قل لي لونك المفضل أخبرك من أنت..هل هناك علاقة بين الألوان والسمات الشخصية حقًا؟

الألوان والحالة النفسية
آلاء عمارة
آلاء عمارة

6 د

تُرى هل ينتابك القلق عندما تجلس في غرفة يغلب عليها اللون الأصفر؟ هل يجعلك اللون الأزرق تشعر بحالة من الهدوء والاسترخاء؟ ما رد فعلك تجاه اللون الأحمر؟ وما تأثير الأخضر عليك عندما تراه حولك؟ يزعم العديد من العلماء المختصين بالصحة النفسية أنّ للألوان تأثير واضح على الحالة النفسية والمشاعر.


اللون الأزرق وعبقرية آينشتاين  

عام 1955، تُوفي عالم الفيزياء ألبرت آينشتاين، وحزن العالم على فقدان ذلك العبقري الذي غيّر نظرتنا للكون. أزال الطبيب توماس هارفي- الذي شَرَّح الجثة- دماغ آينشتاين في غضون ساعات قليلة من موته. كان الفقيد واحدًا من ألمع نجوم الساحة العلمية في مطلع القرن العشرين، مما أثار فضول الأطباء وعلماء الأعصاب لمعرفة المزيد عن تركيب الدماغ العبقرية لهذا العالم الكبير.

الألوان والصحة النفسية

بذل العديد من العلماء جهودًا لتحديد كيف توصلت دماغه إلى نظرية النسبية الشهيرة، وحللوا صورًا لأجزاءٍ محددة من دماغه وتوالت الأبحاث. كان كل شخص يدرسها من زاوية ما، وتناولت إحدى الدراسات دور تصميم غرفة النوم والديكور الداخلي لغرفة آينشتاين، وتأثير الألوان على تفكيره.

كان لدى آينشتاين غرفة نوم مظلمة، يزعم البعض أنّ جدرانها بنية، بينما يؤكد البعض الآخر أنها زرقاء، وكان للون الأزرق تأثيرٌ واضح على أفكاره. حيث ظهر تأثير اللون على قشرة الفص الجبهي اليسرى الموجودة خلف الجبهة وعلى حُصين دماغه، مما أثر على أفكاره وذكرياته.

ذو صلة

هذه القصة تدفعنا للتساؤل، ما مدى صحة تأثير الألوان على عالم عبقري مثل آينشتاين؟ هل للألوان قوى تكفي لتحديد درجة ذكاء الأشخاص؟ أم أنّ الأمر محض خرافة؟


يقول الرسام الإسباني بابلو بيكاسو:

“الألوان مثل الملامح، تتبع التغيرات في المشاعر”

لم يُبالغ بيكاسو في وصفه للألوان، فقد ثَبُتَ في كثير من الدراسات أنّها تؤثر بشكلٍ واضحٍ على المشاعر والسلوك والمزاج، حتى إنها تؤثر على ردود الفعل الفسيولوجية للإنسان. نجد أنّ هناك بعض الألوان التي ارتبطت بارتفاع ضغط الدم وإجهاد العين، حتى عملية التمثيل الغذائي.


علم نفس الألوان

عام 1966، لاحظ العالم الفيزيائي إسحاق نيوتن أنه عندما يمر الضوء الأبيض النقي عبر المنشور، فإنه ينفصل مكونًا الألوان المرئية، ولكل لون طول موجي محدد لا يمكن فصله إلى ألوان أخرى، لكن يمكن دمج هذه الألوان لتشكل ألوانًا أخرى. مثلًا، عند دمج الضوء الأصفر مع الأحمر، يتشكل البرتقالي. هناك بعض الألوان الأخرى التي تلغي بعضها البعض ويعود الضوء للونه الأبيض من جديد، مثل: الضوء الأخضر والأرجواني.

لُوحظ تأثير الألوان على الحالة المزاجية، وبدأت التجارب والأبحاث تتطور في هذا العلم، لمعرفة سيكولوجية اللون، وتأثيره على الصحة النفسية. يعتقد الخبراء أنّ تأثير اللون يرتبط بالثقافة أكثر. فمثلًا، اللون الأبيض يرتبط بالتسامح والنقاء في بعض الدول، بينما يرتبط بالحداد والحزن في العديد من الدول الأخرى.

