0

إنَّ الثورة الصناعية التي حدثت في أوروبا كان لها دورًا في التأثير على تقدّم وسائل النقل وازدهار الصناعة، فقبل ظهور المحرّك البخاري كانت المركبات البرّية تتحرّك بالدواب أو بالنقل الميكانيكي عن طريق دوران التروس والجنازير بالتحريك المستمر للأيدي أو الأرجل، والرحلات البحرية بالسفن الشراعية حيث تتحرّك بفعل طاقة الرياح وكثيرًا ما كانت الرحلات التجارية بين المدن ودول العالم بتلك الفترة تستغرق أيامًا وشهورًا.

لكن بفضل اختراع المحرّك البخاري الحديث عام 1796 على يد المخترع الاسكتلندي جيمس واط، انتقل تطوير وسائل النقل إلى حداثة ميكانيكية جديدة لم يرى لها مثيل، فتمَّ استخدام محرّكات الاحتراق الخارجي في السيّارات والسفن التي تعمل بالبخار المضغوط وتطوّرت معها وسيلة النقل بالسكك الحديدية باستخدام القطارات البخارية.

نموذج المحرّك البخاري لجيمس واط. المصدر: ويكيبيديا

وما لبث أن تتنشر وسائل النقل الجديدة في العالم، سرعان ما ظهرت محرّكات الاحتراق الداخلي في القرن العشرين والتي تعمل بوقود البنزين أو الجازولين “محرّكات الديزل” ومعها اكتسبت وسيلة النقل الجوّي عن طريق الطائرات أهميةً وازدهارًا، حيث أصبح العالم قريةً صغيرة بفضل سرعة الرحلات الجوّية التي تستغرق بضع أو عدّة ساعات فقط خلال اليوم.

ومن ثمَّ ظهرت المحرّكات الكهربائية التي تعمل بطاقة الكهرباء كتطورٌ ضروري لوسائل النقل في التقليل من ظاهرة التلوّث البيئي والاحتباس الحراري في العالم نتيجة انبعاثات الكربون من المركبات والمصانع التي تعمل بالوقود الأحفوري، وقد شهدت السيّارات الكهربائية ارتفاعًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة بالعديد من شركات السيّارات حول العالم أبرزها تيسلا وبي أم دبليو وهيونداي.

ظلَّ هاجس الوصول إلى السرعات الفائقة لمركبات النقل والتقليل بصورة قياسية من طول مدة الرحلات وازدحام السيارات الخانقة في شوارع المدن الكبرى والرحلات البرّية بين الدول، يؤرّق أذهان العديد من كبار رواد الأعمال بمختلف الشركات التقنية حول العالم. فظهرت فكرة مشاريع أنظمة الهايبرلوب كطوقِ نجاة لحل هذه المشاكل الحالية وتحديّات النقل المستقبلية. لنتعرّف في هذا المقال على كل ما يتعلّق بهذه التقنية الحديثة في النقل العام.

ما هو الهايبرلوب؟

منشأة اختبار هايبرلوب.

قد تكون شاهدت عزيزي القارئ بالعديد من أفلام الخيال العلمي وجود أنفاق الأنابيب الطويلة في أعماق باطن الأرض أو فوقها، وبداخلها كبسولات تنقل البشر لأداء مهامهم اليومية أو البضائع لأبعد المسافات خلال دقائق أو ساعات محدودة، حتى لو كان مقر العمل في قارةٍ أخرى! إنَّ تطبيق مثل هذه المشاريع بنفس الأسلوب السينمائي لهوليوود على أرض الواقع، يكاد يكون غير ممكن إن لم يدخل في باب الاستحالة أو المعجزات.

لكن لطالما أدهشتنا البشرية بإيجاد الحلول وتحويل الأفكار -التي نراها معجزة- إلى واقعٍ حقيقي بفضل التقدّم في شتّى المجالات العلمية والتقنية.

الهايبرلوب بشكلٍ نظري، هو وسيلة من وسائل النقل البرّي الحديث مثل السيّارات والقطارات التي تسير على الطرق أو السكك الحديدية. لكنه يختلف عن هذين النوعين من أنَّ الركاب يدخلون في كبسولة مشابهة للترام أو الباصات الصغيرة داخل شبكات أنابيب عملاقة ذات ضغط منخفض “مفرغة بنسبة كبيرة من الهواء” موجودة تحت سطح الأرض أو فوقها.

تسبح هذه الكبسولات داخل الأنابيب بنظام دفع يتم التحكّم بها عن بُعد حيث لا وجود للسائق أو القيادة الذاتية، بسرعاتٍ عالية تصل إلى أكثر من 1000 كيلومتر/ساعة متجاوزةً سرعات بعض الطائرات ومن دون أيِّ توقف لحين الوصول إلى المحطّة أو الوجهة المطلوبة من قبل المسافرين.

