التعرف على عوالم جديدة واقعية -وهو ما سيحدث مع فيلم المأوى الأخير- أمر مدهش للغاية، حيث الاطلاع على ثقافات مختلفة نابضة بتنوع قوي بين العديد من التوجهات والأزمات والحيوات التي لم نعرف عنها شيئًا، وتعتبر الأفلام التسجيلية على وجه التحديد؛ النوع السينمائي الأهم الذي يتطرق لمثل هذه العوالم الخفية، حيث البحث الدائم عما لا يعرفه المُشاهد، وهذا وفقًا للثقافة ذاتها والبلد ذاتها التي تحيا بداخلها، أما عما تشاهده من بلدان أخرى بعوالمها تجد في ذلك فرصة حقيقية للاطلاع على ما لم تعرفه من قبل، بمجرد مشاهدة تلك الأفلام وما بها من حرفة اختيار الموضوعات والمزج بين العوالم الواقعية والتفاصيل الفنية، التي تتيح للمتفرج فرصة التعرف والاستمتاع معًا.

ثيمة درامية مكررة وتسجيلية جديدة

تعتبر ثيمة جمع مجموعة من الشخصيات المختلفة صفاتهم وجنسياتهم في مكان واحد وتتبع أثر وجودهم معًا، ثيمة من أكثر الثيمات الدرامية تناولًا في العديد من الوسائط الفنية بوجه عام والسينمائية على وجه التحديد، ولكن ثمة أن كان الموضوع خارج السياق الدرامي تمامًا وهناك بالفعل مكان واحد قادر على جمع عدد كبير من الشخصيات المختلفة جاؤوا بمحض إرادتهم كي يحققوا غرضًا ما، ويمكن القول إن ذلك الغرض هو العامل المشترك الوحيد بينهم ألا وهو "حلم الهجرة"، فهنا لا يمكن الأخذ في الاعتبار بكونها ثيمة درامية، بقدر كونها حقائق لا شك فيها.

تاريخ "منزل المهاجرين"

قدّم فيلم "المأوى الأخير" الآتي من جنوب أفريقيا من إخراج "عثمان ساماسيكو" ليشارك ضمن فعاليات "مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية" في دورته الـ 11 لهذا العام، استعراضًا تسجيليًا لمجموعة من الشباب الذين يريدون الهجرة من بلادهم إلى أوروبا، فيجتمعون سويًا تحت سقف ما يسمى "منزل المهاجرين" حيث تستلزم الهجرة من أفريقيا إلى أوروبا مرور المهاجرين عبر الصحراء التي تتسبب في شقاء كبير لهم، لذا وُجدَ ذلك المنزل كي يرحب بالمهاجرين ويقدم لهم العون والمشورة دائمًا،

وبالبحث وراء تاريخ ذلك المنزل يتضح أنه قد تم افتتاحه في مدينة "غاو" في فترة التسعينيات، ليتوافد عليه عدد قليل من المهاجرين، ثم بدأ عدد المهاجرين من وسط وغرب أفريقيا يزداد بشكل كبير. والهدف وراء إنشائه هو الترحيب بالمهاجرين، الذين قد تكون وجهتهم بعيدة جدًا تكتنفها مشاعر الحب والكرامة والتعاون، وكان الحد الأقصى للإقامة بالمنزل عشرة أيام، ولكن خلال جائحة كورونا، وما تبعها من إغلاق لحدود البلاد، بدأ المنزل في السماح للمهاجرين بالبقاء مدة أطول تصل أحيانًا إلى ثلاثة أشهر.

طريقة التقديم سينمائيًا لفيلم المأوى الأخير

يظهر ذلك المكان في الفيلم بالبداية كمجرد مرحلة ضمن مراحل الهجرة، أي مرحلة واحدة ضمن مراحل عدة في رحلة المهاجرين، ولكن بعد ذلك نجد أن الفيلم اختاره هو بذاته على وجه التحديد وتلك المرحلة دون غيرها، كونه يبدو في ظاهره مجرد مكان يأوي المهاجرين لمدة معينة، ولكن نكتشف بعد ذلك أنه عالمًا صغيرًا قائمًا بذاته، فيه العديد من المميزات مثل دعم هؤلاء المهاجرين معنويًا وتقديم المساعدات الطبية والصحية والاهتمام برعايتهم على كافة المستويات وبخاصة النظافة الشخصية التي ركز عليها الفيلم في عدة لقطات بين مشاهد الاستحمام وتصفيف الشعر.

