مسرحية أهل الكهف - توفيق الحكيم
0

لاقت مسرحية أهل الكهف للكاتب المصري الكبير توفيق الحكيم نجاحًا كبيرًا منذ نشرها عام 1933، وبالإضافة إلى اللغة العربية فقد نشرت باللغات الإنجليزية والإيطالية والألمانية والفرنسية، وقُدمت لأول مرة حين افتتح بها المسرح القومي المصري أول عروضه عام 1935 مما زاد من انتشارها وشهرتها.

كما يجري الآن تصوير فيلم سينمائي عن مسرحية الكاتب الكبير توفيق الحكيم، من إنتاج المصري وليد منصور والبطولة للفنان محمود حميدة، وخالد النبوي، ومصطفى فهمي، وأحمد عيد، وغادة عادل، ومحمد ممدوح، ومحمد فراج، والمعالجة السينمائية للكاتب أيمن بهجت قمر، والإخراج للمخرج عمرو عرفة، ومن المنتظر عرضه في فصل الصيف من عام 2021م.

الدنيا كهف كبير والبشر هم أهله

غلاف مسرحية أهل الكهف للكاتب توفيق الحكيم
غلاف مسرحية أهل الكهف للكاتب توفيق الحكيم (طبعة مكتبة مصر)

قد تبدو مسرحية أهل الكهف مسرحية دينية فحسب، لكنها لا تقتصر على ذلك، ففي رأيي هي عمل فلسفي عميق يمكن أن يُقرأ كثيرًا، ويمنح القارئ العديد من فسحات التفكير والتساؤلات الكاشفة عن المعضلات التي يواجهها الإنسان خلال حياته.

بعد قراءة مسرحية أهل الكهف نجد تشابهًا كبيرًا بين إحدى أفكارها، وقصة “كهف أفلاطون” الشهيرة، ففي الأخيرة يعيش مجموعة أشخاص مقيدين في كهف، ومجبرين على إدراك ظلال الأشياء، فوضعوا بأنفسهم تفاسير ونظريات وآراء تجاه هذه الظلال، معتقدين أنها الصواب والواقع.

بينما في مسرحية أهل الكهف يستيقظ ثلاثة فتية من نومهم معتقدين أنهم ناموا ليوم أو يومين، لكن الحقيقة هي أنهم ناموا لأكثر من ثلاثمائة عام. حين يقرر أهل الكهف الخروج من الظلمة، يكون لديهم الاستعداد المسبق للتعامل مع العالم الجديد، وفقًا لخبراتهم القديمة. لذا عندما يخرج أولهم يُصدم بالواقع من حوله، عند اكتشافه للمرة الأولى، فيتبادر إليه الظن أنه في عالم آخر. 

وهو ما يتشابه في قصة أفلاطون، مع الشخصية التي فُك قيدها وأصابها الضوء بالذهول والصدمة عند أول خطوة للعالم الخارجي، فقرر البطل أن يواصل الخروج والتعلم وخوض المغامرة في العالم الجديد، حتى انصهر فيه، وحين عاد إلى أصحابه ليوضح لهم حقيقة الأشياء لم يصدقوه بل واتهموه بالجنون.

لكن البطل في مسرحية أهل الكهف للكاتب الكبير توفيق الحكيم حين عاد ليخبر صاحبيه فقررا الخروج معه للتحقق من أقواله عن العالم الجديد. شكل الأمر صدمة لفتية الكهف ولم يصدقوا في البداية أن عليهم إدراك العالم بنظرة مختلفة، وأن الزمن تغير بعدما لبثوا في كهفهم لمئات السنين.

تعامل البطل الأول مع العالم الجديد آثار استغرابي، فرغم أنه كان أول الخارجين من الكهف وأشجعهم للمبادرة بالخروج، إلا أنه آثر العودة إلى الكهف وإلى ما اعتاد عليه من ظلمة وجوع على أن يندمج مع الناس في هذا العالم الجديد، مفضلًا الجهل على ألا يدفع ثمن المعرفة والتغيير.

“إني كإنسان يعميه النور.. نور كثير وسط عالم من الأحلام”.

رفض التغيير وتفضيل قسوة الأمر الواقع والمألوف أمر شهير في علم النفس يطلق عليه منطقة الراحة أو Comfort zone، وهو ما يجعل القارئ للمسرحية يوجه لنفسه العديد من الأسئلة من أهمها: هل أنا مستعد لدفع ثمن التغيير في حياتي والخروج من منطقة راحتي المألوفة، وإذا وُضعت في موضع اختيار أيهما سأختار المعرفة أم الجهل؟

يقول المتنبي: “ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم”، عبر أبو الطيب بشِعره عن حال أهل الكهف، فالمعرفة آلمتهم وقلبت كيانهم رأسًا على عقب، لأنها تستوجب التغيير الذي يتطلب ثمنًا حتمي الدفع. 

اقرأ أيضًا:

أكثر الكتب إثارة للجدل خلال عام 2020 ستفقدك عقلك!

هل الحياة واقعية أم مجرد وهم؟

يجري الآن تصوير فيلم سينمائي عن مسرحية أهل الكهف للكاتب الكبير توفيق الحكيم
يجري الآن تصوير فيلم سينمائي عن مسرحية أهل الكهف للكاتب الكبير توفيق الحكيم

يدرك “مرنوش” أحد الأبطال في مسرحية أهل الكهف أمرًا مفزعًا حول حياته، فاُضطر إلى دفع ثمن المعرفة مجبرًا دون اختيار منه، حين ذهب وحيدًا في رحلة للبحث عن ابنه فاكتشف أنه مات في سن أكبر من عمره هو –أي أبيه-، عندها فقط أدرك قسوة القدر الذي وضعه فيه الزمن.

