فيلم "Official Competition" عمل آخر عن صناعة الأفلام، العالم الثري والمغري جدًا لجميع عشاق السينما، حيث دائمًا ما تلقى فكرة الولوج لكواليس صناعة الأفلام استحسان رواد الفن السابع، للتعرف على أسرار هذه الحرفة، ورؤية الأفراد الذين يعملون على الفن، وبالفن، من أجل الفن، لكن بالنظر إلى شخصيات فيلم “المنافسة الرسمية” يمكن القول إن الفن يمكن صناعته لأسباب أخرى لا علاقة لها بالفن، وإنما التظاهر بالفن.

يرغب المخرجان الأرجنتينيان “جاستون دوبرات” و“ماريانو كوهن” والكاتبان أيضًا لفيلم Official Competition مع الكاتب “أندريس دوبرات”، بشرح العلاقة بين ممثلي الأفلام ومخرجيها، عبر ثلاث شخصيات رئيسية تسيطر على الفيلم بالكامل، شخصيات تتقاطع بنرجسياتها، قبل الفن، فنرى انعكاسات ذلك من خلال طريقة تعاطيهم مع الآخر والمهنة، ضمن إطار من الكوميديا السوداء.

اقرأ أيضًا: أفضل أفلام المغامرات 2022.. تشويق سيدفعك للمشاهدة حتى النهاية

قصة فيلم Official Competition

يجد المليونير المسن والمدير التنفيذي لشركة أدوية أومبرتو سواريز “خوسيه لويس جوميز” في عيده الثمانين نفسه بحاجة ماسة لتخليد اسمه أكثر في هذه الحياة، واستثمار جزء من أمواله الطائلة في فكرة تدع الجميع يستذكر اسمه لسنوات لاحقة طويلة بعد مماته، يفكر في البداية في إنشاء جسر يحمل اسمه، لكن لا، ذلك لا يكفي، فتلمع فكرة في ذهن مساعده تنال رضاه، وهي إنتاج فيلم سينمائي عظيم، وهذا بحاجة لمخرج عظيم وممثلين مخضرمين ومشهورين، ونص قوي نجاحه مضمون، لذا يتم اختيار رواية ناجحة ليتم تحويلها إلى فيلم.

يقع الاختيار على المخرجة الحاصلة على السعفة الذهبية لولا كويفاس “بينلوبي كروز” ويتم دعوتها إلى منزله، للحديث عن الكتاب الحائز على جائزة نوبل والذي يرغب بتحويله إلى فيلم، بعد أن قام بدفع الكثير من المال للحصول على حقوقه.

ما يثير السخرية أن هذا الثري لا يهتم بالفن إطلاقًا، وليس لديه شغف تجاه السينما، كل ما يعنيه أن يترك إرثًا لاسمه بعد مغادرة الحياة، فهو لم يقرأ الرواية التي دفع ثمنها، ولا يعلم شيئًا عن الأسماء التي رشحتها المخرجة لولا لأدوار البطولة، كل ما طلبه منها إحضار أعظم ممثلين إسبانيين مهما كلف الأمر من أموال، وكذا قراءة ملخص له عن الرواية. على عكسها تمامًا، هي مخرجة تمتلك شغفًا حقيقيًا ومشاعر قوية لمهنتها، وتريد صناعة قصة تضاف إلى رصيدها السينمائي.

اقرأ أيضًا: مراجعة الحلقة الأولى من مسلسل Westworld الموسم الرابع.. دولوريس الآن أصبحت كريستينا!

فيلم Official Competition.. حكاية داخل حكاية

يتناول الفيلم الذي تتولى لولا عملية إخراجه، اثنين من الإخوة صارا منفصلين وبعيدين بشدة عن بعضهما، بعد أن قتل الأخ الصغير وعن غير قصد والديهما في أثناء قيادته السيارة وهو في حالة سكر، ليتصل الأخ الأكبر بالشرطة لتسليم أخيه، فيقضي عدة سنوات في السجن. تقلبات كثيرة تطرأ على حياة الأخوين، ومنها العاهرة التي يقع بحبها الاثنان ويتزوجها أحدهما.

اللافت في قصة الفيلم التي يتطرق لها الفيلم الأساسي، المفارقات بين الشخصيات، والمصائر المتشابهة للشخصيتين الرئيسيتين في الفيلمين. في أثناء المشاهدة تسأل نفسك، متى يبدأ تصوير الفيلم؟ تنتظر بتلهف هذه اللقطات، لتعلم بمرور الوقت أن لا مشاهد لتلك الكواليس في الفيلم.