الألوان

هناك بعض التأثيرات العالمية للألوان. فمثلًا:

  • الألوان التي تقع في نطاق المنطقة الحمراء مثل: الأحمر والبرتقالي والأصفر. هذه تعرف بالألوان الدافئة، وهي تعبر عن المشاعر وتتراوح ما بين مشاعر الدفء والراحة إلى الغضب والعداوة.
  • الألوان التي تقع في نطاق المنطقة الزرقاء، مثل: الأزرق والأرجواني والأخضر. تُعرف هذه بالألوان الباردة، وتتسم بالهدوء، وقد تعبر عن مشاعر الحزن أو اللامبالاة.

من أين أتت فكرة الألوان المفضلة؟

حسنًا، في الغالب يرتبط تفضيل الشخص بلونٍ محدد بما يُعرف بالتكافؤ البيئي. فمثلًا، قد يُفضل بعض الأشخاص اللون البرتقالي لأنه لون البرتقال- الثمرة المفضلة لديهم – وقد يكرهون ألوانٍ أخرى مثل؛ البني والأسود لأنهما يرتبطان بالتلوث أو الموت. وقد يميل البعض لتفضيل اللون الأزرق لأنه مرتبط بالمياه الصافية النظيفة. وعلى هذا المقياس، يختار الأشخاص ألوانهم المفضلة.


علم نفس الألوان في العلاج

الألوان

استخدمت العديد من الحضارات القديمة، مثل: المصرية والصينية، الألوان من أجل العلاج. وكان لكل لون دلالة ما. يُستخدم اللون اعتمادًا على هذه الدلالة لشفاء المريض، كالتالي:

  • اللون الأحمر: يستخدم في تنشيط الجسم والعقل وكذلك الدورة الدموية.
  • اللون الأصفر: في تحفيز الأعصاب وتنقية الدم.
  • اللون البرتقالي: شفاء الرئتين ورفع مستوى الطاقة.
  • اللون الأزرق: يخفف الألم ويعالجه، كما يُهدئ الأمراض.
  • اللون النيلي: يخفف من مشاكل الجلد.

أبحاث علم نفس الألوان الحديثة

في الحقيقة، ما زال العلماء غير مقتنعين بتأثيرات الألوان الحاسمة على العلاج أو الحالة المزاجية للأشخاص، ويعتقدون أنّ هذه التأثيرات المفترضة للألوان فيها مبالغة كبيرة، كما أنّ تغيّر معاني الألوان في الثقافات المختلفة يدعم اعتقادهم بشكلٍ كبيرٍ.

أشارت العديد من الأبحاث إلى أنّ تأثيرات الألوان مؤقتة، فمثلًا اللون الأزرق، معروف بأنه لون الهدوء والاسترخاء، بافتراض أنّ شخصًا ما جلس في غرفة مطلية باللون الأزرق، سيشعر الشخص بالهدوء في البداية، إلا أنّ هذا الشعور سيتبدد في خلال فترة قصيرة جدًا من الوقت.

أفادت العديد من الأبحاث أنّ اللون قد يؤثر على الناس، كالتالي:

  • وُجد أنّ حبوب العلاج الوهمي ذات الألوان الدافئة، أكثر فاعلية من نظيرتها ذات الألوان الباردة.
  • تُفيد الأدلة القصصية بأنّ الشوارع المضاءة بالمصابيح الزرقاء أقل عرضة للحوادث والجرائم.
  • الزي الأسود يوحي بالعقاب والصفات السلبية لمرتديه.

تأثير اللون على الأداء

أشارت العديد من الدراسات إلى أنّ هناك ألوانًا محددة تؤثر على الأداء. اللون الأحمر مثلًا، عُرف عنه أنه يثير التهديد في أغلب الأحيان، كما وُجد أنّ تأثيره سلبي على الطلاب عند تعرضهم للون الأحمر قبل الاختبار. في تجربة، تم إعطاء أرقام لـ 71 طالبًا بإحدى الألوان: أخضر وأسود وأحمر، كانت النتيجة أنّ الطلاب الذين حصلوا على رقم أحمر قبل الاختبار سجلوا نتائجًا أقل بنسبة تزيد عن 20% مقارنة بالآخرين الذين حصلوا على أرقام خضراء أو سوداء.


