دراسات سينمائية: أهم تقنيات المونتاج التي يجب على كل عشاق السينما معرفتها

تقنيات المونتاج السينمائي
5

عندما نشاهد فيلمًا سينمائيًا جيدًا، فإنّنا ننغمس تمامًا مع الأحداث التي تبدو متجانسةً ومتوافقةً لدرجة أنّنا نادرًا ما ننتبه أنّ ما نشاهده هو في الحقيقة ليس إلّا تركيبًا محترفًا لمئات اللقطات التي تم تصويرها بشكل مستقل تمامًا عن بعضها البعض، نتحدث هنا عن ذلك العمل الطويل والشاق الذي يقوم به المخرج وتقنيو المونتاج بعد انتهاء فترة التصوير ومغادرة الممثلين إلى منازلهم، لكن لماذا يحظى المونتاج بهذه الأهمية الكبيرة؟ هل هو فعلًا مجرد تركيب للقطات بما يوافق ما هو مذكور مسبقًا في السيناريو؟ وما هي أهم التقنيات التي يجب التعرف عليها فيما يخص هذا المجال؟ هذا ما سنتعرف عليه في هذا المقال.

أولًا، يجب علينا أن نتفق أنّ المونتاج أو الـ Film Editing هو “فن” أكثر من كونه “مهارةً تقنيةً”، حيث أنّه لا يتعلق فقط باختيار وترتيب المشاهد أو تحرير الفيديو بصفة عامة، لكنه يتعلق في الأساس بالتوصل إلى الترتيب المثالي لكل لقطة، معرفة الزمن الذي ستستغرقه على الشاشة، معرفة المؤثرات التي سترافق تلك اللقطة، والأهم التوصل إلى الطريقة المثلى لتكوين مشهد قادر على تعريف المشاهد بمكان الأحداث وقتها، وكذا إيصال عدد معين من المعلومات في وقت قصير.

  The Standard Cut/The Hard Cut

سنبدأ بأشهر وأكثر الطرق استعمالًا في المونتاج، وهو القطع النموذجي للقطات، أو ما يصطلح عليه بالـ Standard Cut أو الـ Hard Cut، وهي تقنية تقليدية جدًا في عالم المونتاج، حيث تقوم بكل بساطة على الانتقال من نهاية لقطة معينة إلى بداية لقطة أخرى، لكن إذا تم مقارنة هذه التقنية مع ما سنتعرف عليه لاحقًا في هذا المقال، فإنّها في الحقيقة لا تقدم أي معنى بصري يذكر ولا تقدم للمشاهد أي معلومة أو انطباعًا معينًا. 

The L Cut

نشاهد هذه التقنية في معظم الأفلام تقريبًا، إلّا أنّنا نشاهدها بشكل دائم في الأفلام الوثائقية وفي عدد هائل من الإعلانات الترويجية والأفلام البوليسية، نتحدث هنا عن ذلك المشهد الذي نستمع فيه لصوت معين، ثم ننتقل إلى مشهد لاحق نستمر خلاله في سماع نفس الصوت، فمثلًا: يمكن أن نشاهد محققًا يقوم بشرح الكيفية التي يظن أنّ الجريمة قد وقعت بها قبل أن ننتقل إلى مشاهدة ما يتخيله المحقق مع الاستمرار في سماع صوته، وتقوم هذه الطريقة بشكل عام بتقديم قدر كبير من المعلومات البصرية التي يصاحبها توجيه صوتي.

نشاهد مثالًا عن الـ L Cut من خلال هذا المشهد الذي يحفظه الكثير منا عن ظهر قلب من فيلم Fight Club، والذي يملي فيه براد بيت قواعد نادي القتال في الوقت الذي نشاهد فيه استعدادات المشاركين في النادي.

The J Cut

على عكس التقنية السابقة تقوم هذه الطريقة كما هو متوقع بتقديم الصوت الذي ينتمي إلى مشهد لاحق، لكن قبل انتهاء المشهد الحالي، كأن نشاهد حوارًا بين شخصيتين ثم نستمع إلى محرك سيارة قبل أن يتم تقديم المشهد الذي تظهر فيه السيارة بشكل فعلي، وهي وسيلة تمكننا من التعرف على محتوى المشهد الموالي، كما تقوم في أحيان كثيرة بإضفاء معنى أكبر وأعمق على المشهد الحالي، كأن نشاهد مثلًا حادثًا مؤلمًا، ثم نستمع إلى حديث شخص يقوم برواية تجربته الشخصية وما شعر به خلال هذا الحادث، قبل أن نقوم بعد بضع ثوان بمشاهدته فعليًا جالسًا يحكي بقية القصة أمام الكاميرا إذا كنا نشاهد فيلمًا وثائقيًا، أو أمام شخصيات أخرى إذا كنا نشاهد فيلمًا غير وثائقي.

