0

لعل أول ما يخطر في بالنا عند ذكر كلمة التطور هو تشالرز داروين ونظرية التطور المرتبطة به والتي قام بنشرها في كتابه “أصل الأنواع” عام 1859. خضعت هذه النظرية إلى الكثير من التغييرات والتعديلات، لكّن المفهوم العام للتّطور يقول بأن الكائنات الحية تخضع بشكل مستمر لعوامل طبيعية وتغيرات في الرموز الوراثية مع الوقت بحيث تضمن التّكيف الأفضل مع المحيط للبقاء على قيد الحياة أو ما يسمى بالانتقاء الطبيعي، والتي بدورها تؤدي إلى ظهور أنواع جديدة من الكائنات الحية، أو تغيّرات في الكائن الحيّ نفسه.

يتّفق معظم الناس على أن تشارلز داروين هو الأب الروحي لنظرية التطور وأنّ ملاحظاته ورحلاته كانت هي الأولى ضمن سلسلة طويلة من الأبحاث اللاحقة والتي تفسر الحياة على وجه الأرض. لكنّ ماذا عن كتاب الحيوان هذا الكتاب والذي يسبق داروين بألف عام تقريباً؟

اقرأ أيضًا:  لماذا تردد داروين في طرح نظرية التطور لسنوات طويلة؟ ملف شامل في ذكرى ميلاد مؤلف “أصل الأنواع”

كتاب الحيوان

يَرد في هذا الكتاب النص التالي:

“تنخرط الحيوانات في صراع من أجل الوجود، وعلى الموارد، لتجنّب أكلها، ومن أجل التكاثر”.

ويضيف:

“العوامل البيئية تؤثر على الكائنات الحية لتطوير خصائص جديدة لضمان البقاء، وبالتالي تحويلها إلى أنواع جديدة. فالحيوانات التي تعيش لتتكاثر يمكن أن تنقل خصائصها الناجحة إلى نسلها”.

كتاب الحيوان الجاحظ

إن هذا النصّ السابّق قام بكتابته العالم والفيلسوف الإسلامي أبو عثمان عمرو بن بحر الكناني البصري والمعروف بالجاحظ. ولد الجاحظ في البصرة جنوبي العراق عام 776 ميلادي، وهي الفترة التي شهدت فيها الثقافة الإسلامية نمواً كبيراً بسبب الحركات القائمة في ذلك الوقت والتي كانت تشجع على إعمال العقل والفكر الإنساني. قام الجاحظ خلال مسيرته العلمية بتألف العديد من الكتب والتي لم يبق منها سوى القليل، ويُعدّ كتابه “كتاب الحيوان” هو الأكثر شهرة بين مؤلفاته.

هذا الكتاب متعدد المجلدات -المأخوذ منه النص السابق- لا يصف أكثر من 350 نوعاً من الحيوانات فحسب، بل يتضمن أشعاراً من الفترة قبل الإسلامية، وملاحظات الشخصية، قصص روائية وفكاهية، بالإضافة إلى نقاشات في تأثيرات نصوص أرسطو في علم الحيوان.

إشارة واضحة إلى التطور

على الرغم من أن “كتاب الحيوان” يحوي مجموعة واسعة من المواضيع، إلا أن الكمية الهائلة من الحقائق العلمية الموجودة فيه، تجعله من أفضل الكتب العلمية الإسلامية على الإطلاق. يقدم الجاحظ في هذا المؤلَف الصياغة المعروفة الأولى لمفهوم التطور البيولوجي للكائنات الحية. بعد مراقباته للحيوانات والحشرات، قال الجاحظ أنه لا بدّ من وجود بعض الآليات الطبيعية والتي تؤثر على تطور الكائنات الحيّة. يكتب الجاحظ عن ثلاث آليات رئيسية، وهي النضال من أجل البقاء، تغّير الكائن الحيّ الواحد إلى آخر، وتأثير العوامل البيئية.

