"إنّ الموت يعشق فجأة مثلي.. وإنّ الموت مثلي لا يحب الانتظار"

محمود درويش

"الموت"، كلمة مقلقة لبعض النفوس، لها هيبة واحترام، ويأتي في أوقات غير معروفة، فلا يعرف أحد قدره، ولا في أي أرض سيموت، لكن في بعض الحالات، يتوقع الأطباء موت المرضى طبيًا، هذا في حالة لم تحدث معجزة تنجده. في الحالات الطبيعية، عندما يسمع أحدهم من طبيب أنّ أيامه معدودة، فعادةً ما ينهار ويكتئب، وهناك بعض الأقوياء الذين يقررون الاستمتاع بكل لحظة متبقية في حياتهم. 

هل سمعت من قبل عن راندي باوش؟ 

إنه أستاذ علوم الحاسوب في جامعة كارنيغي ميلون بولاية بنسلفانيا في الولايات المتحدة الأمريكية. كان رجلًا محبوبًا من طلابه وزملائه، وفي إحدى الأيام، عرف أنه مصاب بمرض خطير، سرطان البنكرياس. وقدر له الأطباء فترة قصيرة للحياة، ومن بعدها سيذهب إلى مثواه الأخير. 

قرر باوش أن يكون من الأقوياء، وينتهز الفرصة لإلقاء محاضرته الأخيرة، وفي بداية المحاضرة، عبر عن امتنانه لفرصة أنه سيُلقي محاضرته الأخيرة وهو يعلم أنها الأخيرة، فمعظم الذين يُلقون محاضرتهم الأخيرة لا يعرفون أنها الأخيرة.  

المحاضرة الأخيرة لراندي باوش… نصائح حياتية لا تقدر بثمن

سُجلت هذه المحاضرة لتُصبح واحدة من أعظم الدروس الإنسانية على الإطلاق. وكان ذلك في 18 سبتمبر عام 2007. وبعدها ألف كتابًا عن المحاضرة الأخيرة، ووضع فيه نصائحه باستفاضة.

غلاف كتاب المحاضرة الأخيرة راندي باوش

بدأ باوش المحاضرة بسخرية من مرضه، وأدى بعض التمارين الرياضية أمام الحضور، لتصلهم رسالة أنه بخير. أراد باوش من خلال هذه المحاضرة أن يروي ما تعلمه خلال حياته ويتركه لأطفاله من بعده، وفي هذا الصدد قال: 

 "لو كنت رسامًا، لرسمت لهم.. لو كنت موسيقيًا، لتركتها لهم، لكنني محاضر، لذلك أحاضر"

وشرع الأستاذ في إلقاء محاضرته القيّمة من خلال مجموعة من المواقف التي مرّ بها، وسردها في صورة حكاية، كان هو بطلها منذ أن كان طفلًا، وتناولت عدة محاور منها: 

افتح القاموس.. افتح عقلك 

اعتاد باوش في الطفولة أن يبحث عن أي شيء لا يدرك معناه في القاموس الموضوع في الرف على بعد خطوات قصيرة من مائدة الطعام، واعتاد أن يبحث عن المعلومة بنفسه كما علمه والده، لذلك قال: 

"إذا كان لديك سؤال.. ابحث عن إجابته"

حدد أحلامك ثم ابدأ في التنفيذ

قد تعني أحلامك "لا شيء" للآخرين، سينتقدك بعضهم لمجرد تفكيرك في حلم ما، لكن هذا لا يعني بالضرورة أنّ الآخرين على حق، وهنا يأتي باوش بنصيحته لكل مَن لديه حلم، وهي تحديده بدقة ثم السعي لتحقيقه، مهما كان سخيفًا أو غير منطقي من وجهة نظر بعض الناس، يكفي أن يكون داخلك إيمان كامل بقدراتك على تحقيقه. 

ويذكر بعض من المواقف التي حدثت معه، فعندما أراد الانضمام إلى فريق تجربة انعدام الجاذبية، لم يُسمح له في البداية، لأنه من أعضاء هيئة التدريس، لكنه بحث عن حل وحقق ما أراد حقًا، وأثناء المحاضرة عرض فيديو له مع زملائه أثناء تجربة انعدام الجاذبية. ما أراد راندي باوش توضيحه للناس أنه مهما كانت هناك صعوبات وعقبات أثناء السعي نحو الحلم، هناك دائمًا حل، عليك البحث عنه جيدًا، وستجده، فهذه الصعوبات، ما هي إلا اختبارات لمعرفة مدى صدقنا نحو أحلامنا، وهي بالمناسبة فرصة ممتازة لتستكشف قدراتك الخفية التي لم تعرفها من قبل. 