نشاهد مثالًا عن هذه التقنية من خلال المشهد الافتتاحي للفيلم القصير Waltz For One، حيث نستمع إلى الصوت الصادر داخل المركبة الفضائية على الرغم من أنّنا لم نشاهدها بعد.

Cutting On Action

يتم استعمال القطع الحركي بشكل متكرر جدًا في العديد من الإعلانات الترويجية العالمية والكثير من الأفلام الوثائقية، خصوصًا تلك التي تقوم بتصوير مطاردة الحيوانات لبعضها البعض، إلّا أنّه يستعمل بشكل أساسي – كما يدل اسمه – في أفلام الحركة، وتقوم هذه التقنية بشكل رئيسي على قص اللقطات قبل نهايتها، وأحيانًا حتى قبل أن تبلغ منتصف مدتها، ثم الانتقال إلى لقطة لاحقة يتم التعامل معها بنفس الطريقة، ثم العودة – أحيانًا – إلى إظهار بقية اللقطة السابقة، وذلك بشكل سلس يقوم بخلق جو من الحماس والتوتر الإيجابي لدى المشاهد بعيدًا عن إزعاجه بصريًا، وهي تقنية نشاهدها بشكل خاص في مشاهد القتال أو المطاردات.

نشاهد هنا مثالًا من فيلم The Matrix:

The Jump Cut

إلى جانب التقنية التي تحدثنا عنها في الفقرة الأولى، يتم استخدام هذه الطريقة بشكل شائع وفي جميع أنواع الفيديوهات تقريبًا، وتقوم بشكل أساسي على القفز بين اللقطات كما يدل اسمها، لكن بشكل سريع وسلس قد لا ينتبه له المتفرج في أحيان كثيرة، ويتم استخدام هذه الطريقة بصور متعددة ومن أجل أهداف متعددة أهمها:

  • التمكن من إخفاء العيوب وقص أخطاء أو أجزاء معينة دون أن ينتبه المشاهد، كأن يتم تصوير لقاء ما من عدة زوايا تمكن من قص جزء من الحوار لاحقًا دون أن يظهر ذلك جليًا من خلال القفز إلى لقطة يظهر فيها المحاوِر أو الضيف من زاوية أخرى.
  • التمكن من رؤية حدث معين بشكل أكثر وضوحًا، كتصوير حادثة سير أو سقوط مبنى من عدة زوايا.
  • تقديم بعض الخدع البصرية، كالقيام بإخفاء جسم معين من الشاشة فقط من خلال تصوير ذلك الجسم، ثم تصوير المكان خاليًا، ثم تركيب اللقطتين بشكل متوالي.
  • التمكن من تصوير الانتقال عبر الزمن، كتركيب عدة لقطات متتالية تظهر التغير الحاصل على مكان أو شخص معين، أو كهذه اللقطة الجميلة من مسلسل Better Call Saul:

في هذا المشهد، يتم تصوير حادثة السير التي تعرضت لها “كيم” دون أي إظهار لتفاصيل الحادث، حيث نشاهد ما حدث من خلال منظور الشخصية التي حرمت من النوم وعملت لساعات طويلة بغرض مساعدة زميلها وصديقها، إلّا أنّها استغرقت في النوم خلال قيادتها السيارة، وكما هو واضح، فنحن لا نرى – مثلها – أي شيء مما حدث خلال نومها، فنفاجَأ ونصدم تمامًا كالشخصية، لنجد أنّنا أمام حادثة سير قد تم إظهار نتيجتها في ظرف جزء من الثانية بفضل تقنية الـ Jump Cut، بدل استعمال تقنية القطع الحركي التي كانت على الأرجح ستكلف ميزانيةً كبيرةً من أجل تصوير انحراف السيارة واصطدامها، والتي لم تكن بأي حال ستترك نفس الوقع الصادم الذي تركه هذا المشهد في نفوس متابعي المسلسل.

