التعلّم X الحياة = الإنسان: المعادلة التي يغفل عنها الكثيرون

رجل يقرأ كتابًا
9

أنت تدور في أفلاك زمنية عديدة أثناء مسيرتنا بهذه الحياة العجيبة. فكل يوم، بل كل ساعة يحدث موقف ما يجعلك تفكر بطريقة مختلفة، وتتخذ بناءً عليها قرارات لا تعلم إذا كانت صائبةً أم لا. أن تحكم على القرار بالصواب من العدم، هذا يرجع إلى ثقافتك وحصيلتك المعرفية وخبراتك السابقة، وكل هذا لن توفره لك الخبرة الحياتية فقط، بل أيضًا الخبرة العلمية، والخبرة العلمية لا تتأتى من المدارس والمؤسسات التدريسية المختلفة التي تُجبرك على منهج دراسي واحد مبني على أيديولوجية مُسيسة من قبل المؤسسة التي وضعتها. لكي تكون إنسانًا بحق، يجب أن تتعلم، فالتعلّم X الحياة = الإنسان، وهذه هي المعادلة التي سنتحدث فيها اليوم عن التعلم وعلاقته بالحياة، ودوره في خلق الإنسان كما يجب أن يكون.

ما مفهوم التعلم؟ ولماذا نتعلم؟

التعلّم هو أن اكتساب الخبرات، والتعلم يختلف عن الدراسة، فالدراسة هي تحصيل المعارف بصورة روتينية ومحددة غير قابلة للتطييع أو التعديل بأي شكل من الأشكال، ففي الدراسة أنت لديك بعض المناهج المحددة التي يجب أن تُنهيها في الفترة الزمنية المقيدة. إمّا أن تفعل هذا، أو تجد نفسك راسبًا في المادة لينعتك المجتمع بالفاشل والغبي. لكن في التعلّم أنت تكتسب الخبرة والمعرفة بنفسك، ومن أجل نفسك. ليس هناك دوافع جبرية تجعلك تفعل ما لا تريد فعله.

التعلّم ليس بالشرط أن يكون معرفيًّا، فيمكن له أن يكون أي صورة من صور الخبرات والمهارات التي تجعل منك إنسانًا أفضل في مضمار وشريحة مهارية جديدة بالحياة، فإذا عقدت العزم على ترك الحاسوب الآن وطلبت من صديقك لعب بعض الكرة، فأنت هنا صقلت مهارتين بالفعل: مهارة التواصل الاجتماعي عبر هذا الطلب الصغير، ومهارة لعب كرة القدم عبر المجهود المبذول فيها.

أنت تتعلّم كي ترى نفسك إنسانًا جديرًا بحمل لقب إنسان، فالإنسان لديه طاقات هائلة بشدة، وإهدارها هكذا دون طائل ما هو إلّا دفن تدريجي لمفهوم الإنسانية كما نعرفها. عندما تقف أمام نفسك بالمرآة يجب أن ترى دائمًا شخصًا يمكن له أن يكون أفضل مما هو عليه، فالتعلم عملية مستمرة منذ بداية الحياة، وحتى انقطاعها. أنت تتعلم كي تكون مرتقيًا عن غيرك، يجب أن تتواجد بداخلك نزعة نحو الكمال. أنت تريد أن تكون كاملًا، عالمًا، وعارفًا بكل شيء وأي شيء. تلك، المعرفة والخبرات تخولك من الثقة بنفسك وتحمل مسؤوليات وأعباء الحياة مهما كانت كثيرةً وضاغطةً.

تأثير التعلّم على الحياة

كما قلت، فالتعلم اكتساب خبرات، والخبرات هي التي تساعد المرء على الخوض في معترك الحياة بقوة وإرادة وعزيمة مطلقة نحو تحقيق الغاية والرغبة والهدف. عندما تتعلم وتكتسب خبرةً في مجال ما أو موقف ما، فأنت ستتعامل معه بطريقة تختلف عن غيرك، فبالتالي تصير أنت في حالة أفضل منه، خصوصًا إذا كانت تلك الخبرة مقترنةً بالتعامل مع صنوف البشر العديدة والمتشعبة.

