جيهان السادات قصة سيدة من مصر: أشياء لا تعرفها عن حياة أم الأبطال

كتاب سيدة من مصر
دعاء رمزي
دعاء رمزي

7 د

جمعت السيدة جيهان السادات بين مجموعة كبيرة من التناقضات التي شكّلت شخصيتها وجعلتها ليس فقط زوجة ثائر ولا رئيس جمهورية ولا سيدة مصر الأولى، بل من الملهمات عمومًا للمرأة في الكثير من المجالات، سواء العملية أو السياسية أو حتى في الحياة الأسرية، حتى لقبتها الصحافة المصرية وقت حرب أكتوبر 73 بلقب “أم الأبطال”؛ مما جعل كتاب السيرة الذاتية الخاص بها “سيدة من مصر – A Woman of Egypt” يتصدر قوائم كتب السيرة الذاتية الهامة في المكتبة العربية الحديثة كشاهدة على جزء من تاريخ مصر المعاصر.


جيهان السادات وحكايات سيدة من مصر

جيهان السادات

السيدة جيهان السادات هي زوجة رئيس مصر الأسبق الراحل محمد أنور السادات. لطالما اعتُبرت من السيدات اللاتي يشهد التاريخ المصري والعالمي بإنجازاتهن ودأبهن الحثيث في تحسين حياة ومصير الشعب المصري، ولعبت أدوارًا مهمة في السياسة المصرية بالإضافة إلى سعيها للنهوض بقضايا حقوق المرأة.
جيهان السادات

لاحظ هنا أننا نتحدث عن ستينات القرن العشرين والتي لم تكن المرأة فيها تطمح في أي شيء سوى الزواج وتكوين الأسرة، وحتى العمل وقتها كان وسيلة فقط لاختيار الزوج الأنسب.

فما العوامل التي ساهمت في نشأة أم الأبطال وتسببت في زواجها التاريخي من الثائر أنور السادات، وما سبب ارتفاع شأنها الشديد حتى بعد خروجها من القصر الجمهوري، وما هي الأشياء التي قد لا تكون تعلمها عنها؟ هذا ما سنتعرف عليه الآن ضمن استعراض سريع لكتابها “سيدة من مصر”.

ذو صلة

الحياة ليس فقط بين ثقافتين مختلفتين ولكن ديانتين أيضًا

جيهان السادات أم الأبطال - سيدة من مصر

وُلدت جيهان صفوت رؤوف في 23 أغسطس 1933 لرجل صعيدي أبًا عن جد، وأم إنجليزية التقاها والدها عند دراسته الطب في إنجلترا، ورغم التقاليد الصارمة وقتها واعتبار الإنجليز هم العدو الأكبر لمصر إلا أن العائلة الصعيدية المتحفظة وافقت على الزواج بعد صعوبات عدة ليعود الزوجان معًا ويعيشا في منطقة الروضة على النيل.

تحكي جيهان السادات في مذكراتها “سيدة من مصر” أن التناقض الغريب بين الثقافتين شكّل الكثير من الهويات بها، فهي ترى عمّاتها بطريقة ملابس وتعامل معينة بها الكثير من التحفظ، في حين أن والدتها لا تشبههن، حتى صلاة والدتها مختلفة مما أثار الكثير من التساؤلات المبكرة في ذهن جيهان عن التقاليد والدين والكتاب المقدس.

كتاب سيدة من مصر - جيهان السادات

فقد ظلت تشعر بالحيرة لتسأل والدتها يومًا:


لماذا أنت مسيحية ونحن مسلمون؟ وتشرح والدتها لها أن لا أحد يختار دينه وأن الشيء المهم أن نتذكر أن هناك إلهًا واحدًا لجميع الأديان ولا يهم كيف نعبده ما دام الإيمان في قلوبنا.

وربما اقتنعت جيهان بهذه الإجابة قليلًا أو لم تقتنع إلا أنها وجدت نفسها تعترف بالاختلافات الثقافية والدينية والحياتية في سن مبكرة للغاية وتتقبل الجميع بصدر رحب.

ومن التناقضات التي اختبرتها في حياتها أيضًا القدرة على الفصل الشديد بين كراهيتها للاحتلال الإنجليزي والتعاطف مع كل من يقاومه، وبين عشقها الشديد لوالدتها والتي كانت تفتخر دائمًا ببريطانيا العظمى ومعجبة بشخصية تشرشل وتراه أهم الأبطال، فهذا التناقض كان يمكن أن يُثير الكثير من المشكلات بينها وبين والدتها، ولكن لم يحدث هذا على الإطلاق، بل تقول جيهان إنها تعلمت من والدتها أن تفتخر بوطنها مصر كما تفتخر هي بوطنها بريطانيا.

