قصر الباهية نموذجًا للعراقة بين روائع الفن المعماري المغربي!

0

لن تنتابك الحيرة حين تصل إلى مدينة مراكش المغربية، فكيف ذلك وأنت في مهد الحضارات المغربية، فكانت العاصمة الرئيسية للدولة المرابطية والموحدية ثم المرونية فالسعدييّن وأخيرًا العلويين، فمرور هذه الحضارات لم يكن عابرًا بل ترك البصمة الواضحة التي ما زالت راسخةً حتى وقتنا هذا، في الواقع مدينة كمراكش تفوح رائحة عبق التاريخ منها في شتى أرجاء الأرض لتؤكد على عراقتها وأصالتها، فهل يُعقل للسائح أن يحتار أو يمّل من مشاهدة عظمة حضارات متعاقبة في موقعٍ واحد!؟ فأمامك الأفق لتنطلق فيها للتجوّل في حديقة ماجوريل والاستمتاع بأجوائها وحدائق المنارة وضريح السعديين وغيرها الكثير، لكن وددت أن أقف على أعتاب قصر الباهية في مراكش لأعود إلى عهد الدولية العلوية، وأرقب حضارتهم عن قُرب.

قصر الباهية في مراكش

نشأة قصر الباهية

قصر الباهية

ينتصب هذا الصرح التاريخي المميز في مراكش منذ عهد الدولة العلوية في المغرب، ويعود الفضل في تشييد قصر الباهية إلى أحد وزراء السلطان عبدالعزيز ومنظم أمور الدولة وميسّرها الوزير أحمد بن موسى صاحب لقب “باحماد”، ويظهر على البنيان الاهتمام الكبير الذي منحه باحماد له باستقدام الأيادي الماهرة والصُنّاع، وأقدمهم في المهنة ليضعوا لمساتهم في بناء هذا الصرح التاريخي، ويشار إلى أنّ بناء قصر باهية قد دام لمدة ست سنوات من العمل الدؤوب.

الأجنحة والقاعات

قصر الباهية
أجنحة وقاعات قصر الباهية

بمجرد ما فُتحت أبواب القصر ووطأت قدماك أول المدخل ستُذهل مما ستراه من قاعات وأجنحة متعددة، والحدائق الغنّاء والأحواض وغيرها الكثير من الملحقات، وستكون قد زرت مكانًا سبقك إليه الكثير من العظماء كالتهامي الكلاوي والمدني الكلاوي، ونظرًا للفخامة وتمّيز الطراز المعماري الطاغي عليه، فقد أصبح مقرًا للمقيم العام الفرنسي في تلك الفترة “ليوطي”، ولا بد من التنويه إلى أنّه حتى تدخل القصر من بوابته الرئيسية لا بد من الذهاب إلى حي رياض الزيتون الحديث النشأة، والدخول من بوابة قرب حي السلام لمشاهدة أنوار أجمل رائعة من روائع  الفن المعماري المغربي خلال الفترة الزمنية ما بين القرنين التاسع عشر ومطلع القرن العشرين.

الرياض الصغير

قصر الباهية
الرياض الصغيرة في قصر الباهية

يتخذ هذا الجناح هيئة المدارس العتيقة ببنائِه على شكل أروقة تعتليها الأفاريز الخشبية ذات الزخارف الملونة الزاهية، وفُتحت الأبواب أمام الزوار لزيارة هذا الرُكن لمشاهدة موضع استقبال باحماد لضيوفه من كبار الدولة ورجالاتها، وتشير المعلومات إلى أنّ فناء الرياض مكسو بالرخام والزليج ويتوسطه أحواضٌ يبلغ عددها أربعة مع وجود نافورة متوسطة في الركن، وفي الواقع إنّ وصف هذا الركن على وجه الخصوص لن يمنحه حقه إطلاقًا، وإنما يتطلب معاينةً على أرض الواقع.