بعض السمات المرتبطة بالألوان

الألوان
  • اللون الأبيض: يوحي بالانتعاش والنظافة.
  • اللون الأسود: ملك الألوان بلا منازع، وتأثيره قوي للغاية، وهو الأكثر شيوعًا بين أنواع السيارات الفاخرة. يصفه البعض بالشؤم والغموض والإثارة، ولكنه يبقى الملك.
  • اللون الفضي: وهو ثالث أكثر الألوان شعبية، خاصةً في عالم السيارات، غالبًا ما يرتبط هذا اللون بالابتكار والمنتجات عالية التقنية والحداثة والتطور.
  • اللون الأحمر: يوحي بالقوة والثقة والنشاط، إضافة إلى أنه من الألوان الملفتة للانتباه.
  • اللون الأزرق: لون الهدوء والسكينة والاستقرار، ويعطي انطباعًا جيدًا عن مُفضليه.
  • اللون الأصفر: لون السعادة والسرور، ويعطي فكرة للناس عن سعادة مُفضلي اللون الأصفر.
  • اللون الرمادي: يوحي بالدقة وعدم الرغبة في التميز أو الظهور.

تأثير الألوان على المشتريات

يعتقد العديد من المتخصصين في علم النفس أنّ الالوان ترتبط بشكلٍ ما أو بآخر بالمشتريات التي يُقبل عليها المستهلك، فمثلًا، تخيل أنك ذاهب لشراء سيارة، تُرى هل ستختارها بناءً على لونك المفضل؟ في الغالب سيحدث ذلك، وهنا يبحث العلماء في ارتباط اللون المفضل لدى المستهلك بالسمات الشخصية له. هذا بدوره سيُساعد على فهم الآخرين.

الألوان والحالة النفسية

تتأثر خيارات الالوان ببعض العوامل الأخرى، مثل: العمر والجنس. فمثلًا، يميل الشباب وصغار السن إلى اختيار الألوان الأكثر إشراقًا وجاذبية، في حين أنّ نفس الأشخاص يميلون لاختيار الألوان التقليدية عند تقدمهم في العمر. وكثيرًا ما يتأثر المشتري بعامل السعر أو المناخ، فمثلًا شراء سيارة بيضاء اللون، لا يجب أن يوحي بأنّ المشتري شاب عصري، لكن يمكن أن يشير إلى أنه يعيش في منطقة من المناطق الحارة، التي يفضل أهلها السيارات الفاتحة. 

يقول دكتور أوكونور، من أعضاء هيئة التدريس بقسم العمارة والتصميم بجامعة سيدني: “تفتقر العديد من هذه الادعاءات إلى الإثبات التجريبي” ويضيف “غالبًا ما تشير مثل هذه الادعاءات إلى أبحاث قديمة دون الرجوع إلى نتائج الأبحاث الحالية”.

بالرغم من كل هذه المعلومات التي بين يدينا، إلا أنّ علم نفس الالوان ما زال لغزًا، وهناك أسئلة كثيرة بلا إجابة. منها، هل يمكننا استخدام الألوان للتأثير على زيادة الإنتاجية، أو ضمان السلامة العامة في أماكن العمل؟ هل يمكن للألوان أن تؤثر على سلوك الفرد؟ أم أنّ هناك أبعاد ثقافية وعوامل شخصية أخرى؟ هل الأمر كله محض ادعاءات غير صحيحة حقًا؟ ربما!

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة

مسلسل The Last Of Us.. محاولة للنجاة بالحياة في عالم ما بعد فناء البشرية

مسلسل The Last Of Us

10 د

يقول الشاعر الأمريكي الشهير روبرت فروست في إحدى أشهر قصائده المعرفة باسم النار والجليد: "يقول البعض بأن العالم سينتهي بالنار، ويقول آخرون سينتهي بالجليد وممّا تذوّقته في حياتي من شهوات، فإنّني أتضامن مع أولئك الذين يؤيدون النار"

كتب فروست هذه القصيدة في محاولة منه للإجابة عن السؤال الذي حير البشرية منذ بدء الحضارة، كيف سينتهي هذا العالم؟ كثيرون أجابوا عن هذا السؤال عبر التاريخ، سواء بالشعوذة والتنبؤات أو عن طريق العلم والفلسفة، ولم يغفل الفن إجابة هذا السؤال المصيري، فالفن مرآة للعقل البشري، إنه تصوير مادي لمخاوفنا وأفكارنا، وعبر السنوات قدمت لنا السينما الكثير من النظريات الخاصة بنهاية العالم، زلزال مدمر كائنات فضائية أمراض مستعصية وحوش مفترسة، والكثير الكثير من السيناريوهات المحتملة لفنائنا المحتوم.