اقرأ أيضًا:


نذرت نفسها للزعامة والثورة منذ الطفولة

جيهان السادات أم الأبطال - سيدة من مصر

ترتيب جيهان الثالث بين إخوتها، ويكبرها شقيقين ولكنها تقول “كنت أعتبر نفسي زعيمة” وتؤكد لعمتها أنها سوف تفعل شيئًا خاصًا عندما تكبر، وتقول أن حديثها عن الزعامة وأنها سيكون لها شأن في المستقبل كان يُثير ذعر عمّتها المفضلة زوزو، ولكنها كانت تطمئنها دائمًا بأنها ستكون طيبة دائمًا معهم.

وكان شعورها هذا يحركها لقيادة أشقائها لمغامرات عدة كادت واحدة منها أن تقضي على حياة شقيقتها غرقًا وقت طوفان النيل عندما خاضت جيهان معها مغامرة لإنقاذ قطة لتسقط شقيقتها الصغيرة في النهر ويحاول الشقيقان إنقاذها بأعجوبة بعد صراع كبير كاد أن يودي بحياتهما أيضًا، لتنال جيهان وقتها أول وأقسى عقاب من والديها بالتعنيف والضرب والصراخ بعد أن كادت مغامرتها تودي بحياة أشقائها، لتتوقف بعد ذلك عن المغامرات لكن تظل لها كلمة مسموعة لديهم.

وقد تحقق شعور جيهان بالفعل، ليس فقط بعد أن أصبحت زوجة واحد من أهم الثوّار المعادين للملك والإنجليز وسيدة مصر الأولى والتي اقتحمت بشجاعة العمل العام في تجربة استثنائية ولكن قبل ذلك بكثير.

السيدة جيهان السادات

فمنذ بلوغها عامها الثاني عشر وتأثرت للغاية بموجة الوطنية التي كانت تجتاح البلاد، وخصوصًا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وانتصار البريطانيين وارتفاع حدة التساؤلات عن سبب مكوثهم في مصر ولماذا لا يرحلون إلى بلادهم.

كل هذا رغم أن والدها لم يكن مهتمًا حتى بقراءة الجرائد ولم يكن في أسرتها أي سياسي اللهم إلا زوج ابن عمّتها والذي قابلت في منزله فيما بعد أنور السادات، لكنها كانت تجد في نفسها الجرأة لتهتف أثناء سير الموكب الملكي أن “مصر للمصريين“، فتنظر لها زميلاتها على أنها “مخبولة”.


إعجابها الشديد بهدى شعراوي ودورها في تمكين المرأة المصرية

جيهان السادات

اهتمام جيهان السادات بقضايا المرأة وحريتها وحقوقها جاء متزنًا إلى حد كبير دون تطرف من المهتمين عادة بهذا المجال مع التركيز على القضايا الحيوية التي تهم بالفعل قطاعًا عريضًا من النساء، فرغم عدم التزامها بالحجاب إلا أن هذا لم يجعلها أبدًا تهاجمه سواء لاحترامها للأغلبية العظمى من النساء في بلادها أو لإيمانها بالحرية.

وتأثرت جيهان بشدة في طفولتها بهدى شعراوي فتقول في كتاب”سيدة من مصر”:


“وكما أشعلت أمي الإنجليزية في أعماقي حبي لمصر، فقد أشعلت العمة زوزو وصديقاتها في داخلي الافتخار بالنساء”.

وهي تقصد هنا كل البطلات العربيات والمسلمات والمصريات، سواء ملكات أو شاعرات أو قديسات أو محاربات، فقد افتتنت بشدة بقصة الخنساء الشاعرة الشهيرة وحتى السيدة خديجة والسيدة عائشة وغيرهن من أمهات المؤمنين والصحابيات اللاتي أثرن في المجتمع سواء قبل أو بعد الإسلام، لتدرك جيهان أن دور المرأة في المجتمع ليس فقط أن تكون زوجة وأم كما كانت هي نفسها ترغب وتنذر حياتها، ولكن أن يكون لها اهتمام بالشأن المجتمعي أيضًا من صميم واجباتها ولا يتعارض مع دينها أو أنوثتها.

