الصوفية - كتاب الدين الشعبي في مصر
0

في كتابه (الدين الشعبي في مصر) يقدم د/ شحاتة صيام نظرة تحليلية حول المذهب الصوفي والتصوف وفكرة الصوفية عمومًا من منطلق اجتماعي-ديني وكيف تغلغل الفكر الصوفي بمختلف مذاهبه على مدار السنين؛ كنتيجة لتطور المنظومة الفكرية-الدينية (غير الرسمية) التي يستخدمها الناس من خلال التشديد على الاختيار الروحاني والرموز والصور في التعبير عن تلك الطقوس الروحانية لديهم. وفي هذا المقال سنقدم أهم ما جاء في الكتاب بنظرة عَلوية لا تخدش إلا السطح.

في أصل التصوف

يبدأ الفصل الأول بعدة تعريفات لمفهوم الصوفية والتصوف بشكل عام، فمن الناحية اللغوية يرجع أصل التصوف لكلمة صوفيا – Sophos اليونانية، التي تعني الحكمة. أما من الناحية التاريخية تعود كلمة صوفي لقبيلة بني صوفة والتي كانت تعيش في مكة. بالإضافة للتعريفيات التي تربط بين التصوف كمفهوم والشريعة، وأن التصوف هو حفظ شرائع الدين، وحسن الخلق مع الخلق أجمعين، وسلب الإرادة لرب العالمين. من ناحية أخرى يقول السهرودي، بأنهم سموا الصوفية نسبةً إلى ملبس الصوف المقترن بالتواضع والانكسار والزهد والابتعاد عن لذات الدنيا من وجهة نظر ابن تيمية.

الصوفية - كتاب الدين الشعبي في مصر
كتاب الدين الشعبي في مصر: نقد العقل المتحايل؛ وحديثه عن الصوفية بشكلٍ عام.

ويضيف صيام بعض الآراء لأهل الصوفية في تعريف التصوف، وعلى الرغم من تباين تلك التعريفات جميعها والآراء، إلا أنها تجمع على معنى واحد، هو أن الصوفي هو الذي يبتعد عن ملذات الحياة وينشد صفاء النفس وحب الله، ويسمو بروحه، ويجاهد نفسه.

أصول الصوفية ومكوناتها: التنوع والتعدد

يمكن تقسيم التصوف إلى ثلاث فترات:

  1. فترة متميزة في التاريخ العام للتصوف وتبدأ من القرون الثلاثة الأولى من تاريخ الإسلام يمكن أن نمثلها بفترة البحث عن الوجود في الصوفية مجملاً.
  2. فترة تبدأ من القرن الخامس الهجري فترة تتسم بمحاولة التوفيق بين التصوف وخصومه.
  3. فترة تبدأ من القرن السادس الهجرى حتى القرن التاسع الهجري، وهي فترة انتشار المؤلفات الكبرى في التصوف فمن بعد القرن التاسع الهجري أخذ التصوف منحني واضحاً في التدهور علي الخط العقائدي.

بين تلك الفترات حدثت انقسامات داخل المنظومة الصوفية فنتج عنها بشكلٍ أساسي مرحلتين من التصوف.

الأولى هي التصوف الثيوثومي أو النظري، ذلك الذي يقوم على التأمل والتفلسف وصياغة أفكار الأفكار، كمقولة الاتحاد التي ترجع لفكرة اتحاد اللاهوت بالناسوت لتكوين الوجود المتمثل في المادة والروح، ومقولة الحلول المتمثلة في الحسين بن منصور الحلاج والتي عبر عنها في شعره

أنا من أهوى ومن أهوى أنا.. نحن روحان حللنا بدناً.. فإذا أبصرتني أبصرته وإذا أبصرتهُ أبصرتنا.

بالإضافة لمقولة وحدة الوجود التي ترى بأن الوجود كله هو مظهر من مظاهر الوجود الإلهي، وأن الله هو الوجود وموجود في كل شيء، بل إن الله عين الوجود، ويعتبر ابن عربي وابن سبعين من أهم ممثلي وحدة الوجود؛ فالله هو الموجود الواجب الوجود بذاته والأشياء الأخرى ممكنة الوجود، أي موجودة لسبب وهو محدث.

أما النوع الثاني؛ هو الذي يرتكز على الجانب العملي أو الممارس من خلال مجاهدات النفس بالزهد والتقشف والانقطاع للعبادة والذي تطرق له الكاتب في الفصول التالية من الكتاب.

