هَوَسْ هوليوود بالأزرق والبرتقالي .. قصّة قد لا ترغب بقراءتها!

2

ظاهرة هوس هوليوود بالأزرق والبرتقالي

هل سمعت بهذا العنوان من قبل؟ أو قرأت مقالاً أو تحقيقاً يبحث في مرض أو هوس هوليوود بالأزرق والبرتقالي الذي أصاب أفلام القرن الحادي والعشرين وكأنّه وباءٌ جديد انتشر في كوكب هوليوود؟

لم يُسلّط الضوء على ذلك المرض بالشكل الكافي ولم يُعرف بعد أسبابه الرئيسية، لكنّ أعراضه باتت واضحة وضوح الشمس في صورة أفلام اليوم، لا تحتاج إلا لقليل من التدقيق كي تلاحظها، فتُفسد عليك مشاهدة الفيلم، وتضيع في متاهات “الأزرق والبرتقالي” التي تظهر أمام عينيك.

ستزعجك أحياناً، وأحياناً أخرى ستثير سخريتك، ولهذا أطلقت عليها اسم “قصة قد لا ترغب بقراءتها”، لكن لمَنْ يريد التعرّف عليها، فسأبدأ بروايتها كاملةً.

بشكلٍ غير قابل للتفسير، بدأ اللونان الأزرق والبرتقالي بالسيطرة على صورة معظم المشاهد في أغلب الأفلام، وأصبح بإمكانك رؤية هذين اللونين من خلال سببٍ منطقي في بعض الأحيان، ومع الأسف دون أي تبرير في كثير من الأحيان.

Into the woods - هوس هوليوود بالأزرق والبرتقالي

فتشعر وكأنهما مُقحَمَين في الصورة لدرجة تثير الاستفزاز، حتى بوسترات الأفلام الضخمة بدأت تخرج علينا وكأنّها مُصابة بفايروس الأزرق والبرتقالي، وانتقلت العدوى إلى الإعلانات الدعائيّة حول أي منتجٍ أو سلعة جديدة، وإلى ألعاب الفيديو وبيئتها المصبوغة بالأزرق.

بات الأمر مزعجاً بكلّ تأكيد، على الأقل لمن أرهق عينيه بالبحث عن هذه الألوان من حوله.

لنعد قليلاً إلى أفلام هوليوود في التسعينيات .. هل حظيت بفرصة مشاهدة أحّد أفلام هذه الفترة؟ تميّزت الأعمال المُقدَّمة خلال هذه الحقبة السينمائية بصورةٍ طبيعية خالية من أية إضافات مزعجة، لم يُستخدَم الحاسب وقتها ولم يلجأ المسؤولون السينمائيون إلى التقنيات الحديثة لتعديل الألوان لعدم توافرها أصلاً، فكنّا نرى المشهد على طبيعته، بألوانه، وإضاءته، وجاذبيته الخاصّة.

هوس هوليوود بالأزرق والبرتقالي - أمير فارس

لكن مع دخول أول أعوام الألفية الجديدة، ابتكر فنّيو هوليوود ما يُسمّى بالمسح الرقمي للفيلم، ويُقصد به إدخال هذا الفيلم إلى جهاز الحاسب ليصبح تحت رحمة برامج تحرير الألوان ومَنْ يتحكّم بها، وبشكلٍ مشابه لبرنامج الـ Photoshop ولميزاته الخيالية في تحرير ألوان الصور.

تمّ التوصّل إلى مثل هذه الميزات وأكثر ولكن هذه المرة على الفيديو أو الفيلم السينمائي المُصوَّر، فكانت أشبه بالكنز الثمين أو المعجزة الخيالية التي غيّرت عالم صناعة الأفلام بشكلٍ تام ونقلته إلى زمنٍ جديد، الآن، لم يعد تصوير الفيلم ضمن إضاءةٍ خاصة أمرٌ هام، فالمسح الرقمي سيتكفّل بتغيير الإضاءة كما يحلو للمسؤول عنها.

أمّا في مجال الألوان فهنا السحر الحقيقي، صوّرْ كما شئت وبالألوان التي تريدها، فميّزة تصحيح الألوان خلال المسح الرقمي للفيلم ستقلب المشهد رأساً على عقب.

ألوان - هوس هوليوود بالأزرق والبرتقالي

لم يظهر الأمر بدايةً وكأنّه “كارثة سينمائية”! بل على العكس، فقد تم الاستفادة من تلك الميزات وغيرها بإصدار أفلام على درجة عالية من الاحترافية والإبهار في الصورة والألوان.

استفادت أيضاً تلك الأعمال التي تحكي قصصها ضمن بيئاتٍ خيالية أو صعبة التحقيق على أرض الواقع استفادةً عظمى من هذه الثورة الجديدة، ولعل فيلم “300” كان واحداً من أبرز الأفلام التي فاجأت جمهورها ببراعة الصورة والألوان، لكنّ التقنية العالية عندما يتم استخدامها بطريقة خاطئة وقتها يتحول الأمر إلى كارثة.

هوس هوليوود بالأزرق والبرتقالي - مجموعة أفلام

كارثة الأزرق والبرتقالي، أهلاً بكم في عصر أفلام الأزرق المزعج وصديقه البرتقالي!

لا أحّد يعلم متى بدأ هذا المرض في هوليوود، وأين، أو لماذا بدأ مخرجو الأعمال السينمائيّة ومنتجوها بالسير على نفس الطريق في إصدارهم لأفلامهم الضخمة.

لكنّ اليوم بات الجميع على علمٍ بخطورة هذا الأمر وخطورة انتشاره في أي فيلم تقريباً لما يشكّله من تهديدٍ حقيقي للصورة ولتميّز الفيلم بألوانه الطبيعية عن غيره من الأفلام، خاصّة أن الأمر لم يعد مقتصراً على الأفلام التجارية الضخمة.

فعلى سبيل المثال فيلم Whiplash، واحد من أفضل أفلام عام 2014 وأكثرها تميّزاً والذي استطاع أن يكسب العديد من الجوائز السينمائية، لكنّه على ما يبدو لم يأخذ اللقاح المناسب والمناعة الكافية لتجنّب الإصابة بهذا الوباء، ليطلّ علينا بلونه الأزرق المزعج من جديد!

دائزة الألوان - هوس هوليوود بالأزرق والبرتقالي

لنلقي نظرةً سريعة على دائرة الألوان السابقة، راقب جيداً الألوان المتقابلة، سترى أن الأزرق والبرتقالي يقابلان بعضهما تماماً، لكن ما الذي يعنيه ذلك؟

في علم الألوان، فإن أي لونين متقابلين في الدائرة اللونية هما لونان مكمّلان لبعضهما، حيث تفترض نظرية الألوان بأن اللونين المتكاملين سيتألقان معاً عند اجتماعهما في صورةٍ واحدة، أو في مشهدٍ واحد إذا كنّا نتحدث عن عالم السينما.

دفع هذا الأمر باستخدام هذه النظرية وتطبيقها على الأفلام السينمائية بشكلٍ جنوني، فوجوه الممثلين قد يقترب لونها أثناء التصوير من اللون البرتقالي الفاتح، وبالتالي لا يوجد أفضل من صبغ الخلفية بالأزرق ليتألق المشهد بالشكل المطلوب! نظرياً قد يبدو الأمر لا خطأ فيه، لكن ماذا عن التطبيق العملي السينمائي؟

حصلنا حرفياً على مشاهد كارثية، وعلى أفلام مستنسخة من بعضها البعض بصورتها الزرقاء والبرتقالية، أضف إلى ذلك استخدام أزرق الخلفية بشكلٍ مضحك! فلا تستغرب من رؤية أحّد المشاهد التي يتم تصويرها في شارعٍ ما والناس كلها ترتدي ثياباً زرقاء، أو أصبح من الطبيعي أن ترى مشهداً آخر وكل الإكسسوارات المستخدمة في الخلفية بلونٍ أزرق.

هوس هوليوود بالأزرق والبرتقالي - ماد ماكس

لا بد وأن يترك هذا الأمر إحساساً بضيق الصورة واصطناعها، وبُعدها عن الطبيعة والعفوية والتي من المفترض أن تحاكيها الأفلام السينمائية، فنحن في النهاية نعيش ضمن عالم ألوان قوس قزح الطبيعة، ولا نسكن كوكباً أزرق وبرتقالي!

لننتقل إلى إعلانات الأفلام التي جرى إصدارها في العقد الأخير، دقّق جيداً في أي عينة عشوائية تختارها، ستلاحظ الأزرق والبرتقالي يسيطران على الصورة العامة وكأنّ الألوان اُختزلت جميعها في هذين اللونين وتدرّجاتهما.

لكي تتعرّف أكثر إلى درجة الجنون التي وصل إليها مصممو تلك الإعلانات فإنّ الصورة التالية تمثّل تحليلاً لألوان 312 إعلان فيلم، ببساطة ستعتقد ولو للحظات وكأن ألوان العالم اختفت ليحلّ محلها أزرق وبرتقالي فقط.

هوس هوليوود بالأزرق والبرتقالي - احصائيات التريلر

السؤال الذي يطرح نفسه الآن، لماذا تظهر المشاهد التي تحوي الأزرق والبرتقالي بهذا الشكل المزعج؟ هل هما لونان قبيحان لهذه الدرجة؟

في الحقيقة المشكلة ليست في اللون الأزرق أو اللون البرتقالي، فهما لونان لطيفان، وأفترض أنّ أيّاً منا ليس لديه مشكلة معهما، بل أن المشكلة الرئيسية باجتماعهما معاً، فالعين البشرية غير معتادة على رؤية الأزرق يجتمع مع البرتقالي في الطبيعة.

بدليلٍ بسيط، عند غروب الشمس في أحد أيام الصيف ستلاحظ أن الطبيعة قد صُبغت باللون البرتقالي، وسيطغى هذا اللون على اللون الأزرق ولن يجتمعا معاً، أو بإمكانك أن تجرّب استخدام إضاءة زرقاء خافتة في غرفة مظلمة، بشكلٍ مشابه سيتحول كل ما بالغرفة إلى هذا اللون.

بينيديكيت - هوس هوليوود بالأزرق والبرتقالي

لذلك لا مجال لهذين اللونين أن يكونا معاً، ولا تستطيع بالمقابل أن تجبر عينيك على تقبّل المشهد السينمائي كما تجبرنا هوليوود على رؤية هذا الدمج في أفلامها الحديثة، فتجد نفسك أمام شذوذٍ في الصورة والألوان، سرعان ما تكتشفه وتلاحظه فيُفسد عليك متعة المشاهدة وتشعر كما لو أنك برفقة عملٍ سينمائي ابتعد عن الطبيعة وأرهق نفسه باصطناع الألوان، وأرهقك معه!

أختم المقال بعدة صور للوحاتٍ عالمية افترضَ أحد المواقع الإلكترونية التي ناقشت هذه الظاهرة وجود “فايروس الأزرق والبرتقالي” أيام رسمها وإعدادها، فكيف كانت ستظهر؟

هوس هوليوود بالأزرق والبرتقالي - موناليزا

هوس هوليوود بالأزرق والبرتقالي - لوحة 2

هوس هوليوود بالأزرق والبرتقالي - لوحة 3

هوس هوليوود بالأزرق والبرتقالي - لوحة 4

2

شاركنا رأيك حول "هَوَسْ هوليوود بالأزرق والبرتقالي .. قصّة قد لا ترغب بقراءتها!"