قصر الباهية من الداخل

قصر الباهية
قصر الباهية من الداخل

التجوّل في قصر الباهية من الداخل متعة لا تنتهي، وتتنامى الرغبة في اكتشاف المزيد كلما بدأت بدخول الأجنحة المنبثقة عن الصحن الذي يعتلي السقف، ومن هنا تتفرع القاعات والأجنحة الرائعة الجمال، ففي القاعة الشمالية جدران منقوشة بأبياتٍ شعرية ذات معنى غزير، أمّا الأبواب والنوافذ الخاصة بالقصر فإنّها مزدانة بالزخرفة الخاصة المعروفة باسم “التوريق”، وما يزيد من الجمال أنّ القصر استطاع الاحتفاظ بالألوان والنقوشات والزخارف كما هي حتى وقتنا هذا، فتشاهد الفسيفساء والزركشات وكأنّها الآن قد زُينت بها.

تسمية قصر الباهية

قصر الباهية
قصر الباهية

يجسد هذا القصر العريق أنموذجًا للحب الخالدِ على مر الأزمان، فقد شُيّد وحمل اسم الحبيبة “الباهية” زوجة الوزير با أحماد كعربون مودة ومحبة وتعبير عن عميق الحب والعشق، بالرغم من أنّه كان سيدًا لأربعٍ وعشرين جاريةً وزوجًا لأربع زوجات، إلّا أنه قد كان للباهية النصيب الأكبر من الحب والتقدير والشغف؛ نظرًا لجمالها وغزارة علمها، وقد حمل القصر اسمها على مر الأزمان ليخلد قصة الحب الأزلية تلك، ونعلم بها نحن بعد أجيالٍ من وفاة أبطال القصة.

الطراز المعماري

قصر الباهية
الطراز المعماري في قصر الباهية

في البداية قد تندهش لهذه المعلومة، إنّ هذا القصر العظيم لا يتألف سوى من طابقٍ واحد فقط، لكنه تمكن بهذا الطابق من سلب عقول زوّاره ورواية أحداث التاريخ التي وقعت قبل 150 عامًا، هذا وقد أصبح القصر تحفةً معماريةً تروي كل زاوية فيه حكايةً خاصة بها، ويشار إلى أنّ الزخارف ذات طابع الفن المعماري المغربي قد زادت من لهفة السائح لزيارته والاطلاع على حضارة الدولة العلوية التي أقامت بين أسواره، وبناءً على ما تقدم من ذكرٍ للمعلومات حول جمال بنيان وجدران وساحات وفناء وزخارف، فقد أصبح محطًا لأنظار الكثير من منتجي ومصوّري الأفلام العالمية والعربية، ومن أشهر الأفلام التي صُوّرت به فيلم كازبلانكا لمايكل كورتيز، وغيرها الكثير.

مكانة قصر الباهية السياحية

قصر الباهية في مراكش
قصر الباهية في مراكش

من الطبيعي أن يكون هذا المَعْلم التاريخي نقطة جذبٍ سياحيةٍ للزوّار من مختلفِ أنحاء العالم، ومن وجهة نظري من الممكن أن تُخط سطور رواية عشق مستوحاة من أحداث قصةِ قصر الباهية، وما زاد من مكانة القصر في الوقت الحالي هو نزول ملك المغرب الملك محمد الخامس به بعد استقلال البلاد مُعلنًا اتخاذه مقرًا لمؤسسة التعاون الوطني.

لا بد من ازدياد الرغبة لدى كل من قرأ هذا المقال في مشاهدة المزيد من القصر، وتاليًا فيديو يستحضر جماله:

الإرث التاريخي في المغرب عظيم جدًا منح البلاد أثمن الكنوز التي لا تنضب على مر التاريخ، فعندما يجتمع جمال الطبيعة والإرث التاريخي في بلدٍ واحدٍ، فإنّ ذلك يجعل منها أيقونةً لم يأتِ بها الزمان من قبل.

شاركنا رأيك حول "قصر الباهية نموذجًا للعراقة بين روائع الفن المعماري المغربي!"

أضف تعليقًا