هبوط الصين على القمر
0

كان الخبر المثير للجدل في الشهرين الأخيرين من هذا العام هو: “رفعت الصين علمها على سطح القمر بعد أكثر من خمسين عامًا من رفع الولايات المتحدة علمها لأول مرة على سطحه”. طبعًا، وبما أنها ليست أول مرة يضجّ خبر رفع علم على سطح القمر، فقد كان هناك الكثير من النقّاد، وغيرهم من المؤيدين، فمنذ أن ضجّ العالم بخبر رفع الولايات المتحدة لعلمها خلال مهمة قامت بها المركبة الأمريكية أبولو 11(Apollo 11) في 20 يوليو 1969 والتي كانت مأهولة، إذ كان على متنها رائدا الفضاء نيل أرمسترونج (Neil Armstrong) وباز ألدرين (Buzz Aldrin)، أثار خبر هبوط الصين على القمر دهشة الكثيرين، سيما وأن جميعنا يتشوّق إلى أي إنجاز جديد على مستوى عالمي.

ومع ذلك ومن جهة أخرى، ظهر الكثير من المشككين أيضًا في صحة هذا الحدث، وبدأت الادعاءات بتكذيب هبوط أمريكا على سطح القمر تنشط، مع توجيه أصابع الاتهام إلى مَن كان لهم يدٌ في توثيق حدث الهبوط بأية طريقة ممكنة، ومع ظهور خبر سبر الفضاء بواسطة الصين، احتدمت المنافسة بين مؤيد ومعارض، فهنا صار لدينا دولتان تقرّان الوصول إلى القمر، هل يُعقل أن كليهما كاذب؟ هل هي منافسة غير شريفة فقط للنيل من عقولنا؟ إذًا أصبح السؤال الأكثر أهمية هنا: أيهما كان هبوطًا مزيفًا؟ هبوط الصين على القمر أم أمريكا؟ ربما كليهما كاذب، وربما هبط كلاهما.. دعنا نستوضح بعض الأمور في هذا المقال.

اقرأ أيضًا: الهبوط على القمر حقيقة… أم خيال؟!

بين هبوط الصين على القمر وهبوط أمريكا: هل الأمر كله حقيقة أم خيال؟!

الهبوط على سطح القمر
رائد فضاء على سطح القمر

هبوط أمريكا على سطح القمر

بينما كانت الولايات المتحدة لا تزال متأخرة عن الاتحاد السوفيتي في تطورات عالم الفضاء، رحّبت الحرب الباردة آنذاك باقتراح الرئيس كينيدي بإرسال رواد فضاء إلى القمر، وبعد ذلك، أجرت الإدارة الوطنية للملاحة والفضاء “ناسا” أول مهمة مقادة بواسطة “مركبة أبولو” لاختبار السلامة الهيكلية المفروض وجودها لتهيئة مركبة الإطلاق المقترحة.

سارت عدة رحلات في برنامج أبولو للهبوط، مثلًا، في أكتوبر 1968، كانت مركبة أبولو 7 أول مهمة مأهولة دارت حول الأرض لاختبار نجاح الأنظمة المعقدة اللازمة للقيام بهبوط القمر، وفي ديسمبر من ذات العام، سارت أبولو 8 مع 3 رواد فضاء بجولة إلى الجانب المظلم من القمر، وهكذا حتى جاء اليوم المعهود، أمام ملايين المشاهدين، أقلعت أبولو 11 من مركز كينيدي للفضاء في يوم 16 يوليو 1969، وفي 19 يوليو، دخلت أبولو 11 في مدار حول القمر، وفي اليوم التالي، انفصلت المركبة عن وحدة القيادة.

شق أرمسترونغ طريقه من فتحة المركبة ونزل باستخدام السلم إلى سطح القمر، بينما سجلت كاميرا تلفزيونية متصلة بالمركبة هبوطه، وأرسلت تلك الإشارة إلى الأرض ليشاهدها الجميع بأم أعينهم، انضم إليه ألدرين بعد 19 دقيقة. وضعوا العلم والتقطوا صور للتضاريس..

هبوط الصين على سطح القمر
نيل أرمسترونج على سطح القمر

رغم هذا النجاح، وعمل 400 ألف موظف ومقاول في ناسا لوضع أرمسترونغ وألدرين على سطح القمر، إلا أنه كان لا بد من وجود من يعتبر هبوط أمريكا على سطح القمر عبارة عن فيلم سينمائي من الأفلام التي تبرع بإنتاجها في هوليوود! كان أولئك ضمن قائمة المؤمنين بنظرية المؤامرة، نعم فمهمة كهذه ليست بالسهلة، ومن جهة أخرى، في كل شيء يحدث على سطح الأرض، لا بد من وجود رأي وتفسير مضاد لدى شخص ما.