لقد كان من الواضح له أن هناك دائماً نوع من الكائنات الحيّة متفوّق على الآخر، وأنه من أجل البقاء، كان على الكائنات الحيّة الأدنى تطوير خصائص جديدة للبقاء. ساعدت هذه الخصائص الجديدة الأنواع على التكيف مع الظروف البيئية وابتكار أنواع جديدة. يقول في كتاب الحيوان:

“يخرج الجرذ ليجمع طعامه فيبحث عنه ويصادره من أجل إطعام صغاره. يأكل بعض الحيوانات الأدنى منه، كالقوارض الصغيرة والطيور الصغيرة… ويخبئ صغاره في أنفاق عميقاً تحت الأرض وذلك لحمايتهم وحماية نفسه من هجوم الثعابين والطيور. أمّا الثعابين فتحب أكل الفئران كثيراً. وفي نفس الوقت هي تدافع عن نفسها من خطر القنادس والضباع. والتي هي أقوى منها. يمكن للضبع أن يخيف الثعلب، وبدوره الثعلب يخيف كل الحيوانات التي هي أدنى منه. هذا هو القانون الذي ينص على أن بعض الكائنات الحيّة هي طعام للآخرين… جميع الحيوانات الصغيرة تأكل حيوانات أصغر؛ وجميع الحيوانات الكبيرة لا تستطيع أكل الحيوانات الكبيرة”.

ما يقوله الجاحظ هنا، هو أنّ هذه الاحتياجات للكائنات الحية قد أدت إلى ظهور صفات جديدة فيها لم تكن موجودة سابقاً، فمثلاً الجُرذ الأسرع والذي يحفر نفقاً أعمق سوف تكون احتمالات نجاته من الأفاعي أعلى، وبتمريرة هذه الصفات إلى نسله سوف يضمن بقاء هذا النسل لفترة أطول. وهذا ما كتبه داروين في “أصل الأنواع” تحت اسم “الاصطفاء الطبيعي“.

كتاب الحيوان الجاحظ

ليس الجاحظ فقط: فترة مستنيرة للفكر الإسلامي

ولم يتوقف الفكر العلمي الإسلامي المرتبط بالتطور هنا، ففي القرن العاشر قال فيلسوف مسلم من آسيا الوسطى يُدعى محمد النخشابي في إحدى كتاباته إن العناصر الأبسط قد تطورت في البداية إلى نباتات وحيوانات ثم البشر نتيجة التطورات البيولوجية. حيث كشفت دراسته أن الحيوانات اعتادت أن تكون نباتات في مراحلها المبكرة، وهكذا عبّر عن سلسلة من التفاعلات الدورية تبدأ بالإنسان العاقل وتعود إلى “الغبار الكوني”. بالرغم من تعقيد الكلام الذي تكلّم به النخشابي إلا أنّه يحتوي على جوهر المفهوم الأساسي للتطور.

ولا بدّ أيضاً من ذكر الأفكار التي كتبها ابن خلدون حول نظرية التطور خلال القرن الرابع عشر في هذا الصدد. حيث ذكر في كتابه “المقدّمة”:

“يلاحظ المرء كيف يتم ترتيب هذه العناصر تدريجياً وباستمرار بترتيب تصاعدي، من الأرض إلى الماء، إلى الهواء، وإلى النار. يتم إعداد كل عنصر من العناصر ليتم تحويله إلى العنصر الأعلى أو الأدنى التالي. دائماً ما يكون الأعلى أدقّ من الذي يسبقه. في النهاية، يتم الوصول إلى العالم المعروف. إنه أرقى من أي شيء آخر”.

اقترحت وجهة نظره حول التطور البيولوجي أن الماء والنار والهواء والأرض تحتوي على عناصر أساسية لتشكيل الكائنات حية ويمكن تحديد الترتيب التصاعدي للأحداث. إنه يعني بشكل خاص أن الأنواع الأعلى أكثر لياقة من أشكالها السابقة والتي لا يمكن أن تحدث إلا من خلال البقاء والتكاثر وانتقال السمات. وهذه أيضاً أحد الأعمدة الأساسية في نظرية التطور.

يمكن القول الآن أن أبو نظرية التطور الحقيقي هو الفيلسوف الإسلامي الجاحظ الذي سبق الجميع في ملاحظاته، وإن قمنا بإلقاء نظرة على أعمال الجاحظ سنجد أن هذا المقال هو غيضٌ من فيض من المعلومات التي تتمحور حول نظرية التطور والاصطفاء الطبيعي.

اقرأ أيضًا: سرقة دفاتر تشارلز داروين: الرجل الذي ألمح أن البشر ينحدرون من القردة

0

شاركنا رأيك حول "هل سبق الجاحظ وغيره من علماء المسلمين داروين إلى نظرية التطور؟"