فالفيلم يصور عمليات التدريب والتحضير للفيلم، والجميل أنها تكشف لنا الاختلافات والنزاعات بين الممثلين والنقاشات المتعجرفة والمتعالية الجارية خلف الكاميرات، قبل نشوء ما يسمى كيمياء بينهم. ولكن هل بالفعل يتم خلق هذه الكيمياء، وهل تنجح مساعي لولا في ذلك؟

بروفات الطاولة مع النرجسيين

تسعة أيام هي عدد بروفات الطاولة التي تجريها المخرجة لولا كويفاس مع ممثليها فيليكس ريفيرو “أنطونيو بانديراس” وإيفان توريس “أوسكار مارتينيز”، تجد نفسها عالقة مع شخصيتين متناقضتين. فيليكس نجم هوليوودي شهير وثري حاصد لجوائز عديدة، مستهتر في عمله لا يكلف نفسه عناء الغوص في الشخصيات، أما إيفان فعلى النقيض تمامًا، ممثل موقر يتعامل بجدية وحرفية مع مهنته، كونه ممثلًا جاء من عوالم المسرح الراديكالي، وكذا يعمل على تدريب الجيل الجديد من المسرحيين.

تحاول لولا أيام البروفات التسعة الحصول على تدريبات حميمية في أثناء عمليات القراءة، هي مخرجة تهتم بأدق التفاصيل، نلحظ ذلك عندما تطلب من إيفان مع القراءة الأولى أن يعيد قول عبارة سبع مرات، لتخرج بالطريقة الصحيحة وفقًا لرؤيتها، فهي تتعامل بإخلاص مع نظريتها الفنية وإن وجدت كمتلقٍّ بعضها سخيفًا بعض الشيء.

نشاهدها تبذل جهدًا في كسر حالة النرجسية عند الطرفين ليتحدا مع نفسيهما أكثر، ويجرداها من الأنا الفوقية المسيطرة على شخصيتيهما، بواسطة تمارين مجنونة وصعبة، تساعد على إبراز قوتهما النفسية، ففي أحد المشاهد تقوم بتلصيق جسديهما ولفهما مع بعض لينطقا الحوار، ومشهد آخر تترك صخرة غير مستقرة تتدلى فوق رأسيهما وهما يتدربان جالسين، وآخر تستعين فيه بآلة تكسير لتحطيم الجوائز التي تحصلا عليها في مشوارهما الفني.

لكن هذه التمارين لا تنفع مع ما يحسه كل طرف تجاه الآخر، وتحديدًا المشاهد التي تجعلهما فيها يقومان بإهانة الآخر ما يؤدي إلى زيادة التوتر الدفين بينهما، ربما نفعت في مشاهدهما التمثيلية وانفصال كل منهما عن شخصيته الرئيسية، لضمان نوعية الأداء الفني الذي تحتاجه لولا. إيفان يحتقر الهالة البرجوازية التي يحيط فيلينيكس نفسه فيها، وطريقة اشتغاله على الدور الفني، ربما يكون فيلينيكس أكثر تصالحًا مع ذاته ولم هو عليه الشكل الفني اليوم أكثر من إيفان، لكنه يكره الآراء المسبقة والمعلبة التي يبنيها إيفان وأمثاله حوله، وإن كانت صحيحة، فينجم عن ذلك الشعور تعامل حاد ومتكبر.

سطوة المال على الفن

أفلام المخرجين “جاستون دوبرات” و“ماريانو كوهن” تثير الكثير من التساؤلات حول الثقافات المختلفة وطريقة التفكير لدى الأفراد، والمآزق الأخلاقية التي تقف بين طموحات الأشخاص ومبادئهم في تحقيق نجاح العملية الإبداعية. في فيلم المنافسة الرسمية يصور لنا مدى اشتغال الممثل على أداءه العاطفي، أكثر من تقنياته كممثل. واللامبالاة في تعاطي الممثل النرجسي مع مادته الفنية. كما يحسب لهما اختيار قاعة المؤتمرات الفارهة بتصمايمها ومساحاتها الفارغة للتصوير، كدلالة عميقة على الجنون والعظمة التي يعيشها ممثلو الفيلم، واعتقادهم التام بمدى سطحية الآخر والقوقعة التي يعيش فيها، وتناسب حجمه الفني، وسط هذا العالم السينمائي الشاسع وغير المحدود بأفقه.

الممثلون الثلاثة بينلوبي وأنطونيو وأوسكار، يجيدون تقديم أدوارهم ببراعة متقنة، في كيفية تجسيد هواجسهم وأيديولوجياتهم التي يؤمنون بها، بمعزل عن الآخر، والفوضى الحاصلة حول كل شيء. لا سيما بينلوبي كروز التي نشاهدها في دور حيوي ومنعش مغاير لما قدمته في السابق.

في نهاية المطاف يشدد فيلم Official Competition على فكرة أن الفن ليس بالضرورة أن يكون شيئًا له روح، فالمال دائمًا ما ينجح في ابتلاع الفن والمشاهير نتيجة سطوته المحكمة، فهو صورة عن عقلية مالكه.