يمكننا القول أنه انبعثت شرارة نظرية المؤامرة من فم رجل يدعى بيل كايسنج (Bill Kaysing)، وهو كاتب، بدأ فكرته بالكتابة عن موضوع الهبوط والتي زجّها بكتيّب سمّاه “لم نذهب إلى سطح القمر قَط: عملية النصب الأمريكية بـ30 مليار دولار We Never Went to the Moon: America’s Thirty Billion Dollar Swindle”، كان ذلك بسبب إيمانه أن الولايات المتحدة تفتقر إلى البراعة التقنية للوصول إلى القمر، وبجمع بعض النظريات والأدلة السطحية السخيفة، جمع حوله بعض المتآمرين، وازدهرت نظريات المؤامرة منذ عام 1969.

هبوط الصين على سطح القمر

الصين السبّاقة إلى العلم والاكتشاف دائمًا، جعلت من نفسها في المرتبة الثالثة بين الدول التي نجحت بالهبوط على سطح القمر، بعد الاتحاد السوفييتي وأمريكا. أطلقت الصين مركبتها تشانغ آه-5 (Chang’e-5) غير المأهولة، ووفقًا لوسائل الإعلام الحكومية الصينية، عادت Chang’e-5 من مهمتها إلى الأرض حاملةً للبلاد عينات القمر الأولى، أُخذت العينات من منطقة على القمر لم تتم زيارتها من قبل.

انطلق المسبار من موقع إطلاق مركبة الفضاء في وينتشانغ في هاينان، في 24 نوفمبر 2020. هبطت المركبة على جهة جانبية من سطح القمر في الأول من ديسمبر، قامت المركبة بمهمتها- والتي هي جمع العينات- خلال يومين، ثم وفي طريق العودة إلى الأرض، حملت كبسولة العودة حوالي 1.731 كغ من المواد القمرية إلى سطح الأرض وذلك في 16 ديسمبر، حيث أُخذت العينات التي ستساعد العلماء على فهم أصول القمر وأسس نشوئه.

أما بالنسبة لحقيقة رفع العلم، فيعود ذلك إلى العام 2013، إذ تم التقاط الصورة في ذاك العام ولكنها نُشرت حديثًا، حيث نشرت مركبة تشانغ آه-5 صورة صغيرة لعلم الصين الأحمر ذو الخمس نجوم وذلك في 3 ديسمبر 2020، اعتمدت الصين على ذراع آلية لرفع العلم نظرًا لأن المركبة كانت غير مأهولة كما قلنا، حيث وجب أن يزن نظام رفع العلم بالكامل حوالي أقل من 1 كغ للحفاظ على وزن المركبة، كما صممت الذراع بشكل قادر على تحمل التغيرات المفاجئة في درجات الحرارة أثناء الانطلاق والإشعاع الشمسي وبيئة القمر الخالية من الهواء.

جزء من الذراع الحاملة للعلم
جزء من الذراع الحاملة للعلم (إلى الأسفل واليمين)

ولكن لم يخلُ ذلك أيضًا من تدخل أنوف المتآمرين، فكانت الأسئلة موجهة عن كيفية صمود العلم في ظل التغيرات المناخية التي تعرّض لها خلال سنوات تواجده على سطح القمر…

اقرأ أيضًا: للمشككين 😛، هكذا رفرف العلم الأمريكي على سطح القمر بدون هواء وبدون غلاف جوي!

أيهما كان هبوطًا مزيفًا؟ هبوط الصين على القمر أم أمريكا؟

كاختصار لما سبق، نستنتج أنه في برنامج أبولو والذي وضع الرجال لأول مرة على سطح القمر، بعثت الولايات المتحدة بـ12 رائد فضاء على مدى 6 رحلات جوية من عام 1969 إلى عام 1972، وعادت بـ382 كغ من الصخور والتربة، وها هي الصين قد عادت بعينات من التربة والصخور ورفعت علمها على سطح القمر منذ عام 2013. هذا ما توصلت إليه الأبحاث وبالإثباتات والدلائل، ولكن لا يخلو الأمر كما قلنا من ظهور المكذبين والمشككين، لذا، إليكم بعض التبريرات لدحض هذه الأفكار السوداوية.