The Cutaways

ككل ما تحدثنا عنه سابقًا، لقد شاهدت عزيز(ت)ي القارئ(ة) هذه التقنية مئات المرات، نتحدث عنها بكل بساطة عن أخذ مسافة بعيدًا عن الشخصية ورؤية ما يحدث في محيطها، وذلك في الغالب بغرض إضفاء طابع معين على المشهد، كأن يتم الانتقال إلى لقطة تظهر الساعة القريبة من الشخصية بغرض توضيح أنّ هذه الأخيرة تحس بالملل، أو أنّها تترقب حدثًا مهمًا لكن الوقت يمر ببطء شديد، أو أن يتم الانتقال إلى لقطة تظهر بيت الشخصية فارغًا تمامًا، بغرض توضيح أنّها تعيش في عزلة أو تعاني من الوحدة.

في هذا المثال من فيلم Ferris Bueller’s Day Off، نقوم بالابتعاد عن “روني” الذي يجري محادثةً هاتفيةً لنتعرف على الأحداث المحيطة به، والتي تجعلنا ندرك أنّه قد وقع ضحيةً مقلب مدبر.

The Cross-Cut/The Parallel Editing

لقد شاهدنا تقنية التحرير المتوازي بشكل خاص في أفلام كريستوفر نولان، وخاصةً في فيلم Inception وفيلم The Dark Knight، وتقوم هذه الطريقة بشكل أساسي بإظهار حدثين معينين أو المساعدة على رواية قصتين في نفس الوقت، حيث نستمر في الانتقال بشكل سلس ومدروس بين أحداث القصة / الحدث الأول والقصة / الحدث الثاني.

قد تبدو هذه التقنية مغريةً جدًا للمبتدئين في مجال تحرير الفيديو لما تقدمه من متعة للمشاهد، إلّا أنّها في الحقيقة قد تتسبب في نتائج كارثية إذا لم يتم استعمالها بشكل مدروس، حيث أنّها قد تتسبب في تشتت انتباه المتفرج وعدم قدرته على فهم أي شيء مما يحدث، ولهذا فإنّه ينصح بالاستعانة بـ”عين ثانية” تقوم بمشاهدة النتيجة بعد إنهاء المحرر لعمله.

لنشاهد إذن هذا المقطع من فيلم Inception الذي نقوم من خلاله بمتابعة ما يحدث في مختلف مستويات الحلم.

The Smash Cut

لا بد أنّك قد حفظت جيدًا هذا المشهد الذي يتكرر مئات المرات في الأفلام الكوميدية: تقوم شخصية باقتراح القيام بفعل معين، كالقيام بتجربة نوع من المخدرات مثلًا، لتبدأ الشخصية الهادئة الرزينة الأخرى بالجزم والقسم بأنّه مهما حدث فإنّه لا يمكن أبدًا، وبأي شكل أن تقوم بهذا العمل، كما تقوم بتقديم مختلف الأسباب المنطقية والأخلاقية التي تمنعها من القيام به، لنشاهد مباشرةً أنّها قد قامت به بالفعل، وأنّها – حسب مثالنا هذا – تصرخ وتضحك عاليًا من جراء تأثير المخدرات. حسنًا، أنت الآن تعلم بشكل جيد ما هو المقصود بتقنية Smash Cut، والتي تقوم على الانتقال من مشهد هادئ إلى مشهد صاخب بشكل مفاجئ، أو العكس، أي من مشهد صاخب إلى آخر هادئ، كأن تستفيق الشخصية بعد أن راودها كابوس مرعب، نشاهد مثالًا من هذه التقنية بعد الدقيقة الخامسة من الفيلم الفرنسي القصير الطريف Déjà Vu الذي يسخر من كليشيهات أفلام هوليوود (الترجمة الإنجليزية متاحة).

Montage

صحيح أنّ تحرير الفيديوهات يدعى بالمونتاج أيضًا، باعتبار أنّه المصطلح الفرنسي للكلمة، إلّا أنّ هذا المصطلح يطلق أيضًا على تقنية بعينها يتم استعمالها في هذا المجال، ويقصد بها تركيب عدة مشاهد بشكل سريع بهدف إظهار التحول الطارئ على شخصية أو شخصيات معينة خلال فترة معينة، بحيث يتم تقديم عدد كبير جدًا من المشاهد خلال حيز زمني قصير جدًا بهدف اختصار الوقت، ونشاهد هذه التقنية بشكل متكرر عندما يتم تصوير استعداد فريق أو رياضي ما لبطولة معينة، فنقوم بمشاهدة أشهر من التدريبات خلال فترة قد لا تتعدى دقيقتين أو ثلاث دقائق، كما نلاحظ في هذا الفيديو المقتطف من فيلم Chandni Chowk To China الهندي.

5

شاركنا رأيك حول "دراسات سينمائية: أهم تقنيات المونتاج التي يجب على كل عشاق السينما معرفتها"