تعرف على إمكاناتك ثم استثمرها بحكمة 

"لا يمكننا تغيير الأوراق المُوزعة علينا، لكن علينا معرفة كيف نلعب بها"

بطبيعة الحال، لم نولد لنكن متشابهين، لكل منا إمكاناته الخاصة، ربما لديك شيء ليس لدي، لكن الأكيد أنّ لدي أيضًا شيئًا ليس عندك، لكل منا بطاقاته الخاصة، قد تكون بطاقتك في المال والصحة والجمال، كلها أشياء مميزة، لكن في نفس الوقت، لدي بطاقاتي المميزة مثلك، الحكمة في كيفية استخدام كل منا لبطاقاته واستثمارها جيدًا. 

لا يصح إلا الصحيح 

"عندما تفعل الشيء الصحيح، ستجد الأشياء الجيدة طريقها للحدوث"

تُكمل الأرض دورانها حول الشمس كل 365 وربع يوم تقريبًا، وفي كل مرة تمر على نفس النقطة التي زارتها قبل 365 يومًا، والشمس تدور حول الثقب الأسود الواقع في مركز مجرة درب التبانة، هذا يعني أنه حتى ذلك الكون الشاسع الذي تتجلى فيه أسمى الآيات المذهلة له نظام ليس بعشوائي. لذلك عليك أن تثق بأنّ كل شيء تقدمه خيرًا كان أو شرًا، سيأتيك راكضًا يومًا ماـ 

لقد ربحت السلحفاة وخسر الأرنب.. المجد للحالمين الصادقين

هل تذكر قصة الأرنب والسلحفاة التي أشبعوا آذاننا بذكرها في الطفولة؟ حسنًا، ربما كان للسلحفاة نصيبًا من الحظ بسبب استهتار الأرنب، لكنها فعلتها. وراء هذه القصة حكمة مهمة، وهي مهما كانت إمكاناتك محدودة وكان الطريق صعبًا، هناك سبيل للنجاح، وهو المثابرة لآخر نفس. طريق النجاح صعب، ولا بد من وجود بعض المعرقلات. إذا كنت صادقًا، ستتجاوزها وتنتصر، أما الشخص غير الصادق، لن يصل لشيء. يمكننا تشبيه هذه المعرقلات بآلة تصفية، تستنقي الصادقين فقط، وقد شبهها راندي باوش بالجدران المبنية من الطوب، قائلًا: 

"إنّ الجدران المبنية من الطوب موجودة هناك لسبب ما، ليس لإبعادنا، بل لمنع الأشخاص الذين لا يريدون أحلامهم بقوة كافية، إنها هناك لإيقافهم"

دائمًا هناك أمل

في كثير من الأحيان، تبدو الأمور في ظاهرها سيئة. الشخص الذكي يستطيع تحويل الموقف السيئ إلى الأفضل، على النقيض، قد يحوله عديم الحكمة إلى أسوأ! فقط التركيز والسيطرة على الموقف جيدًا تقودك نحو الأفضل. وهذا ما أشار إليه باوش في محاضرته قائلًا: 

"مهما كانت الأمور سيئة في ظاهرها، يمكنك جعلها أسوأ، في الوقت ذاته، تستطيع تحسينها للأفضل!"

نعم، الوقت من ذهب 

عندما سُئل "إيلون ماسك" في إحدى حواراته عن الوقت، قال إنه يحافظ على 6 ساعات للنوم ويُقدر الوقت جيدًا، ماسك مجرد نموذج من بين الناجحين على وجه الأرض، جميعهم يشتركون في قدرتهم على إدارة الوقت بحكمة. فلا تستثمر وقتك فيما لا ينفع، وهذا لا يعني ألا ترفه عن ذاتك، بالعكس، الترفيه مطلوب وبشدة، لكن بحدود. إذا استثمرت وقتك جيدًا وعملت بإخلاص، سيجد النجاح طريقه إليك. يقول باوش:

"الوقت هو كل ما لديك.. قد تجده أقل مما تعتقد في يوم ما"

