مأساة كاتب القصة القصيرة - إبراهيم نصر الله
0

الأدب الذي ينتج في الأساس في أوقات العزلة، أصبحت عزلة مرض كوفيد-19 والفيروس المسبب له (وكان يُعرف سابقًا باسم فيروس كورونا المستجد 2019) تؤثر عليه، ومن رحم هذه العزلة خرجت لنا مجموعة من الأعمال الأدبية، منها رواية “مأساة كاتب القصة القصيرة” للكاتب “إبراهيم نصر الله”، فهل تحدثت الرواية بشكل جيد عن الوباء؟ هل هي في الأساس رواية عن الوباء؟ سنعرف هذه الإجابات وإجابات أخرى حول الرواية في الفقرات القادمة. (يمكنك اقتناء رواية مأساة كاتب القصة القصيرة من هنا).

بلا مقدمات ظهر فيروس كورونا، وفجأة وجدنا العالم يأخذ شكلًا آخر غير الذي عرفناه، أشياء لم نكن نتخيل حدوثها فجأة أصبحت ممكنة، لا نسلم على أحد، لا نختلط بأحد، حتى الموت كانت ضحاياه تسلم للمقابر في هدوء وبوجود أقل من عشرة أشخاص، في هذا الوقت تغيرت أشياء كثيرة حتى الأدب.

اقرأ أيضًا:

أحوال عالم الأدب خلال 2020: كوفيد-19 يؤثر على صناعة النشر والزخم الثقافي

معجبة مجهولة وناقدة محترفة

غلاف رواية مأساة كاتب القصة القصيرة للكاتب إبراهيم نصر لله
رواية مأساة كاتب القصة القصيرة سخرية سوداء من رحم الوباء.

يبدأ الفصل الأول من رواية مأساة كاتب القصة القصيرة للكاتب إبراهيم نصر الله بالحديث عن معجبة سرية تظهر فجأة في حياة الكاتب، كاتب القصة القصيرة وبطل روايتنا؛ منذ مدة قام الكاتب بنشر قصة قصيرة بعنوان “المربع” على صفحته على موقع فيسبوك، ظن الكاتب أن القصة ضاعت في شلالات المنشورات اليومية التي تعج بها وسائل التواصل الاجتماعي، إلا أنه يتفاجأ في أحد الأيام برسالة من فتاة تحب القصة وتحللها، في البداية كتبت الفتاة تحليل قصير، ثم آخر أطول، ووصل الأمر إلى أن وجد الكاتب مراجعة تحليلية كُتبت في حوالي 150 صفحة حول قصته القصيرة.

لم يكن يتخيل الكاتب أن قصة قصيرة كتبها، من الممكن أن تعامل معاملة مسرحية هاملت للكاتب شكسبير، غير أن هذا الأمر أعجبه، وسواء كان يقصد ما تستنتجه المعجبة أم لا، فها هو يقع في حبها، أو بشكل أكثر دقة يهتم لأمرها، ولا سبيل للتراجع.

كانت العلاقة التي تجمع الكاتب والفتاة الناقدة هي القصة “قصة المربع”، والغريب أن صفحة الفتاة الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك لم يكن عليها شيء، مجرد مجموعة من الصور الشخصية، أحيانًا بمفردها، وأحيانًا مع أشخاص أخرين مثل: قريبتها الصغيرة المربعة! لا حديث عن الأدب ولا نقد لأعمال أدبية، ولكن كيف يمكن لحساب لا يميزه أي شيء مثل هذا أن ينتج هذه التحليلات النقدية الفذة والقوية؟

كان من المفترض أن يقابل الكاتب الفتاة ليتحدث معها حول قصته وأشياء أخرى، لكن فجأة تم إعلان الحجر الصحي، ومنعت الزيارات، مما منع المقابلة التي كان من الممكن حدوثها.

مربعات ودوائر مأساة كاتب القصة القصيرة

مأساة كاتب القصة القصيرة
غلاف رواية مأساة كاتب القصة القصيرة للكاتب إبراهيم نصر لله

من الممكن أن نقول أن رواية مأساة كاتب القصة القصيرة تعتبر رواية ما بعد حداثية، وهي كذلك بالفعل، وهذا بسبب الشجاعة التي قرر الكاتب أن يتحلى بها ويتحدث عن الدوائر والمربعات، والمربعات خصوصًا.

المربعات في الرواية هي رموز لأشياء كثيرة، وأعتقد أن الفكرة تبلورت في رأس الكاتب عند الحجر المنزلي الذي قيدنا جميعًا في مربعات محددة، وحتى عندما ننظر من النوافذ لا نرى في المدن التي نعيش فيها إلا مجموعة من المربعات الأسمنتية حولنا، غير أن هذه المربعات توفر الأمن والراحة، وفي كثير من الأحيان كان الكاتب إذا أراد التحدث عن “منطقة الراحة” أو المساحة الآمنة لأي إنسان فإنه كان يتحدث عن المربع كرمزية لهذا الأمان.

