0

يراودنا الكسل والخمول بين الحين والآخر، فتمر علينا أيام لا نملك فيها الرغبة في القيام بواجباتنا وأنشطتنا اليومية، فتتثاقل حركتنا ويتباطأ أداؤنا ونبدأ بلوم أنفسنا وخصوصًا بعدما توجّه إلينا نظرات وكلمات تنعتنا بالكسالى دون الأخذ بعين الاعتبار الجوانب والأمور التي أخمدت همتنا وأبطأت نشاطنا.

في مقالنا اليوم سنتناول موضوع الكسل وتفسيراته النفسية من وجهة نظر أستاذ علم النفس الاجتماعي الدكتور ديفون برايس وهو عالم نفس وكاتبٌ ناشط وأستاذ في كلية الدراسات المستمرة والمهنية بجامعة لويولا في شيكاغو. شرح برايس في كتابه “الكسل غير موجود” الأسباب الكامنة وراء الكسل كسلوك، بل وأعطاها شرعيةً بدلائل تبدو منطقيةً وتجعلنا أقل لوماً وتأنيباً لأنفسنا وللآخرين عندما نمر بفترات الخمول والتكاسل.

هل الكسل كذبة؟

بحكم عمل الكاتب ديفون برايس كأستاذ في علم النفس منذ العام 2012، فقد تعامل مع العديد من نماذج الطلاب ولاحظ عدة أمورٍ كانت القاسم المشترك لتصرفاتهم وهي المماطلة والتكاسل في أداء ما يطلب منهم واختلاق الأعذار الدائمة ولا سيما عند التأخر في الدوام أو تسليم الواجبات المطلوبة منهم. حيث ذكر أن هناك العديد من طلاب الدراسات العليا يخفقون في إبراز وتقديم طلباتهم في موعدها المحدد، وغيرهم أيضًا من الطلاب المرشحين لنيل شهادة الدكتوراه تراهم متأخرين ومستنفذين للوقت فمنهم من يستغرق شهورًا وربما سنواتٍ في مراجعة مسودة الأطروحة الخاصة بدراستهم وغيرها الكثير من الحالات التي سنذكرها لاحقًا.

لا يعتقد الكاتب ديفون برايس وهو عالمٌ نفسيّ كما أسلفت سابقًا؛ أن الكسل هو السبب الرئيسي في هذه الأمثلة والتجارب التي مرت معه خلال رحلته التدريسية، بل بالعكس، فهو في الواقع لا يؤمن أن الكسل موجود أصلًا وإنما هو أكذوبةٌ اختلقت لغض النظر عن الأسباب الحقيقية وراء هذا التصرف. ويعتبر الكاتب أن العوامل والحواجز المتعلقة بظرفٍ وحالةٍ معينة هي التي تتحكم وتسيطر في سلوكياتنا كبشر فيقول عن ذلك “في معظم الأحوال تتنبأ القيود الظرفية بالسلوك بشكل أفضل بكثير من الشخصية أو الذكاء أو السمات الأخرى حسب كل فرد”.

تبرير الكسل بفعل الظروف التي أدت إليه

إن الاعتراف بوجود الحواجز والظروف التي تحول دون إتمام الشخص لما هو مطلوب منه والإيمان بوجودها والعمل على إزالتها والتخلص منها هو البداية الحقيقية للتخلص من الأنماط السلوكية للكسل. وقد استفاد الكاتب برايس في كتاباته حول موضوع الكسل من خبرة صديقه الكاتب والناشط أيضًا (كيمبرلي لونجهوفر) والذي أكد له مرارًا أن عليه أن يعي ظروف وأسباب الشخص الماثل أمامه وأن يضع نفسه مكانه قبل أن يلقي الأحكام عليه جزافًا. فعندما تجد إنسانًا متشردًا بائسًا يتناول السجائر ويحتسي الكحول بصورةٍ مبالغة وباستمرار، فلا تلمه كثيرًا ولا تحمله فوق طاقته وتطلب منه العمل لتأمين السكن والحياة الكريمة لأنّه لو قدر على ذلك لفعل ولم يكتفِ بالسجائر والشراب. فبرد الليالي القارس دون مأوى يحميه ويشعره بالدفء والأمان؛ سيجعله هائمًا على وجهه يبحث عن أي شيء يدفئ عظامه وينسيه جوعه وهمومه وتعب الحياة.

