ظهرت النقاشات حول العلاقة بين الالحاد ونظرية التطور لأول مرة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، إذ قدّم عالم التاريخ الطبيعي تشارلز داروين نظريته هذه لتقويض دورِ الدين.

آنذاك؛ توجهت جهود الكثير من الأكاديميين للبحث عن حقائق وأدلة لتقويض الحقائق الدينية، وإثارة الشكوك في نفس أتباع الأديان حول وجود الخالق.

أيضًا، يذكر بأن الفيلسوف توماس هوبز قد حاول مرارًا وتكرارًا تقويض كافة الحقائق الواردة في الكتاب المقدس، والتأكيد على أن النبي موسى لم يقم بكافة الأحداث المسجلة في الكتاب المقدس فعلًا؛ بل إنها أسطورة خرافية تتشابه مع أساطير الرومان والإغريق، وتحديدًا في سِفر التكوين وفق الاعتقاد.

انطلاقًا من إيمان أتباع تلك الفئة بأفكارٍ إلحادية؛ فقد بذلوا قصارى الجهد للخروجِ بالأفكار والأدلة التي تثبت للبشرية بأن كل ما يرد في كتب الأديان السماوية ما هو إلا من صنع الإنسان الأول ليس أكثر، وقد عملوا جاهدين على توطيد جذور الالحاد ونظرية التطور في كل مكان، فالبعض قد اقتنع والآخر ازداد إيمانًا بوجود الخالق.1

رواد الالحاد ونظرية التطور

برزت شخصيات عديدة في هذا السياق، والتي دخلت في سباقٍ شديد لبرهنة معتقداتها، ولعل المذكورين أدناه هم من أبرز رواد الالحاد ونظرية التطور :

  • تشارلز داروين:

هو عالم التاريخ الطبيعي والأحياء أيضًا، ذاع صيته بشكلٍ أكبر بعد أن جاء بنظرية التطور على هامش دراساتٍ متعمقة، وقد أكد خلالها على أن الانتخاب الطبيعي بمثابةِ العملية الأساسية لتطور الأنواع وتكاثرها ناكرًا بذلك بديع خلق الله تعالى بمخلوقاته، ولذلك فقد اقترن ذكر الالحاد ونظرية التطور معًا، باعتبارهما أفكار متطرفة ليس أكثر.2

  • توماس هوبز:

فيلسوف انجليزي سطع نجمه في القرن السابع عشر، وظهرت مساهمته ودعمه لأفكار الالحاد ونظرية التطور من خلال تأكيده عدم حدوث الأفعال حقًا مع موسى في سفر التكوين، وأن ذلك من وحي الخيال البشري ليس أكثر.3

  • يوهات غوتفريد إيكهورن:

جاء هذا العالم الألماني وأدلى بأدلته حول اعتبارِ محتوى سفر التكوين مجرد خرافات ولا يمكن أن تكون حدثت حقًا، مؤكدًا أن الإنسان العاقل لا يقرأ هذه الأساطير ويعتبرها كلمة الله، وذلك وفق قناعاته واعتقاداته، وقد ساهم بتوسيع نطاق الشكوك حول الكتاب المقدس بشكلٍ كبيرٍ.

  • الألماني ديفيد ستراوس:

مع حلول سنة 1853م وضع ستراوس لمساته فيما يتعلق في الالحاد ونظرية التطور؛ حيث أشار إلى أن القصص الواردة حول المسيح غير صحيحة بمعنى الكلمة، ولا يجوز أن تؤخذ القصص بحذافيرها لاعتبارها غير واقعية حسب رأيه.

  • الفيلسوف لودفيغ فويرباخ:

دخل فويرباخ بجدالٍ كبيرٍ مع المؤمنين سنة 1841م، إذ حاول جاهدًا إثبات وجهة نظره بأن “الله” من وحي خيال البشرية، وقد ابتكروه لفظ “الله” ليكون أداة روحانية للطمأنينة، والتخلص من المخاوف.

الجدال القائم

أثارت أفكار الالحاد ونظرية التطور موجة من الجدل والنقاش منذ اللحظة الأولى، فقد حاول دعاة هذا المذهب إثبات أن الحياة هي وليدة التطور للأنواع قديمًا، وليس بفضلِ وجودِ خالق يرعى شؤونها.

أما المؤمنون فقد رفضوا ذلك رفضًا قطعيًا؛ إذ أكدوا أن نظرية التطور عبارة عن علم يخضع لقوانينه كل ما يمكن تطبيق النظريات التجريبية والمنطقية عليه، أما أمر الدين والإيمان فهو منفصل تمامًا، وذلك لاعتبار أن الخالق، وكتبه السماوية، والأنبياء هي أمور خارقة للعادة والطبيعة، لا يمكن أن تُطبق عليها تلك النظريات التي جاء بها الإنسان.

فالتطور عاجز تمامًا على أن يأتي بالقواعد، والسلوكيات الدينية، والأحكام الشرعية، إلا أن الخالق لم يعجز عن ذلك أبدًا، كما أن نظرية التطور مجرد علم صامت لا يمكن له إحداث تغيير على الكون بشكلٍ مستمر، وإنما يقتصر أثره على أمورٍ محددة، بجوانب محددة، ولفترة زمنية أيضًا محددة، وتكون لا تمت بصلة للأمور التي يتطرق لها الدين؛ سواء كان المسيحي أو الإسلامي أو حتى اليهودي.4

المراجع