لكن السينما لم تعد وحيدة في عالم الفن، ففي السنوات الأخيرة اخترقت ألعاب الڤيديو هذا العالم، وأصبحت تمتلك إضافة إلى ميزات الرسم والمغامرة والمتعة، قصصًا مشوقة رائعة مميزة، لقد أصبحت ألعاب الڤيديو أكثر تعقيدًا مما كانت عليه في زمن سوبر ماريو، وأصبحت أشبه بمغامرة حقيقية بقصة خاصة بها، وشخصيات تفاعلية يتحكم اللاعب بمصيرها حتى إن قصص بعض الألعاب ولروعتها دفعت المنتجين إلى اقتباس أفلام ومسلسلات منها لكنها لاقت فشلًا ذريعًا مثل فيلم Assassin's Creed المقتبس من اللعبة المحبوبة والذي كان خيبة أمل مؤلمة، أما في هذا المقال فسنقدم مراجعة لمسلسل مقتبس من لعبة ڤيديو شهيرة نجح في تحطيم الأرقام القياسية بعد عرض حلقتين فقط، هو مسلسل The last of us.


معلومات عن مسلسل The Last Of Us

فيديو يوتيوب
  • كتابة كريج مايزن، نيل دركمان
  • طاقم العمل بيدرو باسكال، بيلا رامزي، آنا تورف
  • عدد الحلقات 9 حلقات
  • تاريخ العرض 15 يناير/كانون الثاني 2023
  • التقييم على IMDb هو 9.4/10
  • التقييم على Rotten tometto هو 97%

مسلسل The Last Of Us: محاولة للنجاة بالحياة في عالم ما بعد فناء البشرية

تبدأ أحداث المسلسل بداية بطيئة بعض الشيء، حيث تبدأ الحلقة الأولى بمشهد يدور في الستينيات، نرى فيه مقابلة مع عالمين من علماء الڤيروسات وينبه أحدهما إلى خطر الفطريات، التي يمكن أن تسيطر على دماغ البشر دون رادع، الأمر الذي سيفسر ما سيطرأ من أحداث لاحقة.

تنتقل الأحداث إلى عام 2003 ونتعرف على جول وابنته سارة اللذين يعيشان حياة هادئة اعتيادية، وتدور الأحداث في هذه المرحلة من وجهة نظر سارة الغافلة عما يجري، لكن يتم التلميح للخطر في كل مشهد، سواء من خلال الأخبار التي تبث عبر المذياع، أو توتر صاحب محل الساعات الذي ذهبت إليه سارة لإصلاح ساعة أبيها. فجأة تستيقظ سارة على صوت انفجارات عالية، فتخرج من البيت لتعيد كلب الجيران الذي يبدو مرعوبًا للغاية، لكنها تصدم أن جارتها العجوز المقعدة، تحولت إلى نوع غريب من الوحوش، والتهمت كل سكان المنزل.

في أثناء محاولة سارة الهرب، يصل والدها إلى المنزل مع عمها تومي، ليحاولوا الهرب من المدينة التي تحولت إلى جحيم حقيقي، لكن سارة تقتل على يد أحد الجنود وتموت بين ذراعي أبيها. تقفز الأحداث عشرين عامًا، فنرى جول الذي أصبح حطام إنسان، يعيش في منطقة الحجر الصحي في بوسطن، ذلك أن الفطريات التي اكتسحت العالم منذ عشرين عامًا، غيرت وجه البشرية كلها، يدير هذه المنطقة الوكالة الفيدرالية للاستجابة للكوارث (فيدرا)، بأسلوب عسكري قمعي استبدادي، حيث يجبر الناس على العمل في مهن شاقة، كحرق الجثث وتنظيف المجاري، ليأخذوا بطاقات تموينية تعطيهم كفاف يومهم، لكن جول لا يكتفي بهذا، بل يعمل أيضًا كمهرب مع شريكته تيس، وعندما يفشل شقيقه تومي في الاتصال بهما من موقعه في وايومنغ، يحاولان شراء بطارية سيارة من تاجر محلي، ولكن بدلًا من ذلك يبيعها إلى اليراعات، وهم مجموعة متمردة تعارض فيدرا، ويتم تسميتهم بالإرهابيين.