نشأة التصوف والطرق الصوفية بمصر

في الفصل الثاني يبدأ الكاتب في سرد التطور التاريخي والعددي لأهم الطرق الصوفية في المجتمع المصري، وكيف انتظمت تحت مشيخة عامة باعتبار أن هذه الطرق تمثل الجانب العملي للدين الشعبي. بداية من الطرق الصوفية الرئيسية التي انقسمت فيما بعد لطرق فرعية أخرى، وصل عددها إلى أكثر من ثمانين فرقة بالنسبة للأصول أو الفروع.

تعود تلك الطرق الصوفية الرئيسة في نسبها إلى أربعة من كبار الأولياء هم: الجيلاني، والرفاعي، والدسوقي، والبدوي. والتي تم تأسيسها بين القرن الثالث الهجري والسابع، ولكن عرف المجتمع المصري وقتذاك مجموعة أخرى من الطرق المستقلة تجاوز عددها العشرين طريقة. فالطريقة القادرية مؤسسها الشيخ عبد القادر الجيلاني عام 561 هجرياً -وانحدرت منها عدة فروع أخرى- والطريقة البرهامية أقامها السيد إبراهيم الدسوقي ولها أربعة فروع، والطريقة الأحمدية التي أقامها السيد أحمد البدوي ولها ما يقرب من 14 فرعاً، والطريقة الرفاعية أسسها الشيخ أحمد الرفاعي وهي الطريقة الوحيدة التي ليس لها فروع.

 رقص صوفي

كل هذه الطرق وفروعها لها أصول أولية بداية من القرن الثالث الهجري حتى وقتنا هذا. فكل طريقة لها أسلوبها الخاص المتبع؛ بداية من الدخول في الجماعة واتباع الطقوس التعبدية الخاصة بها، وكلها تصب في الصوفية مجملاً.

فعلى سبيل المثال؛ لدخول الطريقة الرفاعية يتم ما يسمى بالعهد السليماني، الذي يكون بين العضو الجديد والشيخ؛ فيجلس العضو مع الشيخ وتتعانق الأيدي ثم تتم قراءة الفاتحة والاستغفار، ثم يبدأ بالتعهد لطاعة الله ورسوله وترك المعاصي والعمل بالكتاب والسنة، ثم يمضي على ورقة طولها نصف متر، مما يشير علي أنه قد منح العهد عن الطريقة الرفاعية. أما عن الملابس فيجب أن تحتوي على غطاء للرأس لونه أحمر عند حضور الحضرات، التي تقوم بعد صلاة العشاء.

وعن طقوس تلك الحضرات يقوم أصحاب الطريقة الصوفية بترديد قول لا إله إلا الله، ثم بعد ذلك يقوم المنشد بإنشاد بعض القصائد الخاصة المأخوذة عن أصحاب الطريقة القدامى. بعد ذلك يتم تردد بعض الأناشيد في حب النبي. ثم ينتهي الذكر بالدعاء لصاحب المقام والدعاء للمسلمين ولكل أهل القرية. تقام هذه الحضرات ليس فقط للذكر ولكن لجمع شمل الأحباب، ومساعدة الجهلاء -على حد قولهم- على الدخول في الطاعة، وتقديم المساعدة للفقراء سواء بطريقة عينية أو مادية.

الخروج عن النص وأزمة الخطاب في الصوفية

يناقش صيام في الفصول التالية الأيديولوجية المتبعة لدي أهل الصوفية حالياً، والتي تتمثل معظمها في حجب أو فناء الذات الإنسانية في الذات الإلهية -مقولة الاتحاد- لتصبح شيئاً واحداً، فهذه العملية تعتبر أعلي مقامات النفس لدي الصوفية حالياً. فبهذا الاتحاد يستطيع الإنسان -في اعتقادهم- بأن يخترق الحجب، ويرى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وهي تعتبر حالة من الوعي غير الحقيقي لديهم، إذ يكون العقل والتفكير في إجازة مطلقة ما دام هناك الاتحاد ذلك، فبدلاً من أن يكون الإنسان كلمة من كلمات الله؛ يصبح هنا كل شيء، باعتبار أن الله خالق كل شيء.

ويذكر في ذلك مثال السيد البرهاني، الذي يرى ذاته في الذات الإلهية ويطلق على نفسه من صفات ونفحات يصدقها تابعيه. فيقول في صفاته مثلاً: أنه هو الذي اختص بعلم الله وحده، وأنه علمه ما في السموات العلى، الذي به يسمو كل شيء ولا يضاهيه شيء، فهو الكامل الذي لا تحجب الأستار عنده، والذي له شفاعة وقول صائب يوم القيامة. بالإضافة للعديد من الشطحات التي يتفرد بها البرهاني دوناً عن الباقين.