فهمت المعجبة السرية هذه الفكر بسرعة، وكانت تقول للكاتب أنها تريد أن يكون كل شيء بينهم مربع، وعلى المربعات أن تبقى جيدة، وهنا سنعرف أن المربع هو شكل هندسي محدد الزوايا والأركان، يمكن أن نذهب لمكان محدد وننزوي بداخله، وذلك يستحيل حدوثه في الدائرة مثلًا.

ومع تطور الأحداث سنجد أن الكاتب ومعجبته لا يتحدثون إلا برسائل تقبل كلماتها القسمة على 4، وسنعرف أيضًا أن هناك الكثير من الأشياء هي مربعة، مربعة بشكل يثير الدهشة، بعد كل هذه المربعات هل يمكن اعتبار هذه الرواية عمل حداثي ثوري؟ هل يمكن القول أنها بأهمية المدرسة التكعيبية التي ابتدعها بيكاسو؟

أما الدوائر فهي على العكس تمامًا، الدوائر بالنسبة للكاتب هي منطقة من عدم الآمان، منطقة غير محددة الملامح، لا يمكن أن نجلس في زاوية محددة، كل شيء في الدائرة عبثي، وإذا فهمنا المعنى الكامل من قصد الكاتب من  الدائرة والمربع، فلن يكون من الغريب إذا سمعناه يقول لفتاة: “أعتذر لن أستطيع أن أكمل معك أنت الآن دائرة، إذا أصبحت مربع لكان الأمر شيئًا آخر”، وكما كان للكاتب حبيبة مربعة، تخلص فلسفته حول المربع، ويكتب من خلالها وبها عنه، فإن له أيضًا حبيبة دائرية.

الحبيبة الدائرية.. المرأة الرهيفة

للكاتب حبيبة أخرى، وهي امرأة متزوجة، وكانت تحب الكاتب في الماضي، كانت تتابع أعماله الكتابية بشغف، وكانت تذهب خلفه في المؤتمرات والندوات الثقافية، وقعت المرأة الرهيفة في سحر الكاتب، لم تكن تستطيع الفكاك، وكانت تترجاه أن يجد شيء لفك هذه التعويذة وتبعتد عنه.

تحكي الرواية هذه القصة بشيء من التفاصيل، ونعرف ماضي العلاقة وأبعادها، مما يجعلنا نتعاطف معاها ونتأثر بها، وبالتفاصيل الغريبة التي كان الكاتب يضعه فيها مثل نبتة الزنبق التي كانت تموت وتنمو بشكل غير طبيعي.

الكاتب وبائع العقارات

ربما سيفهم القارئ من كلامي السابق أن الكاتب يتميز بشكل الكاتب الكلاسيكي، يجلس أمام شمعة وبعض الأوراق، يحتسي القهوة ويكتب القصص، ويفكر في حبيبتيه، لكن هذا الأمر بعيدًا كل البعد عن الواقع.

فالكاتب هو بائع عقارات يعمل لحاسب مكتب كبير، وخلال الرواية سنجد تطورات في عمله، وكيف يؤثر فيروس كورونا عليه مثلما حدث مع معظم العمال في العالم بأكمله.

والكاتب أيضًا ليس من النوع المتمرد الوحيد البعيد عن كل شيء، بل هو على العكس، يعيش مع أمه في منزلها، ويهتم بعلاقته مع أخته وزوجها، ويهتم بجيرانه والحي الذي يسكن فيه، إنسان روتيني وعادي تمامًا، ويكتب القصص.

أسلوب الكاتب إبراهيم نصر الله

أسلوب رواية مأساة كاتب القصة القصيرة بسيط وسلس للغاية، غير أنها غريبة بعض الشيء عن الروايات الأخرى، يمكن للقارئ بسهولة أن يشعر كيف تمت كتابة هذه الرواية، فالكاتب كان يقوم بكتابة موقف معين في ثلاث صفحات مثلًا ثم يتوقف عن الكتابة ويضع نقطة، وفي المرة القادمة يبدأ في حكاية جديدة، أو بمعنى آخر يقرأ آخر ما كتبه، ويفكر كيف سيكمله، وهذا واضح بشكل جلي، بل يمكنني القول أيضًا أن الكاتب كان يريد أن تكون هذه الرواية يوميات لتسجيل ما يحدث معه خلال أيام كورونا.

بالطبع مع وضع بعض الخيال والصياغة الأدبية على هذه الأحداث، نحن أمام رواية بسيطة، ولكنها ليست مترابطة بأفضل شكل، كما يصعب أن تنتظر حدوث شيء للقصة التي تقرأ فيها الآن، وهذا لأن القصة قد تقف وننتقل لأخرى، وبالطبع يسهل تخيل خروج عمل مثل هذا في هذه الأيام.