فلنقل أنّك الآن متقدم لمقابلة عمل لشغل وظيفة مُبرمج، تكتشف أنّ هناك شخصًا آخر قدّم معك. الشركة التي تتقدمان إليها هي شركة برمجة خاصة، لديها سياسة معينة ورؤية ثابتة تهتم بالمبيعات وتنفيذ تعليمات العملاء مهما كانت مُجحفةً للمُبرمج أو ظالمةً للشركة في بعض الأحيان، فهذا في النهاية سوق العمل ويجب التنافس فيه بناءً على هذه الأسس. يدخل الشخص الآخر قبلك لمدير الشركة لعقد المقابلة، لكن بعد عشر دقائق تجده خارجًا من الباب وهو مُحمّر الوجه وناقم على كل شيء بالوجود. ببساطة لم يُقبل وأنت تعلم السبب، فهو دخل وكله أمل بأنّ هذه الشركة مثل جوجل تعتمد على الإبداع وسعة الفكر، لكن في النهاية كل ما يهمها ببساطة القدرة على العمل تحت الضغط وتحمل الأعمال الروتينية والمجحفة. وخبرتك، و”تعلّمك” بأنّ تلك الشركة تريد ذلك، هو الذي جعلك تشغل الوظيفة في ذلك اليوم. فالتعلّم والخبرات السابقة في المجال المعين، تجعلك فائزًا في مواقف كثيرة بالحياة.

وعلى الصعيد الآخر، عندما لا تكون لديك خبرة عن مفهوم التعلّم في حد ذاته، ستربي أبناءَك بناءً على هذا المفهوم، فبالتالي يصبحون مجرد نُسخ تكرارية وروتينية عن غيرهم، ولن يحققوا أي نجاح على المستوى الشخصي أبدًا أمام أنفسهم، فاحرص على ترسيخ مبدأ التعلّم الذاتي واكتساب الخبرات والمعرفة بداخل أي أحد، وهذا من أجل الارتقاء بالذات أمام الذات. ليس أمام الناس، ولا حتى أمام المستقبل المجهول.

سُبل التعلّم

عندما تكتسب خبرات ما، فأنت تكتسبها من أي موقف يمر عليك في الحياة. إذا ذهبت للمتجر واشتريت بعض البضائع، فأنت تعاملت مباشرةً مع البائع واكتسبت خبرة التعامل مع جميع الباعة الذين سيكونون على نفس شاكلته وطباعه مستقبلًا. لذلك، اكتساب الخبرات ليس مقتصرًا على فئة معينة أو له طريقة ثابتة. لكن بالنسبة لاكتساب المعارف العلمية فتوجد طرق عديدة جدًا، أشهرها هو الإنترنت بالطبع دون نقاش، فبكبسة زر واحدة تستطيع الوصول إلى أي محاضرات تعليمية أو أوراق بحثية رصينة تريدها في أي مجال تتمناه. وتليها المراكز التعليمية المُتخصصة، فأنت تذهب إليها لتختار المعارف التي تريد دراستها، بالطريقة التي تبغاها، وفي الأوقات المناسبة لك دونًا عن سواك، وفي النهاية توجد الكتب المرجعية الورقية التي تكون فيها المعلومات مُرتبةً بطريقة البحث العلمي، مع ذكر المصادر وأرقام نتائج التجارب والمُعادلات المُستخدمة والخطوات التي تم تنفيذها، وكل شيء يُعطيك نظرةً علميةً وشاملةً للموضوع الذي أنت بصدده.

المُعادلة

الآن بعدما سردنا تلك السطور السابقة، أرأيت كيف لهذه المعادلة أن تكون هامةً ومصيريةً في تنشئة وصقل كينونة كل فرد فينا؟ فأنت تتعلم في حياتك كي تكون إنسانًا أفضل. بدون التعليم تصير حياتك خاويةً دون معنى، فبالتالي أنت ذاتك تكون لا فائدة منك. فاحرص دائمًا على التعلّم واكتساب المهارات، كي تكون فخورًا بنفسك أمام نفسك.

وفي الختام، فإنّ الإنسان يأكل كي يعيش، ولا يعيش كي يأكل. لكن هذه العبارة تُطبق بشكل مختلف بالنسبة للتعليم، فالإنسان يعيش كي يتعلم، ويتعلم كي يعيش. فالتعليم حجر زاوية أساسي في حياة كل فرد متحضر وواعي بالقدر الكافي كي يقدر قيمته.

9

شاركنا رأيك حول "التعلّم X الحياة = الإنسان: المعادلة التي يغفل عنها الكثيرون"