هل يؤثر التأنيث والتذكير في اللغات على نظرتنا للأشياء؟ تجارب بنتائج مبهرة..

1

يعتبر التأنيث والتذكير من أهم الأمور التي تتميز بها –كما اللغة العربية– أغلب لغات العالم، حيث أنها تساهم في تشكيل “جنس” الكلمات والمصطلحات وبالتالي تحديد توجيه الجمل وكيفية تنسيقها بطريقة سليمة وبنية لغوية صحيحة. لكن، أيعقل أن التجنيس اللغوي أو التأنيث والتذكير يحدد نظرتنا إلى العالم؟ هل لو كانت التفاحة مذكر والقلم مؤنث كانت ستختلف الأمور؟ سؤال غريب هو، لكن الأغرب هي نتائج التجارب التي أجريت على اللغات الأجنبية والتي سنحاول أن نستعرضها في القادم من الأسطر.

جنس الأسماء في اللغات

إن الجنس نوعان: البيولوجي واللغوي. ما يخصنا تحديدًا هو ثاني نوع، حيث أن هناك لغات في العالم تصنف الأسماء إلى جنسين مذكرٍ ومؤنث، كاللغة العربية أو الفرنسية على عكس لغات أخرى لا تجنس الأسماء، كالتركية، التايلندية أو اليابانية. بالنسبة للإنجليزية أو اللغة الأفريكانية، فلا تحدد تجنيسًا للأسماء، لكنها في المقابل تستخدم ضمائر مختلفة مثل He، She وIt. في الغالب، يمكن القول أن معظم اللغات تحتوي على الجنسين، وأن منها من يضيف أيضًا الجنس المحايد بين الاثنين.

الاختلاف الجنسي للكلمات بين اللغات الأجنبية قد يشكل عائقًا في حال أراد الشخص تعلم لغة أجنبية يختلف جنس كلماتها عن تلك المستخدمة في لغته الأم، حيث أن اعتماده على الترجمة الحرفية قد يؤدي إلى الوقوع في الخطأ. مثلًا، كلمة الدراجّة في العربية مؤنثة، لكن في اللغة الفرنسية نقول (le vélo) حيث le للمذكر وليس (la vélo) مع la للمؤنث. وبالتالي، فجنس الأسماء يعتبر من الأساسية التي تساهم في تكوين معاني الكلمات ككل.

أيام الأسبوع مؤنثة أو مذكرة؟

هناك فرضيات تم تطويرها في علوم اللغة تقول أن للشخص حدس في تصنيف الأسماء وتجنيسها، بل إن منها من يعتقد أن الجنس اللغوي قد يؤثر على نظرة الشخص إلى الجنس البيولوجي وكيفية إدراكه. في هذا الصدد، هناك مجموعة من الدراسات التي أجريت لغرض التأكد من صحة الأمر، والتي نذكر أشهرها تجربة أجراها Jakobson سنة 1966 على مجموعة من الأشخاص الذين تعتبر اللغة الروسية لغتهم الأم حيث طلب منهم تصور أيام الأسبوع كأنها أشخاص ومحاولة تحديد جنس الشخص المقترح هل هو مؤنث أو مذكر. والمفاجأة أن جميعهم دون استثناء اقترحوا على تصور أيام الاثنين понедельник، الثلاثاء вторник والخميس четверг (أسماء مذكرة) على أنها ذكور، ويرون أن أيام الأربعاء среда، الجمعة пятница والسبت суббота (أسماء مؤنثة) هي أشخاص إناث، بينما واجه الجميع صعوبة في تحديد جنس الشخص المرادف ليوم الأحد والذي يعتبر لغوية كلمة محايدة لا جنس لها.

وبالتالي، فتثبت هذه التجربة وغيرها أن الجنس اللغوي عنصر أساسي في تحديد ماهية الكلمات وتشكيل التصور العام لها وترجمتها البصرية في الدماغ.

ماذا إن لم يكن في اللغة جنس لغوي؟

إن كانت التجربة السابقة أثبت أن الجنس اللغوي يؤثر على الجنس البيولوجي للأشياء المسماة، فإن هناك تجارب أخرى حاولت دراسة الأمر في لغة محايدة؛ المثال من تجربة أجراها مجموعة من الباحثين سنة 2002 على فئتين من الأشخاص، مجموعة لغتها الأم هي الاسبانية وأخرى لغتها الأم هي الألمانية، أُعطِيَّ كل منهم خلال حصة الاختبار قائمة تحمل 24 اسم علمٍ باللغة الإنجليزية – والتي لا تحتوي على جنس لغوي – سميت بها أشياء مختلفة، مثلًا Apple – Patrick و Apple – Patricia، وطلب منهم قراءتها ومحاولة تذكرها بسرعة.

النتيجة أن المشاركين يستطيعون تذكر الزوج شيء – اسم علم إن كان الاسم له نفس جنس الشيء في اللغة الأم لهم. أي أن المجموعة الألمانية استطاعت بسهولة تذكر الزوج Apple – Patrick لأن كلمة Apple بالألمانية هي Apfel وهي كلمة مذكرة، بينما المجموعة الاسبانية تذكرت الزوج Apple – Patricia لأن الكلمة الاسبانية المقابلة هي Manzana وهي كلمة مؤنثة.

تثبت هذه التجربة إذًا أن الشخص يقوم بطريقة لا إرادية بتجنيس الكلمات حسب معيار محدد، والذي كان هنا اللغة الأم كون أن لغة الاختبار هي لغة محايدة.

المفتاح، التأنيث والتذكير !

تتمة لأبحاثهم السابقة، قامت نفس المجموعة من الباحثين من تغيير الاختبار على نفس المجموعة، حيث تم اقتراح مجموعة من الكلمات الإنجليزية وطلب من كل شخص أن يصفها بثلاث صفات (adjectives) حسب رؤيته الخاصة. طبعًا تم اعتماد الإنجليزية للمرة الثانية من أجل تجنب التأثير المباشر للجنس اللغوي للكلمات على رؤيتهم.

فور الانتهاء، تم الاستعانة بمتخصصين لغويين من أجل تقسيم مجموع النعوت التي اقترحها المشاركون إلى قسمين، قسم مذكر وقسم مؤنث حسب معايير دقيقة معتمدة.

النتيجة أن النعوت التي اقترحها المشاركون تتناسب في تجنيسها مع الجنس اللغوي للأشياء الموصوفة في لغتهم الأم. مثلًا، كلمة مفتاح، هي كلمة مذكرة باللغة الألمانية (der Schlüssel) ومجموع النعوت المقترحة من المشاركين الألمان لهذه الكلمة هي “قاسي، صلب، معدني، مسنن، ثقيل…” بينما في اللغة الاسبانية فمقابل الكلمة هو (la llave) وهي كلمة مؤنثة، فكانت اقتراحات المشاركين الإسبان هي “مذهب، معقد، مضحك، لامع، صغير…”.

وبالتالي، فقد تم الجزم أن الجنس اللغوي يؤثر في نظرتنا للأشياء من حولنا وبتوجيه تصورتنا لها.

الغلاف من تصميم carolinabuzio 

1

شاركنا رأيك حول "هل يؤثر التأنيث والتذكير في اللغات على نظرتنا للأشياء؟ تجارب بنتائج مبهرة.."