الصوفية - رقص صوفي

إن الأيديولوجيا في خطاب البرهاني في الصوفية خاص بفئة اجتماعية معينة، تسعي لتأويل معتقداتها بوصفها ممارسات محفورة في قوالب نظرية سابقة وعتيقة. فالخطاب كغيره من الخطابات؛ يقسم الأشخاص الذين يملكون سر الوجود والمعرفة المطلقة، ومن لا يملك شيئاً. ذلك الذي يعكس ثقافة الضعيف الذي يحاول أن يتماهى مع من يفوقه، أو بالأحرى أن يكون مولعاً بتقليده.

يعتقد المتصوفون بأن العلم والحكمة تغسلان النفوس من الظلمانية، وأن النفس إذا عرفت الحكمة حنت واشتاقت إلي عالم الأرواح. فمن خلال الصعود والسمو بالروح يمكنهم أن يعلموا بكل دقائق الحياة. فبدأ الخطاب في الصوفية يختلق الأساطير والقصص حول كرامات الشيوخ التي تداخلت قصصهم مع الديانات الأخرى فيه؛ ومن ثُمَّ الارتباط بالباطن والعلم بالغيب والاعتقاد بالأرواح والحلول، والعمل بالطلسمات، واستنزال الجن والشياطين. ذلك الذي فتح الأبواب لدي ممارسات السحر والدجل، فضلاً عن أنهم يحاولون ربط الكرامات تلك والخوارق كلها بالزهد، حتى يكون الظاهر والباطن من تلك الأعمال شيئاً واحداً يظهر للمتصوفين.

ما جعل ممارسات السحر تستشري لدي الصوفيين، خلق الأعمال بجميع أشكالها وممارستها واتخذوا منه علماً يمارس بأساليب معينه. فمثلاً استخدام أسماء الله الحسنى وأسماء الملائكة لتدعيم تلك الأعمال -بوصفها ممارسات علمية روحانية- بالإضافة لتسخير روحانية الأفلاك والكواكب واستنزال قواها؛ لاعتقادهم بأن الأمور المجهولة تصدر عنها. فكل كوكب له الأمور التي يؤثر فيها بالسلب أو الإيجاب في الدنيا، وكل كوكب يحمل نوعاً خاصاً بالبخور يمكن الاستعانة به حسب الحالة. ولم يكتفوا بذلك بل أدخلوا علم الحروف واختلقوا له أساليب وقصص معينة تتوافق مع كل عمل يقوموا بتحضيره.

الصوفية - رقص صوفي

ويعلق الكاتب على تلك الممارسات بأن ممارسات السحر وطقوسه لم تأتِ من خلال الإسلام، بل كان المصدر هو تطور الدراسات الدينية التي جاءت من خلال الانزياحات المعرفية والإقرارات الحضارية المتنوعة. مثلما جاءت الحلول والاتحاد من المسيحية، ووحدة الوجود من الديانات الإشراقية الشرقية، والمقامات والإصغاء من البوذية. ومن وجهة نظر أخرى انعكست العلاقة بين السحر ومفهوم الصوفية بحيث تعكس رؤية تجريبية تضم أبعاداً كونية ولاهوتية، وبعداً باطناً إنسانياً، يمتد إلى ما هو خارجي؛ ليكون مجالها الحيوي وفضائها الخارجي هو الأديان كلها؛ سواء كانت أرضية أو سماوية.

وفي النهاية يعتقد الكاتب بأن تلك الممارسات والأفكار الصوفية تعتبر ثورة على العقل الفقهي الرسمي، حيث استطاعت أن تخترق حجب الثقافة الدينية التقليدية، وخلق تيارات وجماعات دينية جديدة؛ ويصفها بأنها تأتي كأيديولوجية واهمة في تحديد العلاقة بين أطرافها الثلاثة: الله، الولي أو الشيخ قائد الجماعة، والإنسان. فهي تجعلهم منسحبين عن التفكير في تغيير ما هو قائم، أي إنها بمثابة وسيلة لتغييب الوعي الاجتماعي وعدم تجاوز وتغير الوعي الاجتماعي. بل ويعتبرها صيام أنها تمثل التيار المحافظ في تأويل الدين.

0

شاركنا رأيك حول "نظرة عَلوية لكتاب الدين الشعبي في مصر: عن الصوفية ودواخلها"