اختراعات وابتكارات مميزة غيّرت العالم – الجزء الثاني

0

عندما تتخيل المخترعين والمبتكرين ربما ترى في مخيلتك شخصاً عبقرياً في مختبر ما محاطاً بأجهزة وأدوات مذهلة ومعقدة ويقوم بعمل تجارب وتصميمات وحل معادلات رياضية إلى أن يصل إلى نتيجة صحيحة وفي هذه اللحظة يكشف الستار عن اختراع جديد أو تقنية جديدة قد تغير كل شيء.

جزء كبير مما سبق صحيح، هناك الكثير من التجارب والأبحاث والتصميمات عندما يتعلق الأمر بابتكار جديد ولكن الأمر يتطلب وقتاً أطول مما نظن كما أنه قد يتطلب أكثر من شخص واحد ليقوم بذلك. كما سنرى في الابتكارات العشرة التالية، فإن أحداً منها لم يأتِ من فراغ كل واحد منها ظهر بفضل ابتكارات أخرى لمخترعين آخرين منذ عشرات أو حتى مئات السنين، لكل ابتكار مشكلة ما وقد لا يمثل الاختراع قيمة حقيقية إلى أن يأتي مخترع أخر بحل لهذه المشاكل كما قد لا ينسب كل الفضل للمخترع الأصلي ولكن يكون القدر الأكبر من نصيب المخترع الذي قام بعمل التطوير الحاسم الذي جعل الجميع يرغب في هذا الاختراع.

الثلاجة

الثلاجة

الثلاجة في أبسط صورها عبارة عن مساحة معزولة حرارياً ومضخة حرارية (ميكانيكية أو إلكترونية أو كيميائية) تعمل هذا المضخة على نقل الحرارة من داخل الثلاجة إلى خارجها مما يساهم في تقليل معدل تكاثر البكتيريا بسبب انخفاض الحرارة وحفظ الأطعمة من التلف. تعتمد الثلاجة في عملية التبريد على استغلال طريقة المواد في امتصاص وفقد الحرارة وفقاً لتغير حالاتها الفيزيائية من غازية إلى سائلة والعكس، كحال معظم الابتكارات السابقة يصعب الإشارة إلى مخترع معين للثلاجة لأن مفهوم التبريد المستخدم كان منتشراً بكثرة وتم تطويرة تدريجياً على مدار 200 عام، قبل اختراع المبرد كان الناس يستخدمون ما يعرف بمنازل الثلج والتي كانت بمثابة مخزن لحفظ الأطعمة من التلف معظم فترات السنة وكانت تعمل جيداً وتُبنى في جوف الأرض أو بالقرب من البحيرات المتجمدة والماء العذب أو كان يتم ملؤها بالثلج الجليد لتقليل درجة الحرارة، يبدأ عصر المبردات الصناعية عندما صمم البروفيسور الأستكتلندي ويليام كولين William Cullen آلة تبريد بسيطة في عام 1755 تستخدم مضخة لتحريك بخار جزئي فوق حاوية بها مادة الإيثر والتي يتم عندها غليها لتبدأ في امتصاص الحرارة من الهواء المحيط بها، البعض يرجع بالفضل الى المخترع الأمريكي أوليفر إيفانز Oliver Evans الذي قدم في عام 1805 تصميماً لوحدة تبريد تعتمد على دورة ضغط بخاري مغلق لإنتاج الثلج باستخدام مادة الإيثر، بينما ينسب آخرون الفضل  للبروفيسور الألماني كارل فون ليند  Carle von Linde والذي قدم تصميماً في عام 1876 مماثلاً للموجود في الثلاجات الحديثة اليوم، إذ اخترع طريقة لإسالة الغازات واستخدامها في التبريد وبفضل طريقته تم استخدام غازات مثل غاز الأمونيا وثاني أكسيد الكبريت حتّى عام 1920 عندما ظهر غاز الفريون المستخدم حالياً. وخلال العقود التالية لهذين الحدثين العديد من العلماء ومنهم ألبرت أينشتاين عملوا على صقل وتطوير وتحسين تصاميم الثلاجات إلى أن وصلت لما هي عليه اليوم.

فكرة عمل الثلاجة الحديثة بشكل مبسط
فكرة عمل الثلاجة الحديثة بشكل مبسط (ضغط البخار ثم تكثيفه إلى سائل ثم صمام التمديد -بخار وسائل- ثم التبخير من سائل إلى بخار)

في بدايات القرن العشرين، كانت لا تزال عملية جمع الثلوج الطبيعية من المناطق المثلجة من أجل استخدامها في التبريد أمراً شائعاً ولكن صناعات عملاقة مثل مصانع الجعة كانت قد بدأت في استخدام آلات صنع الثلج لتسريع وتيرة الإنتاج وبحلول الحرب العالمية الأولى كانت عملية جمع الثلوج الطبيعية من أجل أغراض صناعية من الأمور النادرة، بالرغم من ذلك لم يصبح استخدام الثلاجات أو المبردات في المنزل أمراً طبيعياً إلا عندما تم تطوير وإنتاج المواد الكيميائية الآمنة المستخدمة في التبريد في فترة عشرينيات القرن العشرين.