لم يتمكن من مواصلة حياته في العالم الجديد وعاد مرة أخرى إلى الكهف، لكنه صار متحيرًا ومتشككًا حول حاله، لم يعلم إن كان ما عرفه واقعًا أم وهمًا، وحين تناقش الثلاثة حول العالم الجديد زادت حيرتهم وشكوكهم، فكيف لهم أن يتقبلوا أن عذابهم كان حقيقة ولم يكن كابوسًا شنيعًا!

النظرة إلى العالم وإلى الحياة على أنها حلم طرأت في فكر العديد من الفلاسفة، مثل الفيلسوف الصيني “جونج زي” الذي قال إنه حلم في يوم من الأيام بأنه فراشة تطير وترفرف، لدرجة جعلته تشعر أنه فراشة بالفعل، ولا يدرك شيئًا ولا شعورًا واحدًا بكونه إنسانًا أو بشريًا، وحين استيقظ وجد نفسه على هيئة رجل، ما جعله يفكر عن حقيقته، هل هو إنسان يحلم بأنه فراشة، أم العكس، وهو ما يتشابه مع ما حدث مع أهل الكهف الذين احتاروا حول الحقيقة والحلم.

“نحن أحلام الزمن“.

والطريقة التي يتيقن خلالها الإنسان من ماهية حياته تعتمد بالأساس على الإدراك كما طرح الفيلسوف الأيرلندي جورج بيركلي، مؤسس نظرية اللامادية، التي ينكر خلالها الوجود المادي للأشياء ويصفها بأنها مجرد أفكار في ذهن من يدركها، وهو ما تحير فيه أبطال مسرحية أهل الكهف، وتساءلوا عما إذا كانوا أدركوا التغيير من حولهم أم أنه كان مجرد حلم أو تخيُل من صنع أذهانهم، عندها خافوا أكثر من الخروج رغم شجاعتهم في المرة الأولى، فالتجربة -التي لم يقدروا على الحكم بواقعيتها أم لا- كانت سببًا في إثارة الخوف بنفوسهم.

وهو ما يثبت جدلية التفرقة بين واقعية الحياة أو كونها وهمًا، كما يصعب علينا أحيانًا أن نفرق بين الحلم والحقيقة. بعد نقاش وحيرة مطولة لفتية الكهف تمكنوا من التفرقة بين الحقيقة والوهم، فهل تنجح أنت في الشيء نفسه.

اقرأ أيضًا:

هارلي بوتر.. ماذا لو كان هاري بوتر فتاة؟

هل يقهرنا الزمن أم نحن الذين نقهره؟

غلاف مسرحية أهل الكهف
غلاف مسرحية أهل الكهف (طبعة دار الشروق المصرية).

اعتمد الكاتب توفيق الحكيم في مسرحيته على قصة أصحاب الكهف الواردة في القرآن الكريم، واستقر على ثلاثة أبطال لحكايته، ليكون رابعهم كلبهم.

يستيقظ أصحاب الكهف من نومهم وبهذا الاستيقاظ يكتشفون الصراع الذي عليهم أن يعيشوه مع الزمن، في البداية يظنون أنهم عادوا لعصرهم ولبلدهم، لكن ما حدث هو أن زمانهم تغيّر وحال مكانهم تبدّل.

يقول الفيلسوف اليوناني هيراقليطس: “لا شيء في هذا العالم يستطيع أن يتجاوز مقاييسه، وهذه المقاييس هي الحدود المكانية والزمانية”. لكن ما حدث مع أهل الكهف كان مختلفًا، لذلك يمكننا أن نطلق عليه معجزة بحق، فقد تخطوا حدود المكان وتجاوزوه بما يزيد عن ثلاثمائة عام.

الصدمة الناتجة عن تغيّر زمنهم زلزلت كيانهم وأصابتهم بالجزع والخوف، وهو رد فعل طبيعي في موقفهم الخارق للطبيعة، فدخلوا في صدام مع الزمن رفضت عقولهم أن تستوعبه. وموقف الزمن من البشر ليس بجديد، فدائمًا ما كان هناك صراع بين الطرفين، نراه إلى يومنا هذا واضحًا في عمليات وحقن التجميل على سبيل المثال، والتي يكافح الإنسان عبرها إلى التقليل من آثار الزمن على وجهه، فلكل عصر شكل مختلف يحدد أوجه الصراع بين البشر والزمن.

الصراع بين الزمان وأهل الكهف لم يفز فيه سوى من اتبع قلبه وجعل الحب دليله، وهو ما اتضح في توجه النهاية التي وضعها الكاتب توفيق الحكيم، قائلًا على لسان أحد أبطال الرواية: “إن القلب أقوى من الزمن!”.

“ما هو الحب الذي يفعل هذه الأعاجيب ويحلق فوق الأجيال كما تحلق الفراشة فوق الأزهار؟”.

وفي النهاية.. هل أنت متحمس لمشاهدة الفيلم المقتبس عن النص المسرحي أهل الكهف للكاتب توفيق الحكيم؟

0

شاركنا رأيك حول "مسرحية أهل الكهف قبل عرضها كعمل سينمائي: هل نعيش جميعًا في كهف كبير؟"