في محاولة لاسترداد البطارية، يجد جول وتيس أن الصفقة قد انحرفت عن مسارها، وأن معظم محاربي اليراعات قد قتلوا، فتعقد مارلين زعيمة اليراعات الجريحة صفقة مع جول وتيس، وهي أن يصطحبا إيلي الصغيرة إلى ولاية ماساتشوستس عبر الولايات المدمرة المليئة بالفطريات القاتلة، مقابل الإمدادات التي ستساعدهما في الوصول إلى تومي، يحاول جول وتيس أن يعرفا حقيقة أهمية إيلي، لكن مارلين تلتزم الصمت

في أثناء هروبهم يتم القبض عليهم من قبل جندي خلال التسلل إلى الخارج، تطعنه إيلي عندما يختبرهم بحثًا عن العدوى، وعندما حاول الجندي إطلاق النار عليها يضربه جول حتى الموت، تدرك تيس أن إيلي مصابة، لكن إيلي تريهما أن الإصابة عمرها ثلاثة أيام، ومن المستحيل ألا تتحول خلال هذه الفترة أو تموت. لربما كانت بداية العمل باردة بعض الشيء، لكن الإثارة المتصاعدة والتوتر والدراما الرائعة طغت على كل شيء آخر، إضافة إلى دقة التفاصيل وربط الأحداث المتقن الذي جعل العمل يحطم الأرقام القياسية بعدد المشاهدات حلقة بعد حلقة، ومن الواضح أن أحداث العمل القادمة تبشر بالمزيد من الإثارة.


محبو اللعبة سيسعدون للغاية بالعمل، اقتباس بعيد عن التشويه وأمانة في نقل الصورة

إن اقتباس أي عمل كان، يحمل في ثناياه خطر تشويه الأصل، أو تقديم مادة لا تمت بصلة له، وهناك الكثير من الأعمال الشاهدة على خيبة أمل الجمهور بسبب سوء الاقتباس، لكن بالنسبة إلى مسلسل The last of us يمكننا القول إننا شهدنا أفضل اقتباس على الإطلاق، لقد بقي كتّاب العمل أوفياء لأساس القصة الخاصة باللعبة، ولم تشهد أي نوع من المبالغة الدرامية، أو التغيير المزعج، بل احترمت الكتابة روح اللعبة.

لكن هذا الكلام لا يعني إطلاقًا أننا سنشاهد نسخة كربونية من اللعبة، لقد أكد الكتّاب أن القصة ستنحرف قليلًا، وسيتم تغيير بعض الأشياء بما يناسب العرض التلفزيوني، ومما شاهدناه من العمل حتى الآن، يبدو أن الكتابة أضافت نظرة إبداعية، عمّقت القصة وأوضحت نقاطًا لم ترد في اللعبة، كما يمكن أن يلاحظ أي لاعب مخضرم، فقد ركز المسلسل على أساس وجود المرض، وشرح آلية عمله وطريقة انتقاله وتطوره المرعب، الذي جعله أسوأ ما أصاب البشرية منذ قرون، وقد ظهرت أمانة الاقتباس في بعض التفاصيل الصغيرة التي تميزت بها اللعبة، مثل ساعة جول المكسورة التي كانت آخر هدية من ابنته سارة، أو ملابس الشخصيات أو حتى بعض المشاهد التي تعتبر أسطورية في عالم اللعبة، ويمكننا القول إن وفاء صناع العمل للأصل، كان من أبرز أسباب نجاحه، فاللعبة التي حققت نجاحًا لافتًا وشعبية كبيرة، حققت هذا كله بفضل قصتها المميزة المؤثرة، والتي نجح المسلسل في تقديمها في أولى حلقاته، ومن الواضح أنه ينوي الاستمرار على هذا المنوال.