القدرة على حفظ الطعام في درجة حرارة منخفضة لإطالة فترة بقائه صحياً بالإضافة لحفظ الأطعمة أيضاً خلال عمليات نقل البضائع ساهمت في تغيير عمليات صناعة وإنتاج الطعام بشكل كبير بالإضافة لعادات استهلاك الطعام حول العالم، اليوم يمكننا الوصول بسهولة للحوم الطازجة ومنتجات الألبان حتّى في أشد شهور الصيف حرارة ولسنا مضطرين للاعتماد على جمع الثلوج الطبيعية التقليدية لحفظ الطعام والتي لم تكن بأي حال من الأحوال لتتمكن من مجاراة الارتفاع التدريجي لدرجة حرارة الكوكب أو التضخم الكبير في أعداد البشر وكميات استهلاكهم.

الاتصالات

communicate

ربما يرى البعض أن دمج التلغراف والتلفون والراديو والتلفاز في اختراع واحد ليس بالأمر الصائب ولكن السبب في ذلك هو انهم جميعاً متشابهون من حيث الفائدة، كما أن التطور في تكنولوجيا الاتصالات كان مستمراً وتميز بوتيرة سريعة نسبياً منذ اختراع سامويل مورس للتلغراف الكهربائي في عام 1836 والذي بالطبع كان أيضاً مبنياً على أعمال واكتشافات مخترعين آخرين، وتلا ذلك النظام التلفوني الذي سمح بانتقال الصوت فعلياً عبر أسلاك نحاسية بدلاً من بعض النغمات والأصوات التي تتم ترجمتها لاحقاً لنصوص باستخدام شفرة مورس، بالطبع وسائل الاتصالات هذه كانت تتم بين كل شخصين على حدى وهو ما تطلب بنية تحتية عظيمة من الأسلاك لتحقيق الاتصال بين كافة الأشخاص.

أمّا في حال إرسال الإشارات لاسلكياً باستخدام الموجات الكهرومغناطيسية أو موجات الراديو تحديداً فالأمر لا يتطلب كل هذا التعقيد كما إنه أرخص بكثير وأكثر أماناً وقد عمل العديد من المخترعين والعلماء حول العالم على تطوير الاتصالات اللاسلكية ولكن ماركوني ونيكولا تسلا كانا الأكثر شهرة وذاع سيطهما في بدايات القرن العشرين وفي نهاية المطاف تمكن العالم من إرسال أول رسالة صوتية لاسلكياً وعمل المهندسون بعد ذلك تدريجياً على أرسال الصور أيضاً، التلفاز والراديو كانا من الإنجازات العظيمة في الاتصالات لأنهما أتاحا لطرف واحد أن يرسل الرسائل الصوتية والمرئية لملايين البشر حول العالم طالما يمتلكون أداة استقبال.

تلك التطورات الضخمة في الاتصالات ساهمت في تقليص حجم العالم بالرغم من نموه، في أقل من 120 عاماً تحولنا من عالم قد يتطلب الأمر فيه أسابيع لمعرفة الأخبار التي حدثت في الطرف الآخر من بلدك إلى عالم يمكنك فيه مشاهدة الأحداث التي تجري في الطرف الآخر من الكرة الأرضية أثناء حدوثها وأنت في منزلك. سمح ظهور وسائل الاتصالات ذات النطاق الواسع لنا بالوصول لكم هائل من المعلومات وغيرت الطريقة التي نتفاعل بها مع بعضنا البعض بل يمكننا القول إنها غيّرت العالم تماماً.

السيارات

سيارة كارل بينز - Motorwagen
سيارة كارل بينز – Motorwagen

إذا كانت المحركات البخارية قد أضافت الحركة والحيوية لقطاع الصناعة فقد أضافته السيارات للناس أيضاً، في الواقع فكرة المركبات أو وسائل النقل الخاصة والشخصية ظهرت منذ سنين عديدة مضت ولكن اختراع كارل بينز الذي أطلق عليه اسم Motorwagen أو العربة ذات المحرك في عام 1885 والتي كانت تعمل بمحرك احتراق داخلي يعتبرها الجميع كأول سيارة حديثة في العالم. تبع ذلك الحدث الهام في حياة البشرية التطويرات والتحسينات التي أضافها هنري فورد على عملية الإنتاج وبالطبع التسويق، ما جعل فكرة اقتناء سيارة خاصة فكرة مقبولة بالإضافة للسعر المناسب الذي ساهم في جعل هذه السيارات البدائية في متناول يد كافة الأمريكيين وأوروبا من بعدهم. للسيارات اليوم أثر كبير جداً على الاقتصاد والمجتمع والثقافة عموماً، معظمنا اليوم يمكنه أن يركب سيارته ويذهب أينما شاء وقتما شاء ولن يعيقه شيء، كما أن المدن أصبحت أكبر حجماً دون أدنى قلق من بُعد المسافات كما إن بناء هذه المدن متمحور بشكل أساسي حول مداخل ومخارج وطرق السيارت الممهدة بالإضافة لأماكن رصفها وفي أغلب المدن اليوم ستجد أن السيارات وملحقاتها تحتل المساحة الأكبر منها وفي القطاع الصناعي فلا شك أن صناعة السيارات من أكثر الصناعات ربحاً حول العالم فشركة تويوتا اليابانية تمثل الشركة الأكثر ربحاً في العالم ولا شك أن صناعة السيارات ساهمت في زيادة معدلات النمو الإقتصادي للعديد من الدول تماماً مثلما ساهمت في زيادة معدلات التلوث والضوضاء والحوادث.

