ضمن فعاليات "مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية" شاركت دولة "مالي" بالفيلم التسجيلي الطويل "الذهب أو المال" والذي تطرق لعرض حياة مجموعة من عُمال الحفر والتنقيب بالصحراء، للبحث عن الذهب، حيث تلقب دولة مالي بـ"أرض الذهب" بل وتعد ثالث أكبر منتج للذهب في القارة الإفريقية بأكملها، وعلى الرغم من ذلك إلا أن حوالي نصف سكانها يعيشون تحت خط الفقر. وهذا أهم ما يميز الفيلم الذي حاول أن يبرز مدى غنى هذه الدولة مقابل فقر سكانها..

باحثون عن الذهب وهو لم يكن لهم

يعد صنع الدلالة من خلال الصورة السينمائية مجموعة آليات خاصة بالصناعة تهتم بتفاصيل عدة على مستوى اختيار الألوان، وأماكن التصوير، وأحجام اللقطات، وزوايا الكاميرا وما إلى ذلك..

يبدأ الفيلم من كادر ضيق في بئر عميق بداخله عامل يحفر به يتصبب عرقًا، وواضح عليه الجهد الشديد، يصاحب تلك الصورة صوت نفس مُتعب في شريط الصوت ينم عن الشقاء ذاته، ليتحد أول وأهم عنصرين سينمائيين معًا من بداية المشهد التأسيسي للفيلم، للتمهيد عما سنشاهده في الأحداث المُقبلة حول مجموعة شخصيات تحفر في الصحراء، ولكن لم يكن الذهب لهم، لكنهم مجرد عاملين لحساب شخصيات أخرى هم أصحاب الذهب الحقيقون، يستقطب الفيلم تلك الشريحة دون غيرها، ويتتبع أحوالهم ووضعهم الاجتماعي الضحل، ويرتكز في أساسه على المفارقة الأهم وهي أنهم باحثون عن الذهب ينقبون عنه بطرقهم الخاصة، ولا يملكون أي شيء منه ويظلون فقراء حتى النهاية، وعلى غرار تلك المفارقة اهتم الفيلم بتتبع مراحل التنقيب والحفر والأدوات التي يستخدمها هؤلاء، وما يبذلونه من جهد كبير مقابل القليل من المال الذي لم يحقق لهم حياة كريمة بعد، وللتأكيد على ذلك عمل الفيلم على بلورة الشكل العام لحياتهم الاقتصادية وشكل البيوت الفقيرة من البوص والقش القاطنين بها، وما يعانونه من حيرة حقيقية حول سؤالهم الدائم لأنفسهم: هل هذه الحرفة كافية لهم أم أنهم يبذلون جهدًا كبيرًا مقابل أموال قليلة؟ ومن ثم بحثهم أحيانًا عن أعمال أخرى أو محاولاتهم للتفاوض على رفع أجورهم وهكذا..

الاهتمام بمفردات اللغة السينمائية رغم ضعف الإمكانيات

وعى مخرج الفيلم هذه الحيرة وتلك المشكلة، ومنها انطلق ليهتم بتفاصيل صورته بشكل جاد بين كادرات مختنقة ومزدحمة مليئة بالبشر تنم عن كثرة العدد في مقابل قلة الموارد الاقتصادية، واستمر في ذلك الأسلوب على نحو كادرات الحفر أيضًا حيث الاهتمام بتصوير العديد من التفاصيل الخاصة بالتنقيب، والنزول بالكاميرا للأعماق التي يتم الحفر بها تحت الأرض، وتضيق الكادرات أيضًا، ونقل حالة الظلمة والإرهاق التي يكون فيها هؤلاء أثناء ممارسة عملهم، ليجعل المتفرج بين الحين والآخر يختنق معهم كي يستشعر حالهم ومعاناتهم.

بين الذهب أو المال.. الحياة بين الفقر والترفيه

وعلى الرغم من التأصيل الدقيق لتلك الحالة المزرية لم ينس أن ينقل الجانب الآخر من حياة هؤلاء وثمة وجود ملهى ترفيهي يترددون عليه كثيرًا، والانتقال بين هذا المكان وذاك العمل الشاق ربما جاء بهدف تسجيل الحياة الحقيقية لهم، ولكن على جانب آخر مشاهدة صورة مختنقة ومن بعدها صورة أخرى بها مرح وأريحية أمر يحدث تشتتًا وكأن الشخصيات لم تكن هي بذاتها، بينما كل ما هنالك أنه أراد استعراض ذلك الجانب الترفيهي الأشبه بالجزء التنفيسي لهم كي يكونوا قادرين فيما بعد على مواصلة الشقاء، فمثلما اهتمت الصورة بتتبع حيواتهم أثناء الحفر وتواجدهم بشكل دائم داخل الكادر الضيق، اهتمت أيضًا برصد لحظات خاوية من البشر تمامًا، بها تفاصيل لشكل البلاد أشبه بالصور الفوتوغرافية المتتالية لزرع عدة تفاصيل تمتزج جميعها لتؤكد على الحالة العامة المتقشفة التي يعانون منها.

وعلى ذكر الاهتمام بالتفاصيل حاولت الصورة السينمائية بقدر كبير التأكيد على حالة العدم والشقاء والقلق عن طريق لقطة "الأسلاك الشائكة" أكثر من مرة، كما قست الصورة على المُشاهد في كثير من الأحيان مثلما تقسو الحياة على شخصيات الفيلم، فبجانب حالة الاختناق التي عملت على تصديرها طوال الوقت اهتمت برصد تفاصيل الطين الذي يغرق وجوه وأجسام الشخصيات أثناء العمل، كما اهتمت برصد شكل الأطباق والأكواب البلاستيكية البالية التي يشربون ويأكلون بها، ولقطات أخرى لشكل أيديهم وأرجلهم المتشققة المنهكة من تلك المهنة.

كما أنه لم يتم استخدام لقطات عامة كثيرة في الفيلم تظهر مساحات واسعة بالصورة إلا في نهاية الفيلم تحديدًا، وكأن الكاميرا قررت أن تمر على كل ما مرت عليه ورصدته قبل ذلك مختنقًا مُتعبًا، ولكن بمرورها الأخير بشكل سريع وتصويره بزاوية مرتفعة ولقطة واسعة يظهر صغير الحجم جدًا سواء الشخصيات أو الآلات المستخدمة للحفر أو البيوت.

الفقر مقابل الفن

ويعد ذلك الاهتمام والوعي بتفاصيل الصورة السينمائية هو أمر مدهش بذاته في بلد تعاني من الفقر والبطالة الشديدة وإنتاجها السينمائي قليل للغاية إلا أنه يبقى هناك وجهة نظر قادرة على إنتاج إبداع فني من قلب الفقر والمعاناة، فاختيار الأطروحة ذاتها هو اختيار لافت للنظر، ولكن تبقى تفاصيل الفيلم هي الأكثر أهمية في جذب المتلقي لمتابعة حياة هؤلاء والتوحد معهم.

اقرأ أيضاً: طريق المهاجرين المُعبّد بالأشواك.. فيلم “المأوى الأخير” يضعك في قلب المعاناة!