بداية مميزة تمهد للرعب القادم وأجواء تذكرنا بأجواء المسلسل الشهير The walking dead

كما قلنا سابقًا، بداية العمل كانت باردة بطيئة، حياة هادئة لأب وابنته في ضاحية هادئة في مدينة أوستن، تكساس تنقلب جحيمًا بين ليلة وضحاها، براعة التقديم كانت تصوير الأحداث من وجهة نظر سارة البريئة الغافلة عن كل ما يجري حولها، لكن التوتر كان متواريًا في الزوايا ينبئ بالخطر، كالأخبار في المذياع التي تنبئ بالكوراث، توتر أصحاب محل الساعات وإسراعهم في الإغلاق، توتر كلب الجيران، كل هذه الأشياء البسيطة كانت تمهد لما سيحدث لاحقًا، حتى إن بعض المشاهد حملت الطابع الديستيوبي المميز لمسلسل The walking dead الغني عن التعريف، لكن بدلًا من وجود ڤيروس غامض يحول البشر إلى زومبي، أصبح الخطر متركزًا في فطريات غريبة تتطفل على الجسد وتأكله من الداخل إلى الخارج، إضافة إلى المشهد الافتتاحي الذي عرض أحد العلماء يتنبأ بخطر الفطريات، كل هذه التفاصيل جعلت المشاهد متحفزًا يستشعر الكارثة في كل زاوية، كل هذه التفاصيل لم تكن موجودة في اللعبة، الأمر الذي أعطى القصة مدًا أوسع لتأسيس هذا العالم الضخم، وتمهيد الطريق للمشاهد الذي لم يعرف اللعبة سابقًا، كي يتفاعل مع الأحداث وهنا يطرأ سؤال مهم للغاية قد يطرحه أي متابع


هل يجب أن تكون لاعباً للعبة كي تفهم العمل؟

بداية يجب التنويه إلى أن عالم ألعاب الڤيديو عالم ساحر مستقل بحد ذاته، يحتاج شغفًا وحبًا لهذا العالم كي تستمتع به، وليس باستطاعة أي كان ممارسة لعبة ڤيديو معقدة تفاعلية كهذه اللعبة، والإجابة عن سؤالنا هذا أتت من اللاعبين أنفسهم، الذين أكدوا أنه لا ضرورة للعب اللعبة إطلاقًا، فعلى الرغم من وفاء العمل لأصله، إلا أنه قدم الكثير من التفاصيل والمشاهد التي ترفع الغموض عن الأحداث، بل حتى إن اللاعبين المخضرمين سيجدون العمل ممتعًا مشوقًا بفضل هذه الإضافات المتقنة.


تحفة درامية جديدة من صانع التحفة الدرامية Chernobyl

إن لم تكن قد شاهدت مسلسل تشيرنوبل الدرامي الرائع، فقد فاتك الكثير حقًا، لقد قدم هذا العمل خلال حلقاته القصيرة، قصة حقيقية مؤلمة زادها ألمًا عن حادثة انفجار مفاعل تشيرنوبل النووي، وما ألحقه من خسائر بشرية واقتصادية وسياسية، وحقق أرقام مشاهدات قياسية في زمن قصير. وها هو ذا كريغ مايزن كاتب مسلسل تشيرنوبل، يعود مجددًا واعدًا المشاهدين بتحفة أخرى تضاهي ما سلف، خاصة أنه معجب جدًا بقصة اللعبة، حيث صرح في إحدى المقابلات: "لا توجد لعبة أخرى أفضل من The Last of Us عندما يتعلق الأمر بالسرد القصصي، هذه أعظم قصة سُرِدت في ألعاب الفيديو على الإطلاق".

كما أن انضمام مخرج ومطور اللعبة نيل دراكمان إلى مايزن، كان إضافة ذكية أبقت القصة الخاصة بالمسلسل تحت أنظار المبتكر الأصلي، الأمر الذي سيبقي القصة ضمن إطار المادة الأصل دون تشويه وإفساد.


اختيار موفق لطاقم العمل

إن أهم عنصر في أي عمل هو طاقم التمثيل، فهم التجسيد المادي المرئي للشخصية المكتوبة، ومهما كانت الشخصية مميزة ومتقنة في كتابتها، فلو جسدها شخص غير كفؤ، فإن هذا سيودي بها إلى الفشل. بالنسبة إلى مسلسل The last of us كان اختيار الممثلين موفقًا للغاية، خاصة الشخصيات الرئيسية التي تتقاطع دروبها خلال سير الأحداث، فمن غير الرائع بيدرو باسكال يجعلنا نذرف الدموع دون أن ينطق كلمة واحدة.