المعرفة.. أفضل هدية تقدمها للآخرين

المعرفة هي التي توّجت العلماء والفلاسفة ورفعت منزلتهم. إنها الإرث الذي ساعد البشر في بناء الحضارة والنهوض بالأمم. صاحب المعرفة ملك في نفسه، لأنّ المعرفة تاج على رؤوس المثقفين والعلماء. وقد أوصى راندي بشدة على المعرفة وأهميتها، وذكر حرص والده على منحه هو وأخته المعرفة من خلال الكتب مهما كان ثمنها. وكأن لسان حاله يناشد الآباء والأمهات لتثقيف أبنائهم وتقديم أفضل الهدايا لهم، وهي المعرفة. 

قل الحقيقة دائمًا واستمتع بحياتك

في كل وقت، وفي كل لحظة قل الحقيقة، كن أنت المنارة الصادقة التي يهتدي بضوئها العالم. واستمتع بحياتك، حتى وإن تبقى منها بضع ساعات، كما فعل راندي باوش الذي قرر الاستماع بلحظاته الأخيرة مع أصدقائه وعائلته وأطفاله. لقد استمتع لآخر يوم بصحبتهم. 

كن صادقًا مع نفسك

جميعنا نستاء من نقد الآخرين، خاصة إذا كان لاذعًا، لكن النقد مطلوب لنصبح أفضل وتتطور قدراتنا. لذلك كُن ذكيًا وانتقد نفسك وقيّمها، وهذه إحدى نصائح راندي باوش في محاضرته الأخيرة، فقد ذكر أنّ أفضل شيء يمكن للمعلم أن يعلمه لطلابه، هو كيفية تقييم أنفسهم. 

وتقبل نقد المحبين

"عندما ترى نفسك تخطئ، ولا أحد يكترث لإخبارك.. فهذا مكان سيئ للتواجد فيه" 

ألقي باوش هذه الكلمات أثناء محاضرته، والحقيقة أنها نصيحة مهمة للغاية، وهنا يمكنني تشبيهها بحالة موجودة حولنا، تتكرر باستمرار، أقصد الطفل المدلل، الذي يتقبل منه والداه أي تصرف مهما كان، في الحقيقة هذا ليس حبًا، ولكن تدمير لسلوك الطفل وتغذية للنرجسية بداخله وسيعاني بقية حياته، يخطئ ولا يجد والداه يردعاه عن هذا الخطأ، وتكون النتيجة خسائر فادحة. نفس الأمر في الحياة عمومًا؛ إذا لم تجد مديرًا ينبهك لأخطائك، اهرب فورًا، إنه واحد من اثنين: إما لا يعرف كيف يرشدك، وفي هذه الحالة، أنت أفضل من التواجد في هذا المكان، أو أنه لا يريد تطويرك، وتمكث بجواره دائمًا، وفي كلتا الحالتين يا صديق اهرب. 

إذا رُزقت بأصدقاء ينتقدونك نقدًا بناءً، فهنيئًا لك، وكن ممتنًا لوجودهم، وإذا نبهك أحد والديك لخطأ ما، افرح بذلك وقبّل يديه، إنهم أكثر منا خبرة في هذه الحياة، ولهم نظرة ثاقبة، ثمنها سنوات طويلة من التجارب والخبرات، وإذا وجدت مديرك يرشدك دائمًا في محل عملك، اشكره واسمع نصائحه بتمعن. كل التعليقات التي تأتيك لتكون أفضل نسخة منك، هي اهتمام بك وبحياتك، وليس سوءًا كما يُخيل إليك. 

العمل صديق مخلص

قرأت هذه العبارة من قبل في كتاب "أغنى رجل في بابل" للكاتب الأمريكي المرموق "جورج صامويل كلاسون" (وهو كتاب جيد بالمناسبة، أرشحه بشدة للقراءة إذا لم تقرأه)، عندما لاحظت حياتي الشخصية، وجدت العمل أخلص صديق على الإطلاق حقًا، دائمًا يكافئني ويبهجني كلما أمضيت المزيد من الوقت معه، أتطور وأصقل مهاراتي وأكتسب خبرة وما إلى ذلك. وفي محاضرته، قال باوش: 

"إذا كنت تعمل لساعات أطول عن أي شخص آخر، ستتعلم المزيد عن مهنتك، ما يجعلك أكثر كفاءة وأكثر سعادة"

المجد للخطة البديلة

لا بأس من التفاؤل بالخطة التي بين يديك، لكن عليك تجهيز نفسك لأسوأ المواقف أيضًا ووضع خطة بديلة، تحسبًا لأي ظرف طارئ. هذا سيساعدك أن تكون جاهزًا في أي حالة طارئة.