تأثير كورونا على الكاتب والكتاب

الكاتب إبراهيم نصر الله، كاتب عماني من أصل فلسطيني، حاز على عدة جوائز في الأدب والشعر
الكاتب إبراهيم نصر الله هو كاتب عماني من أصل فلسطيني حاز على عدة جوائز في الأدب والشعر

تأثير كورونا واضح على أسلوب الكاتب الكاتب إبراهيم نصر الله بداية من فلسفة المربعات مرورًا بعمله وحديثه عن الموت والوحدة والشوارع الخالية، كما نجد أن قصة الكتاب نفسها متأثرة بشكل كبير، صفحات كثيرة تقص قصة بسيطة، لكن هذه القصة البسيطة كانت حياتنا بالفعل.

لذلك كان يجب قصها بهذا الشكل، فأحيانًا نجد أن الحكاية تدور حول سير الكاتب المشَّاء، الذي يسير كل يوم خارج منزله في الشوارع ويعود قبل بداية الحظر، وخلال هذه التمشيَّ كان يراقب الكاتب تطورات الكلب الذي أصبح يهتم به مؤخرًا، ثم يذهب ليخبر أمه بكل جديد، كما سنجد حكاية عن تعاملنا مع الفيروس من البداية حتى لحظات الفتور وعدم الاكتراث وذلك من خلال منشفتين يستعملهما الكاتب وأمه.

السخرية السوداء في السرد

مأساة كاتب القصة القصيرة هي رواية تنتمي لأدب السخرية السوداء، ومن السخرية أن تأتي معلومة بهذه الأهمية في نهاية المقال، لكن لكل مقال الحق الكامل في أن يتشكل ويأخذ القالب الذي يجده مناسبًا له، بل وله الحق في أن يكتب بعدد كلمات لا تقبل القسمة على أربعة.

تختلف أشكال السخرية في الرواية أحيانًا تكون كلمة بعد فقرة طويلة، وأحيانًا تكون جملة، وأحيانًا وهذا من حسن حظنا -أو من سوءه- تكون الفقرة بأكملها ساخرة، ومرةً واحدة اختار الكاتب أن يكتب فصل بأكمله ساخر، وإحقاقًا للحق أعتقد أن الكاتب كان يكتبه في عمل آخر ينهيه، لكنه أخطأ ووضعه في هذه الرواية بلا جذور له في بداية فصولها، ولا ثمار في نهاية فصولها.

لكن ما يشفع له وجود هذه القصة بهذا الشكل أنها جيدة ومضحكة، فصل هذه القصة بعنوان “البزَّ” وهي جزء عاطل في موتور المياه، لكن من سوء الحظ أن اسم هذا الجزء يتشابه مع كلمة أخرى أعتقد أنها قفزت في ذهن القارئ الآن ولا يحتاج إلى مساعدة لتوضيحها.

وقد استطاع الكاتب خلق جو مرح في هذه القصة التي اعتبرها دليلًا على ما قتله سابقًا حول سرد الكاتب الذي يكتب أحيانًا ثم يضع نقطة، وفي يوم آخر ينتقل لأمر آخر أو يكمل قصة سابقة وقصصه الأساسية خصوصًا عن المربعات والدوائر لكن تتأثر القصص حينها بالحالة النفسية التي يعيشها الكاتب في لحظتها.

وهكذا أكون قد انتهيت من مراجعة رواية مأساة كاتب القصة القصيرة للكاتب إبراهيم نصر الله وذكر أهم النقاط التي جاءت فيها وساهمت في تشكيلها؛ وفي النهاية يمكنني القول أن الرواية جيدة، وتجربة تستحق أن تعاش على الرغم من بعض العيوب.

وعلى الرغم من النهاية الغير مشبعة وغير الكافية، لكن الشبع غير مهم إذا كان الطعام الموضوع شهي للغاية، وإن كنت أفضل لو وجدت نهاية أكثر كثافة خصوصًا في وجود عمل 195 صفحة فقط.

فنحن هنا لسنا أمام رواية ضخمة يشفع لنهايتها طول الأحداث التي عشناها، لكن على أي حال للقصة نهاية، وهذا عمل شاق وصعب، فكيف نضع نهايات للروايات وواقعنا نفسه لا نعرف كيف ستنتهي أيامه التي نعيشها في ظل هذا الوباء العالمي؟

لك أيضًا:

أفضل المجموعات القصصية خلال 2020: جولة في القصة القصيرة وعالمها وكتابها

0

شاركنا رأيك حول "مأساة كاتب القصة القصيرة: إبراهيم نصر الله يكتب سخرية سوداء من رحم الوباء"