الكومبيوتر

ENIAC اول حاسوب الكتروني متعدد الأغراض
ENIAC أول حاسوب إلكتروني متعدد الأغراض

الكومبيوتر بالنسبة لأغلبنا لا يحتاج إلى تعريف فهو ببساطة شديدة آلة يمكنها أن تستقبل المعلومات بطرق مختلفة وتقوم بمعالجتها ثم إخراج معلومات جديدة او نفس المعلومات ولكن بشكل مختلف، كحال الاختراعات السابقة لا يوجد مخترع واحد للكومبيوتر الحديث بالرغم من أن أفكار الرياضي البريطاني ألان تورينج تعد ذات أثر بارز في مجال الحوسبة، نظرياً مفهوم الحاسوب قد يمتد لآلاف السنين عندما ظهرت أدوات العد والحساب البدائية في الحضارات القديمة ولكن عملياً ظهرت أجهزة الحاسوب الميكانيكية في القرن الثامن عشر بينما ظهرت أجهزة الحاسوب الإلكترونية في القرن العشرين. أجهزة الحاسوب قادرة على أداء عمليات حسابية معقدة بسرعة كبيرة جداً وعلى هذا الأساس البسيط جداً تمكنت البشرية من تحقيق معظم إنجازاتها الضخمة في القرن العشرين والواحد والعشرين بفضل هذه الآلات، بدءاً من فك تشفير الجينوم البشري وصولاً إلى إرسال المركبات إلى الفضاء. إذا نظرنا جيداً لاستخدامات الكومبيوتر اليوم سندرك كيف نعتمد عليه بشكل كبير في حياتنا اليومية، لقد سمحت لنا أجهزة الحاسوب بتخزين كميات هائلة من المعلومات واسترجاع أجزاء منها لحظياً عند الحاجة معظم الأشياء التي نراها اليوم من المسلمات وبديهيات الحياة اليومية لم تكن لتعمل لولا الكومبيوتر بدءاً من السيارات والمصانع ووصولاً إلى الهواتف.

الإنترنت

Internet_Key_Layers

الإنترنت عبارة عن شبكة من شبكات الكومبيوتر أو لنقل شبكة كومبيوتر تغطي الكوكب بأكمله، تسمح لنا هذه الشبكة بالوصول إلى كم هائل من المعلومات في أي مكان وفي أي وقت، يمتد تأثير الإنترنت إلى الاقتصاد والتجارة والاتصالات والترفية وحتّى السياسة، ربما لم يغير الإنترنت العالم كما غيره المحراث ولكن يمكننا مقارنة تأثير الإنترنت على حياة البشر بتأثير السيارات والمحرك البخاري. وكالة مشاريع أبحاث الدفاع المتقدمة الأمريكية أو كما يشار إليها اختصاراً بـ DARPA تعد الذراع البحثي لوزراة الدفاع الأمريكية وقد أنشأت شبكة من أجهزة الحاسوب أطلقت عليها ARPANET في أواخر ستينيات القرن العشرين وقد أنشئت هذه الشبكة البدائية بغرض إجراء الأبحاث في المجالات العسكرية والأكاديمية ويمكننا اعتبارها النواة الأولى للإنترنت.

في السنوات التالية بدأت شبكات أخرى كبيرة في الظهور حول العالم وفي أواخر السبعينيات تمكن علماء الكومبيوتر من تطوير البروتوكول الشهير TCP/IP، يمكننا أيضاً ان نعتبر هذه اللحظة الرسمية لميلاد الانترنت، إذ تلا ذلك بعض التطويرات وبدأت الشبكات الأخرى حول العالم باستخدام هذا البروتوكل والاتصال ببعضها البعض وبهذا بدأ نطاق الإنترنت في الاتساع رويداً رويداً إلى أن وصل لمرحلة الهيمنة العالمية التي نراها اليوم. الإنترنت اختراع قوي وعظيم والذي بدأنا في رؤية أثره الحقيقي على العالم مؤخراً، القدرة على جمع ونشر المعلومات بهذه الكفاءة قد يزيد من سرعة ظهور اختراعات أخرى يمكنها تغيير العالم.

المصدر

شاركنا رأيك حول "اختراعات وابتكارات مميزة غيّرت العالم – الجزء الثاني"

أضف تعليقًا