وبذلك ننتقل مما هو يعتبر شائع التناول في الدراما كما تم الذكر إلى مكان حقيقي موجود في قلب الصحراء قادرًا على جمع عدد كبير من الشخصيات، لم يتتبع الفيلم أثر ذلك الجمع بقدر ما يوثقه، ومن ثم يتتبع التشارك الذي يحدث فيما بينهم، ليتعرف المُشاهد على الشخصيات بشكل أكثر حميمية، حيث الصدق الخالص في تصوير المشاهد وتفاصيل حياتهم اليومية داخل ذلك المنزل، وتراشق أحاديثهم معًا والتي توضح أسباب كل منهم في طلب الهجرة، بل وما تعانيه العديد من البلدان الأفريقية من وضع اقتصادي مزري جعلهم يلجؤون إلى ذلك الحل.

يُقدم الفيلم نماذج مختلفة من الشبان على عدة مستويات، ولكن تكمن الأهمية الكبرى في الاختلاف الجنسي بين "الرجال والنساء" وثمة ظهور تفاصيل أخرى لا تقل أهمية عن أوضاع البلاد، وهي المشكلات العائلية وصغر عمر النساء المهاجرات اللواتي لم يقدرن على مسايرة أوضاعهن الأسرية في منازلهن، والحديث عن أحلام ضاعت ومواهب وُئدت وقصص حب لم تكتمل وغيرها من التفاصيل..

فيلم المأوى الأخير.. بين حميمية الحاضر ووحشيّة المستقبل

يبدأ الفيلم بلقطة تأسيسية شديدة الأهمية من حيث وجود ملابس أحد المهاجرين على شجرة في قلب الصحراء تساهم الكاميرا في بلورتها لتعطي عدة دِلالات من قبل بداية الأحداث والتعرف على المكان والشخصيات، أولها دلالة تمهيدية بواقع الصحراء وما تحمله من مخاطر لتؤكد على أن هناك شخص أو ربما مجموعة شخوص ابتلعتهم الصحراء بوحشيتها وقسوتها، ومن بعدها تتوالى العديد من اللقطات التي تؤكد الفكرة ذاتها حول استعراض العديد من المدافن وما تم تعليقه عليها من لافتات توضح الاختلاف القائم بين الشخصيات من حيث البلدان والأعمار والديانات، ليكون ذلك المشهد تمهيدًا صريحًا لوضع الاختلاف الذي سنشاهده فيما بعد داخل المنزل المذكور، وبالفعل تنتقل الأحداث للمنزل وما فيه من اختلافات بين شخصياته والتي لا تقل اختلافًا عما شاهدناه بمدافن الصحراء، الفارق الوحيد أن من كانوا بالصحراء أموات، أما من هم بالمنزل ما زالوا على قيد الحياة، ومن هنا يحدث ربط منطقي وتلقائي أنه من الممكن أن يكون مصير هؤلاء كمن سبقوهم.

وعلى الرغم من الحالة التوثيقية التي التزم الفيلم بها طوال المدة التي وصلت لساعة ونصف تقريبًا، إلا أنه أراد أن يضع بصمته الدرامية في النهاية ولم يأت بمصير هؤلاء الشخصيات بعد خروجهم من المنزل، ليضع المتفرج في حيرة وموضع تساؤل وترقب فهو متوقع مصيرهم لما قُدم له من مشاهد تأسيسية في بداية الفيلم، ولكنه يأمل لهم النجاة لأنه فهم مقصدهم وعلم أسباب توجههم نحو الهجرة، كما أن ذلك يدل أيضًا على أن الفيلم لا يعنيه أي مرحلة أخرى من مراحل الهجرة سواء السابقة للمنزل أو اللاحقة له بل كل ما يشغله هو ذلك المكان القادر على حشد كل هذا الجمع وما يقدمه لهم من خدمات، ليكون المكان بذاته هو البطل الرئيسي في ذلك الفيلم وهؤلاء الشخصيات يأتون بعده، وذلك توافقًا مع حقيقة الأمر بشكل كبير، حيث أن الشخصيات هذه لم تكن الأولى في ذلك المنزل وبالطبع لم تكن الأخيرة.

اقرأ أيضًا: فيلم El páramo.. الجحيم ليس الآخرين بل أوهامنا