حول علم الصين

هبوط الصين على القمر
علم الصين

أكثر التساؤلات التي نشأت بعد خبر هبوط الصين على القمر كانت حول إمكانية صمود العلم الذي يبلغ عرضه مترين وطوله 90 سم، ولذا جاء الرد بأن علم الصين الذي ثُبّت منذ تلك المدة على سطح القمر، يزن 12 غرام فقط، ومُصمم بحيث يمكنه الحفاظ على ألوانه الحقيقية تحت اختلاف درجات الحرارة بمقدار ±270 درجة فهرنهايت. صرّح مسؤولون صينيون أن العلم مُصمم ليكون مسطحًا ومقاومًا للتجاعيد، أي لا يمكن أن ينسدل أي جزء منه. أمضى فريق المهمة أكثر من عام في اختيار مواد العلم، واختيرت على أساس تحمّل البيئة القاسية للقمر، لا تشوّه ولا تلاشي للون.

دحض نظريات المؤامرة ضد أمريكا

بدأت نظريات المؤامرة ضد أمريكا بافتراض أن الهبوط كان خدعة قامت بها الولايات المتحدة للفوز بسباق الوصول إلى الفضاء مع السوفييت، والتي كانت أول من حطّ على سطح القمر، ولكن على الرغم من ذلك، تم دحض هذه الادعاءات:

رفرفة العلم الأمريكي باتجاه الرياح

هبوط الصين على القمر
العلم الأمريكي على القمر

رفرف العلم الأمريكي باتجاه الرياح، مع العلم بافتقار القمر لوجود الهواء. وجاء الرد بأن هذا العلم الأمريكي ليس عاديًا، فلو كان عاديًا كان وكأنه على سطح الأرض (بعدم وجود نسمات الهواء)، سينسدل إلى الأسفل، ولكن لن يكون منظره جذابًا كفاية، لذا صممت ناسا أعلامًا بقضيب أفقي ليجعلها تبرز من سارية العلم. كان القلق سائدًا أيضًا من سقوط السارية بعد غرسها بسطح القمر، لذا فقد التقطت الصورة فورًا وما زال العلم يتحرك عُقب مسكه وغرسه من قبل الرواد.

حقيقة عدم وجود نجوم في صور سماء القمر

الهبوط على القمر

إذا سبق لك واستخدمت الكاميرا، فمن السهل أن تفهم السبب، تعتبر النجوم باهتة نسبيًا بالنسبة لتعرّض الرواد لضوء النهار، حيث كان سطح القمر مضيء نسبيًا (بسبب الشمس)، وارتداء رواد الفضاء بدلات بيضاء عاكسة، جعل التقاط الكاميرا للنجوم صعب بشكل أكيد، فسرعة المغلاق للكاميرا التي يستخدمها رواد الفضاء فائقة جدًا أيضًا، لدرجةٍ يصعب خلالها التقاط الأضواء الخافتة جدًا للنجوم.

الظلال في الصور ليست صحيحة

في الصور، يمكنك رؤية عدة أشياء على الرغم من وجودها في الظل. يجادل المشككون بأنه لو كانت الشمس هي المصدر الوحيد للضوء، فلن يكون الأمر كما هو عليه في الصور، لذا اقترحوا بأنها إضاءة هوليوود الخاصة. حقيقةً، على الرغم من أن الشمس هي المصدر الرئيسي لإضاءة القمر، إلا أنها ليست مصدر الإضاءة الوحيد، هناك مصدر آخر ألا وهو الأرض القمرية؛ والتي هي انعكاس ضوء الشمس عن الأرض، والذي يتبعثر في عدة اتجاهات، وينتشر جزء صغير منه في الظل الذي تكلمنا عنه.

لا يمكننا رؤية كاميرا أرمسترونغ

في الصورة السابقة، صوّر أرمسترونغ ألدرين، ويمكننا رؤية أرمسترونغ بوضوح على خوذة ألدرين، ولكن لا يبدو أن أرمسترونغ يحمل كاميرا، فكيف ذلك؟ الجواب بسيط، لم يستطع أرمسترونغ المشي بكاميرا عادية على سطح القمر، لذا كانت الكاميرا التي استخدمها مثبتة في مقدمة بدلته.

اقرأ أيضًا: ناسا تطلب من نوكيا وضع انترنت الجيل الرابع على القمر

0

شاركنا رأيك حول "أيهما كان هبوطًا مزيفًا على القمر؟ هبوط الصين أم أمريكا؟"

أضف تعليقًا