بيدرو الذي أغرم به كل من شاهد مسلسل صراع العروش بشخصية الثعبان الأحمر أوبرين مارتيل، أثبت مجددًا أنه الرقم الصعب، وقدم شخصية جول العنيف المحطم الغارق في البؤس، بطريقة أقل ما يقال عنها إنها مبهرة، حيث نال إشادات واسعة عن أدائه في الحلقة الأولى، سواء من النقاد أو من اللاعبين الذين رأوا شبهًا رائعًا بينه وبين شخصية جول في اللعبة، خاصة مشهد مقتل ابنة جول سارة الذي كان صادمًا مؤثرًا، جعله أداء باسكال وباركر مدمرًا، حتى بالنسبة لمن لعب اللعبة ويعلم ما الذي سيحدث.

وإن كان باسكال رائعًا فإن بيلا رامزي كانت استثنائية، خطفت الأضواء منذ أول ظهور لها، بيلا التي عرفناها بشخصية ليانا مورمونت من لعبة العروش أيضًا، قدمت أداء متقنًا لشخصية صعبة، هي إيلي الفتاة الصغيرة التي يبدو أنها تحمل سر نجاة البشرية، كما أن التناغم والكيمياء الواضحة بينها وبين باسكال كان الأمر الأهم في العمل، فهاتان الشخصيتان هما أساس المسلسل وهذا التناغم بينهما أفاد العمل وزاد من روعته.


زوايا تصوير مميزة وموسيقى أسطورية ملائمة للعمل

الانسجام والتناغم كان عنوان أسلوب التصوير في العمل، فزوايا الكاميرا الموضوعة في أماكن مدروسة، جعلت المشاهد يشعر أنه دخل إلى المسلسل، خاصة مشهد هروب جول مع أخيه وابنته، ولم تكن الألوان المستخدمة أقل شأنًا، فقد كانت كالحة باردة، وضعت المشاهد في الجو المطلوب، جو نهاية العالم وحياة ما بعد الكارثة، كذلك المؤثرات الخاصة بأشكال الزومبي أو المتحولين التي لاقت كثيرًا من الثناء، حيث مزجت بين الدقة والرعب المميزين، إضافة بالطبع إلى اختيار أماكن مهجورة عفنة، كل هذه التفاصيل الدقيقة أضافت المزيد من الرونق إلى العمل، ولا يمكن إهمال دور الموسيقى التي كانت رائعة مثالية، سواء في المقدمة التي أبدعها غوستافو سانتوللا أو موسيقى التصوير المبهرة التي كانت ملائمة للغاية للأحداث وللعمل ككل.


عمل حطم الأرقام القياسية على أكثر من صعيد

أقل ما يمكن القول عن مسلسل The last of us إنه عمل أسطوري، ليس فقط على صعيد القصة والشخصيات والتصوير، بل أيضًا بأرقام المشاهدات الخيالية، حيث حققت الحلقة الأولى 4.7 ملايين مشاهدة أما الحلقة الثانية فقد رفعت نسبة المشاهدة إلى مستوى خيالي بلغ 22% عن الحلقة الأولى، أما تقييمات الحلقات فلم تكن أقل إبهارًا حيث حققت الحلقة الأولى تقييم 9.2/10 أما الحلقة الثانية فحققت 9.4/10 على موقع IMDb الشهير، يبدو أن الجميع معجب بـ The last of us


غوغل أيضاً معجب بالمسلسل

حركة طريفة يقدمها غوغل لمحبي المسلسل عندما تكتب في محرك البحث الشهير The last of us سيُظهر لك غوغل صورة فطر ما إن تضغطه حتى تمتلئ شاشة حاسوبك أو هاتفك بالفطريات الموجودة في المسلسل، لا يمكن إنكار ذكاء الفكرة يبدو أن غوغل أعجبه العمل كذلك.

على الرغم من عرض حلقتين فقط إلا أنه من الواضح أننا أمام مسلسل عظيم، سينضم إلى قائمة أفضل المسلسلات كقصة وأداء تمثيلي، ويبدو أن القادم من الحلقات سيحمل المزيد من الإبداع والإثارة والصدمات.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.