وفي العصر الذي ولدت وعاشت فيه جيهان كانت هدى الشعراوي من المناضلات الحديثات الشهيرات والتي حاولت نيل مجموعة واسعة من الحقوق أهمها السماح للفتيات بالتعليم ورفع سن الزواج ليكون 16 سنة بدلًا من 10 و12 سنة، وإلغاء الدعارة وختان البنات، وتحديد تعدد الزوجات.

لكنها لم تتمكن فعليًا إلا من تحقيق الهدف الأول وهو رفع سن الزواج، وأطلقت الشرارة نحو تمكين المرأة المصرية، التي التقطها بعدها مجموعة كبيرة من المطالبات بحقوق المرأة ومنهم جيهان نفسها والتي تمكنت فعليًا من تعديل بعض القوانين الخاصة بالمرأة وعلى رأسها قانون الأحوال الشخصية بالإضافة لدعم الدور السياسي للمرأة.


رفضت تنفيذ وصية زوجها بالدفن في سيناء

جيهان وأنور السادات

“لم أستطع التعرف عليه في أول مرة رأيته، ربما لأن الساعة كانت الثانية صباحًا وأنا في مطبخ عمتي في السويس أساعد في تحضير وجبة سحور رمضان، وربما كان هذا لعدم ورود احتمالات الموقف أبدًا. فكيف يتأتى وجود هذا البطل القومي في صالة منزل ابن عمتي؟ هذا لا يُصدقه عقل”.

لم تقع جيهان السادات في غرام زوجها أنور عند رؤيته في منزل قريبها بالسويس كما تذكر معظم المصادر، ولكن في الواقع افتتناها به وبشجاعته وبتحديه للإنجليز والملك كان هو المحرِّك الأساسي لها، والذي جعلها تعتبره النموذج الوحيد لمن يمكن أن ترتبط به في المستقبل، لتضحي في سبيل ذلك بحياة رغدة مرفهة كان سيوفرها لها ابن عمتها بسيارته ووظيفته المضمونة.

وكانت رؤيتها لأنور السادات في منزل ابن عمتها بالسويس إيذانًا برباط عميق وعلاقة استمرت أكثر من 30 سنة كان الود والتفاهم والاحترام هو محركها الأكثر قوة، وقد خاضت جيهان معركة قوية للفوز بأنور ليس فقط مع والدها الصعيدي ولكن أكثر مع والدتها الإنجليزية والتي كان من المستحيل تمامًا أن تجتمع هي وأنور معًا مع كراهيته الشديدة للحكومة الإنجليزية والاحتلال وافتتان والدة جيهان بوطنها.

ولكن يبدو أن القدر والنصيب والتحرر العقلي كان هو الغالب في هذه العلاقة ليست فقط الإنسانية ولكن التاريخية أيضًا حيث شاركت جيهان زوجها في كل المعارك التي خاضها داخل وخارج مصر إلا أنها تؤكد أن قراره دائمًا كان من عقله هو مهما طلب من استشارات من المحيطين به وهو ما كانت تحترمه فيه تمامًا وتقدره، إلا أنها لم تتمكن من تحقيق ذلك في تنفيذ وصيته الأخيرة.

فقد كان الراحل أنور السادات يرغب في دفن جثمانه في سيناء ليكون رمزًا على وحدتها وأنها ملك للجميع سواء مسلمين أو مسيحيين أو يهود، وكان يرغب بذلك أن يعيش الجميع بسلام فيها، إلا أنه بعد حادث المنصة وعندما سألها محمد حسني مبارك وقتها أين سيتم دفن الرئيس قررت دفنه في مكان قبر الجندي المجهول لأن زوجها كان يعتز دائمًا بجنديته وبالتحاقه بالجيش فرأت أن قبره لا بد أن يعزز هذا الفخر.


جيهان السادات حياة مثيرة

جيهان السادات

عاشت جيهان السادات حياة مثيرة ومديدة مليئة بالتناقضات والمخاوف والمغامرات كانت فيها مثال المرأة المصرية الشجاعة المتزنة والتي لا يكفي مقال واحد لسرد كل تفاصيلها، لتودِّع عالمنا في 9 يوليو 2021 عن عمر يناهز 88 سنة، وتنعها رئاسة الجمهورية عرفانًا بدورها سواء لأسر الشهداء في الحروب أو للمرأة أو حتى في دعم التحولات السياسية في مصر وتقدم لها وسام الكمال وتقرر إطلاق اسمها على محور الفردوس لتخليد ذكرى أم الأبطال.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة
متعلقات