء، حيث مزجت بين الدقة والرعب المميزين، إضافة بالطبع إلى اختيار أماكن مهجورة عفنة، كل هذه التفاصيل الدقيقة أضافت المزيد من الرونق إلى العمل، ولا يمكن إهمال دور الموسيقى التي كانت رائعة مثالية، سواء في المقدمة التي أبدعها غوستافو سانتوللا أو موسيقى التصوير المبهرة التي كانت ملائمة للغاية للأحداث وللعمل ككل.


عمل حطم الأرقام القياسية على أكثر من صعيد

أقل ما يمكن القول عن مسلسل The last of us إنه عمل أسطوري، ليس فقط على صعيد القصة والشخصيات والتصوير، بل أيضًا بأرقام المشاهدات الخيالية، حيث حققت الحلقة الأولى 4.7 ملايين مشاهدة أما الحلقة الثانية فقد رفعت نسبة المشاهدة إلى مستوى خيالي بلغ 22% عن الحلقة الأولى، أما تقييمات الحلقات فلم تكن أقل إبهارًا حيث حققت الحلقة الأولى تقييم 9.2/10 أما الحلقة الثانية فحققت 9.4/10 على موقع IMDb الشهير، يبدو أن الجميع معجب بـ The last of us


غوغل أيضاً معجب بالمسلسل

حركة طريفة يقدمها غوغل لمحبي المسلسل عندما تكتب في محرك البحث الشهير The last of us سيُظهر لك غوغل صورة فطر ما إن تضغطه حتى تمتلئ شاشة حاسوبك أو هاتفك بالفطريات الموجودة في المسلسل، لا يمكن إنكار ذكاء الفكرة يبدو أن غوغل أعجبه العمل كذلك.

على الرغم من عرض حلقتين فقط إلا أنه من الواضح أننا أمام مسلسل عظيم، سينضم إلى قائمة أفضل المسلسلات كقصة وأداء تمثيلي، ويبدو أن القادم من الحلقات سيحمل المزيد من الإبداع والإثارة والصدمات.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.