ولنا في الرياضة حياة 

راندي باوش في محاضرته الأخيرة

انظر في كُتب التاريخ، ستجد معظم الملوك -إن لم يكن جميعهم- يربون أمراءهم على ممارسة أنواع الرياضة المختلفة، ليس فقط للحفاظ على بنية أجسامهم قوية، لكن لترسيخ مجموعة من السلوكيات بداخلهم، مثل الصبر والاعتياد على العمل الجاد وعدم التكاسل وكيفية التعامل مع الشدائد. وقد أوضح باوش قيمة الرياضة من خلال محاضرته، وأضاف أنها تعلّم الأطفال التعاون والعمل الجماعي والروح الرياضية، وأكد على أهمية الرياضة وضرورة حرص الآباء على ممارسة أبنائهم إياها. 

الدعم مطلوب أيضًا 

"إنّ وظيفة الوالدين هي تشجيع أطفالهم على متابعة أحلامهم"

الدعم مطلوب باستمرار، خاصة في مرحلة الطفولة، فالأطفال يحتاجون للتشجيع فقط لتأدية أفضل أداء، فالتشجيع للطفل وسيلة قوية لتطوير شخصيته وتحسين مهاراته، وهذا ما دعا إليه باوش في محاضرته. 

الإلهام

لطالما كانت رحلة أبولو 11 ملهمة للبشرية كلها، فمجرد الصعود على سطح جسم سماوي لا نراه إلا من الأرض، ألهم البشر إلى تحقيق الآمال والأحلام مهما كانت صعبة أو غير منطقية في الوقت الراهن، وفي هذا الصدد قال باوش:

"عندما تضع بشرًا على سطح القمر، فهذا يلهمنا جميعًا لتحقيق أقصى ما لدينا"

اترك الشكوى جانبًا وفكر في حل المشكلة بجدية

سؤال لك، ماذا تفعل عندما تواجهك مشكلة ما؟ هل تجلس تشكو للآخرين، أم تبحث عن حل لهذه المشكلة؟ حسنًا، إذا كنت من النوع الأخير، فأنت محظوظ وحكيم، جرب أن تستخدم عُشر الطاقة التي تستهلكها في الشكوى لكي تحل المشكلة، صدقني، ستُذهل من النتيجة. 

هناك جانب جيد، فقط انتظر

كم مرة صادفت شخصًا وكان انطباعك الأول عنه أنه وقح وبعد أن تعاملت معه صرتم أصدقاء؟ حتى إنّ هناك مثل مصري يقول: "ما محبة إلا بعد عداوة"، وهذا يحدث كثيرًا حقًا، حتى إنهم سيثيرون إعجابك من فرط الجمال! فقط انتظر واترك لهم فرصًا. 

رتب أولوياتك جيدًا

تخيل نفسك طبيبًا، جاء مريضان في نفس الوقت، أحدهما بجرح خطير جدًا، وقد يموت في أقرب وقت من شدة النزيف والآخر لا يحتاج أكثر من غرزة أو اثنين، أي واحد ستهتم به أولًا؟ إذا كان اختيارك الأخير، فلا أستطيع قول سوى "وا أسفاه"، كذلك في الحياة، أحيانًا نجد أناسًا يهولون مشكلات بسيطة ويتجاهلون المشكلات الكبيرة! وهذا خطأ، يجب الانتباه في ترتيب الأولويات. 

وأخيرًا.. ترك باوش مجموعة من النصائح الذهبية، ليس لأبنائه فقط، بل وللعالم أجمع، لخص مشوار حياته على خشبة المسرح، فتألق -كعادته- وأثبت بجدارة استحقاقه للقب "الأستاذ". إنه راندي باوش، بائع السعادة، المعلم المخلص لطلابه، والأب الحنون لأطفاله، ترك لهم إرثًا لا يُقدر بثمن، وكان هذا الإرث هو "المحاضرة الأخيرة". ورحل عن عالمنا في يوليو 2008.

المراجع: