لماذا ظهرت “كاتنيس إيفردين” بشكلٍ متأخر في عالمنا؟

0

تنفرج الشاشات عن المشهد الإفتتاحي لفيلم بطله رجل يودع زوجته الجميلة وهو يهمّ بالخروج من منزله ليذهب إلى عمله حيث يواجه أشرار المدينة، تتابع أعين المشاهدين في ترقب مصير الرجل متناسين أمر زوجته التي أبهرهم جمالها للحظات في سيناريو طفولي عُرِض مراراً على أغلب الشاشات في مختلف دور العرض حول العالم حتى ألفته عقول المشاهدين.

  • هل ذلك السيناريو الطفولي يعكس حقيقة العالم ؟
  • هل تلك الشخصيات الكارتونية تُعبّر بحق عن أدوارنا في الحياة ؟
  • هل المرأة هي مجرد زوجة جميلة تنتظر في المنزل ؟
  • وهل كل ما تفعله هذه الزوجة هو جلب المتاعب لزوجها البطل؟

لماذا يوجد العديد من أمثال “سبايدرمان” و”باتمان” ولا توجد سوى “كاتنيس إيفردين” واحدة؟

خُلقت المرأة وخُلق معها مفهوم التمييز، وانعكس ذلك التمييز على كافة مجالات الحياة التي حاولت وتحاول المرأة خوضها، فالكثيرون اعتقدوا أن العالم وأدواره الأولى ُمعدّة سلفاً وقاصرة على الرجال، وأن واجب المرأة أن تكون جميلة وتقبل أن تحلّ في الأدوار الثانوية، ورداً على تلك الحدود التي خُلقت حول هالة المرأة حاولت كافة النساء إثبات عدم صحتها.

وعلى اعتبار أن السينما هي مرآة للإنسان وعالمه، عكست السينما قصة كفاح المرأة ونضج شخصيتها وطموحاتها وأحلامها ومشاعرها الطفولية وكذلك عكست قوتها وقدرتها على التأثير من خلال رسم شخصيات نسائية تخلد في تاريخ السينما.

وكذلك شهدت صناعة السينما نفسها حالة من تجاهل المرأة وتتويجها على عرش الأدوار الثانوية، حيث شكّلت حالة التمييز تلك مفاهيم عديدة مغلوطة عن المرأة في السينما وكبحت جماح إبداعها بشكل لافت من خلال مجموعة من مظاهر التمييز.

أولاً: إذا أردتي أن تكوني نجمة يجب عليكي أن تكوني جميلة

gallery-54bc0d769a7b7-hbz-marilyn-monroe-01-xl

مع بداية ظهور مفهوم السينما، لم يكن من المألوف مشاركة المرأة في أي جزء من العملية السينمائية، حيث كان القائمون على صناعة الأفلام يفضّلون الاستعانة برجال ليرتدوا زي النساء عن الاستعانة بممثلات لتأدية تلك الأدوار النسائية.

لكن مع بداية العشرينيات والثلاثينيات استطاعت المرأة إثبات وجودها السينمائي من خلال دورها التمثيلي، ومنذ تلك الفترة وحتى الآن عانت النساء من وضعهن في إطار وصندوق خانق يصنفهن على أساس مدى جمالهن، ومدى قدرتهن على ارتداء ملابس مثيرة في جلسات التصوير أو خلال أحداث الأفلام.

وعلى اعتبار أن الجمال هو المقوّم الأول لقياس مدى نجاح النجمات وقدرتهن على الصمود ضد الزمن، فكانت الشهرة من نصيب الممثلات الأكثر جمالاً أمثال “مارلين مونرو” و”كلوديا كاردينالي” و”أودري هيبورن” و”صوفيا لورين” و”مونيكا بيلوتشي” وغيرهن، في حين أن ذلك التصنيف لا بُدّ وأنه قد ظَلَم العديد من الممثلات الموهوبات اللاتي يستحقن أن يتغنى التاريخ والجماهير بذكراهنّ.

وتعدّ ظاهرة دخول الكثير من عارضات الأزياء إلى عالم التمثيل والسينما خير دليل على كون الجمال والشكل الخارجي يعتبر بمثابة التذكرة الذهبية للدخول إلى عالم هوليوود.

2

“فتيات بوند” أو “حسناوات بوند” يمثلن وصول هوليوود إلى أقصى مراحل حالة التمييز و”تسليع المرأة”، حيث يتم اختيار أجمل الممثلات ليضفن المزيد من الإثارة إلى حياة العميل 007.

وردّاً على هذه الحالة التي سادت الأوساط السينمائية، علقت العديد من النجمات على حالة إعطاء الأولوية للجمال ومنهن النجمة “جيسيكا تشاستين” التي علقت أن المرأة بشكل عام والممثلات بشكل خاص لا يجب أن يعتمدن على جمالهن.

وقالت الممثلة والكاتبة “إيما تومسون” أن الممثلات لا يزلن يُحكَم عليهن بالمظهر، وأيضاً من خلال السن.


بناءً على ذلك.. ثانياً: السن

3

الكثير من الممثلات ُيحكم على مسيرتهن بالنهاية عند الوصول إلى سن معين، حيث فجّرت النجمة “ماجي جيلنهال” مفاجأة في الآونة الأخيرة حين صرحت أنها لم تحصل على دور لأن المنتج اعتبرها “مُسنّة جداً لتؤدي دور عشيقة ممثل يبلغ من العمر 55 عاماً”.

كما صرحت النجمة “كاثرين زيتا جونز” أن الكثيرون قد قالوا لها “لن يطلبك أحد للأفلام بعد سن الـ 35″، كما تضامنت معهن النجمتين “آن هاثاواي” و”ليف تايلر” حين صرحتا أنهما يخسران الأدوار لصالح ممثلات يصغرهما في العمر.

 ربما قضية السن متعلقة بشكل أو بآخر بقضية الإختيار بناءً على الشكل الخارجي.

على النقيض تماماً حينما يكبر الممثل في العمر، يعتقد الجميع بأنه يزداد “جاذبية” و”نضجاً”، وتتاح له الفرصة ليزيد من إنتاجه وإبداعه الفني، بينما المرأة هي في حالة صراع مع الزمن.


ثالثاً: مساحة الأدوار ونوعيتها

meryl

مظهر آخر من مظاهر التمييز يبدو جليّاً أمام أعين جميع المشاهدين، حيث نصبت السينما الرجال في الأدوار الأولى، بينما تحلّ النساء غالباً في المرتبة الثانية، ففي الآونة الأخيرة كشفت العديد من الدراسات أن نسبة مشاركة النساء في الأدوار الرئيسية بلغت 12% في عام 2014، وهو ما يُشكّل خيبة كبيرة خصوصاً بعد أن صلت النسبة إلى 16% في عام 2002.

ولكن الأخبار الجيدة من نصيب عام 2015، حيث ارتفعت نسبة مشاركة النساء في الأدوار الرئيسية لتصل إلى 22%.

أما خلف الكاميرات فالحال ليست بأفضل، حيث شغلت النساء 19% من الوظائف المُهمّة في عام 2015، بزيادة تُقدّر بـ 2% عن عام 2014، حيث بلغت نسبة المشاركة 17%، وعلى صعيد أكثر تفصيلاً فإن نسبة مشاركة النساء في إخراج أفلام عام 2014 لم تتجاوز الـ 9%، وبلغت نسبة مشاركة النساء في كتابة الأفلام 11%، وهو الذي دفع النجمة “ميريل ستريب” لإنشاء ورشة عمل للنساء كاتبات السيناريو اللائي تجاوزن عامهن الأربعين.

gone_girl_ver4_xlg

أما أعلى نسبة سُجّلت لمشاركة النساء فكانت من نصيب العملية الإنتاجية، حيث بلغت 26%، وهو ما يمكن ترجمته على أنه تشكيل قد يسمح للنساء بخلق سينما وفق شروطهن بعيداً عن تعنّت المنتجين من الرجال، حيث توجهت الكثير من النجمات إلى الإنتاج ومن أبرزهن النجمة “ريز ويذرسبون” التي أنشأت شركة Pacific Standards وهي الشركة المنتجة لفيلم Gone Girl من بطولة النجمة “روزموند بايك” الذي حقق نجاحاً واسعاً عام 2014.

هناك أيضاً مُعضلة أخرى تواجه المرأة أمام الكاميرات وتتمثل في نوعية الأدوار الُمقدمة لهن، حيث تقتصر في الغالب على دور الزوجة أو الحبيبة، وعلى صعيد الأبعاد الإجتماعية للشخصية يجسّد الرجال الشخصيات ذات الوظائف المرموقة اجتماعياً، حيث كشفت الدراسات أن الرجال يجسدون أدوار البروفيسور بمعدل أكبر من النساء 16 مرة، ويُقدّر المعدل بخمسة أضعاف في أدوار الأطباء.


رابعاً: الأجور

5

تفجّرت قضية الهوة الواسعة في الأجور بين الممثلات وزملائهن من الممثلين بعد القرصنة التي تعرضت لها شركةSony Pictures  للإنتاج السينمائي، حيث أظهرت المراسلات الفارق الكبير بين الأجر التي حصلت عليه النجمة “جينيفر لورانس” والأجر التي حصل عليه زملائها من الممثلين عن فيلم American Hustle.

وهو ما دفع الممثلة “باتريشيا أركيت” إلى تكريس خطابها بعد حصولها على الأوسكار عن دورها في فيلم Boyhood للحديث عن الفارق الكبير في الأجور التي تتلقاها الممثلات بالمقارنة مع زملائهن من الرجال.

وصرّحت النجمة الكبيرة “ميريل ستريب” في هذا السياق أنها تتلقى أجوراً أقل من الرجال الذين يشاركونها في أعمالها.

وشاركتهم النجمة “جوينيث بالترو” الأمر عندما أفصحت عن اتساع الفارق بين أجرها وأجر “روبرت داوني جونيور” عن فيلم Iron Man وأظهرت الدراسات في عام 2014 أن مجموع ما تلقاه 10 ممثلين من الذكور الأعلى أجراً في هوليوود بلغ 419 مليون دولار في مقابل 226 مليون دولار مجموع ما تلقته 10 نساء.

إذاً هل يقتصر دور السينما على عرض مشاكل المرأة، بينما يشارك صناع السينما في خلق المزيد من المشاكل عن طريق فرض مجموعة من القواعد والقوانين التي تجعل أي إنسان بشكل عام وأي إمرأة بشكل خاص تحجم عن المضي قدماً في مشوارها الفني أياً كان دورها؟

وعلى الرغم من القيود التي فرضتها الصناعة إلا أن النساء أثبتن قدرتهن على الإبداع حتى في ظل القيود والتمييز، فالممثلة الكبيرة “ميريل ستريب” يُضرب بها المثل عند ذكر عدد الترشيحات لجائزة الأوسكار، حيث ترشحت “ميريل” 19 مرة لنيل الجائزة.

كذلك أثبتت الكثير من الكاتبات والمخرجات قدرتهن على خلق أكثر الأعمال إبداعاً ومن أبرزهن: “صوفيا كوبولا” و”ايما تومسون” و”نانسي ميريس” و”فران والش”.

إذاً هل سنرى المزيد من “كاتنيس إيفردين”؟ حيث تحل المرأة في صورتها المؤثرة والفعالة قبل المرأة في صورتها الجميلة والمتأنقة.

0

شاركنا رأيك حول "لماذا ظهرت “كاتنيس إيفردين” بشكلٍ متأخر في عالمنا؟"