نعم، قد تقول إنه من الأجدر بهؤلاء الأشخاص أن يقلعوا عن الشراب ويبحثوا عن عملٍ متواصل وبساعاتٍ طويلة ليقدروا على تأمين سكن يأويهم ورزق يسد رمقهم، ولكن يغيب عن بالك أن أغلبهم قد يعاني من أمراضٍ نفسيةٍ وعقليةٍ وحتى بدنية، ويناضلون باستمرار ليتم الاعتراف بهم كبشر، وعلى الرغم من أن البعض منهم يعملون بوظائف لساعاتٍ طويلة ويبذلون قصارى جهدهم في ذلك، ولكن تبقى الصفة السائدة لهم والتي يطلقها المجتمع عليهم هي صفة الكسل ودون أي مراعاةٍ لظروفهم القاسية والصدمات التي شلت حياتهم وأثرت على سلوكهم.

تجارب الطلاب مع الكسل ممن قابلهم الدكتور ديفون برايس

ليس المتشردون والفقراء من تلاحقهم صفة الكسل فحسب، فها هم الطلاب في المدارس والجامعات والذين يشكلون شريحة كبيرة أيضًا في المجتمع قد يطلق عليهم صفة الكسل السلوكي لتصرفات عديدة وها هو الدكتور برايس يذكر لنا عدة تجارب وحالات لطلاب قابلهم خلال عمله كمدرس لمادة علم النفس يذكرها في كتابه ومنها:

الحالة الأولى: الطالبة الانطوائية وقصتها مع الكسل

يذكر الدكتور برايس في كتابه “الكسل غير موجود” تلك الطالبة المنطوية على نفسها والتي كانت تحضر إلى الصف بصورةٍ متقطعة لتجلس منزويةً في الركن الخلفي من الصف، متعبةً، غير مكترثةٍ بأي واجبات أو نشاط. كان معظم الأساتذة ينظرون إليها كطالبةٍ كسولة، خمولةٍ وغير مبالية، إلى أن كان هناك درس حول الصحة العقلية وهذا المجال الذي برع به كاتبنا برايس حسب اختصاصه، فقدم لطلابه درسًا تحدث فيه عن النظرة الظالمة التي يلقيها الناس على المصابين بأمراضٍ عقلية وكيف ينظر للاكتئاب على أنه كسل، وتغير المزاج على أنه تلاعب بالمشاعر وفي نهاية الدرس وبعد خروج جميع الطلاب قامت هذه الطالبة بطلب التحدث مع أستاذها وشرحت له أنها تعاني من اضطراباتٍ عقلية وتسعى جاهدةً للعلاج وهذا ما يجعلها تتأخر في تحصيلها العلمي وتتغيب عن دوامها لانشغالها بمتابعة علاجها والذي يتطلب منها المكوث في المنزل لساعاتٍ مستمرة، وأنها لم تبح بهذا الكلام لغيره من المدرسين حتى لا يظنوا أنها تتهرب من واجباتها الدراسية بحجة مرضها أما هو فقد وضعت ثقتها به.

وجد الدكتور برايس خلف انطواء هذه الطالبة فتاةً رائعة تتحمّل أعباء مرضها العقلي وتجاهد لتتابع تعليمها بالإضافة لعملها بدوامٍ جزئي. ومع كل هذا كانت توصَف بالكسولة من قبل مدرسيها وزملائها. مع توالي الأيام والمتابعة الحثيثة لحالتها تحسنت هذه الطالبة بشكلٍ ملحوظ وبدأت تنخرط في الأجواء الطلّابية وتندمج مع زملائها في الصف، وتحدّثهم بمشكلتها مع مرضها العقلي، نعم كانت مثالاً رائعاً استطاعت الخروج من سجنها النفسي الذي وضعت فيه ومتابعة حياتها في مواجهة التحديات التي تحيط بها من قبل الآخرين.

اقرأ أيضًا: 8 خطوات كفيلة بتحفيزك لتدرس حتى وإن لم ترغب بذلك!

الحالة الثانية: كسل الطالب جرّاء معاناته من الوسواس القهري

أيضاً من الأمثلة الطلابية التي مرت مع الدكتور برايس ذلك الطالب الذي عانى من مشكلة الوسواس القهري وكيف لم يعترف لمن حوله بالعوامل والظروف التي كانت تمنعه من مواصلة دراسته بالشكل الأمثل فقد كانت له أسباب قهرية تجعله يتأخر عن دوامه ودروسه.

الحالة الثالثة: الصدمة النفسية أدت بطالبةٍ إلى سلوك الكسل

أيضاً ذكر قصة الطالبة التي تعرضت لاعتداء من قبل زميل لها أدى لإصابتها بصدمةٍ نفسيةٍ حادة جعلتها تخضع لعلاجٍ نفسي ووجدت نفسها مضطرةً لمتابعة دراستها مع ذلك الزميل. مما جعلها تتغيّب عن جامعتها وتتماطل في دروسها فهي غير قادرةٍ على التواجد معه بمكانٍ واحد.

هذه النماذج من الطلاب جاءوا إلى أستاذهم الدكتور برايس بعدما وثقوا به ووجدوا الراحة لديه، فتكلموا عما حدث معهم بكل شفافية وهو بدوره قدم لهم العون والمشورة والمساعدة وجعل منهم طلاباً ناجحين أكاديمياً، وحققوا نتائج أفضل من ذي قبل ولم يعودوا متكاسلين أو انطوائيين كما كان يطلق عليهم سابقاً.

تعامل المدرسين مع الطلاب ذوي الظروف الخفية

المعلم هو القدوة الحسنة لطلابه وعليه تقبّل حاجاتهم وأوضاعهم النفسية والعقلية والتي ليس لهم حيلة فيها أو التي يحاولون تحسينها ومعالجتها. ومن الأمور غير الأخلاقية أن يقف المعلم ويقابل هؤلاء الطلاب بعدائيةٍ وظلم، ويلقي اللوم عليهم في حين يفترض منه أن يكون قريباً منهم وحنوناً عليهم قدر المستطاع فيأخذ بيدهم إلى مكانٍ أفضل ويجعل من سلوكهم مثالاً للنشاط والإقبال على الدراسة والحياة.

ليس من واجب المعلم اكتشاف العوامل والظروف التي تقف وراء سلوك الكسل وإنما من الممكن والمحبب أن يتفهّم بدوره مشكلات هؤلاء الطلبة ويراعي حالات الاكتئاب التي يمرون بها أو الصعوبات التي يعانون منها جراء إصاباتهم العقلية أو حياتهم النفسية، ويكون عوناً لهم ليجتازوا خمولهم وكسلهم والذي لم يختاروه بمحض إرادتهم وإنما نتيجة ظروفٍ قاهرة في الغالب.

ختاماً، لا أحد منا يحب أن يوصف باللامبالي أو الكسول، ولكن عندما لا نرى إلا الكسل فقط وراء تصرف شخصٍ ما، فهذا يعني أننا نفتقد بعد النظر والإلمام بالعوامل والتفاصيل التي تقف خلف سلوكه هذا. ابحثوا دوماً عن الأسباب والتفسيرات الأخرى فعدم رؤيتها لا يعني أنها غير موجودة، ولنعاود النظر إلى سلوكنا البشري بهذه الطريقة ونحاول إيجاد المبررات والمسوغات لتصرف الأشخاص، فقد يكون هذا التفكير هو الأنسب والأمثل ولا ضير من ذلك.

0

شاركنا رأيك حول "وراء كل كسل عظيم ظروف وأسباب خفية، تعرّف إليها الآن"