تاريخ بداية فكرة نظام الهايبرلوب

سكك حديد كريستال بالاس الهوائية عام 1864. المصدر: ويكيبيديا

بدايات فكرة نظام النقل عن طريق الهايبرلوب تعود إلى تاريخ “العصر الفيكتوري” حيث استخدمت في سكك حديد كريستال بالاس الهوائية بإنجلترا عام 1864، والتي تعمل عن طريق ضغط الهواء لدفع عربة إلى الأعلى وسحب الهواء لإرجاعها إلى الأسفل. كما أنَّ هناك العديد من الأنظمة المشابهة منذ أواخر القرن التاسع عشر والتي تستخدم الأنابيب الهوائية (Pneumatic) لإرسال البريد والطرود ومعدّات البناء إلى طوابق المباني.

إحدى الأفكار القريبة جدًا لنظام الهايبرلوب هو مفهوم الـ Vactrain، وقد تم تطويره على يدِ الفيزيائي والمخترع الأمريكي روبرت جودارد بأوائل القرن العشرين، ومنذ ذلك الحين اقترحت العديد من الأفكار لكن من دون أيِّة نجاحات تذكر نسبةً للصعوبة البالغة في إنشاء هذا النوع من المشاريع، إلى أن طرح رجل الأعمال الأمريكي إيلون ماسك فكرةً ثورية لأول مقترح لنظام الهايبرلوب الحديث في صورة ورقة بحثية بشهر أغسطس/آب عام 2013 تحت اسم Hyperloop Alpha، موضّحًا آلية عمل النظام الحديث للنقل البرّي العام وحجم تكلفة المشروع.

آلية عمل أنابيب الهايبرلوب

أنبوبة اختبار هايبرلوب.

الفكرة الأساسية لنظام الهايبرلوب، هي أنَّ الكبسولات التي تنقل الركّاب تتحرّك عبر الأنابيب الموجودة فوق الأرض أو تحتها. ولتقليل الاحتكاك يجب أن يتم سحب الهواء -معظمه وليس كله- من هذه الأنابيب بواسطة المضخّات، حيث أنَّ التغلّب على مقاومة احتكاك الهواء يؤدّي إلى التحرك بسرعات عالية للمركبات أيًا كان نوعها.

كما أنّه السبب الذي يجعل الطائرات السريعة تصعد إلى ارتفاعات عالية في الجو للسفر في الهواء الأقل كثافةً. ولتحقيق ذلك في النظام، تتم إحاطة الكبسولات داخل الأنابيب بضغط هواء منخفض جدًا، مما يسمح لها بالتحرّك بسرعات مماثلة للطائرات على الرغم من وجودها على الأرض.

وقد عرض ماسك في نموذج ورقته البحثية، بأنَّ ضغط الهواء داخل الأنبوب يعادل سدس ضغط الغلاف الجوّي المحيط بكوكب المريخ، مما يجعل ضغط تشغيل الكبسولة حوالي مئة باسكال وبالتالي يساهم في تقليل قوة احتكاك الهواء بمقدار ألف مرّة على مقياس مستوى سطح البحر. وهو ما يكافئ سرعة الطيران فوق ارتفاع 46 مترًا من سطح الأرض.

آلية عمل كبسولات الهايبرلوب

كبسولة هايبرلوب.

معظم مشاريع أنظمة الهايبرلوب الحالية تستخدم الرفع المغناطيسي لإبقاء الكبسولات فوق مساراتها داخل الأنابيب بصورة مماثلة للقطارات الكهربائية، وهي بعكس مقترح ماسك والذي يستخدم الزلّاجات الهوائية بدلًا عن الرفع المغناطيسي لجعل الكبسولات تطفو فوق سطح الأنابيب على مجموعة تضم 28 زلّاجة هوائية. مع ملاحظة أنَّ الكبسولة وليس المسار هي التي تقوم بتوليد هذه الزلّاجات الهوائية على طول مسار الهايبرلوب.

تحصل الكبسولات على السرعة الأوّلية -عند بداية انطلاقها- من خلال محرّك كهربائي خطي خارجي، ثم تُعطى دفعات سرعات عالية بصورة تدريجية حوالي كل 113 كيلومترًا ويقدّر أن تتحرّك كل كبسولة عن التي تليها بمقدار كل دقيقتين أو 30 ثانية عند ذروة الركّاب. وبحسب النموذج المقترح لماسك تستطيع الكبسولة الواحدة حمل 28 راكبًا، بينما تهدف مشاريع الإصدارات الأخرى إلى حمل نحو 40 راكبًا وبعض الأمتعة، بالإضافة إلى نُسخ كبسولات أخرى مخصّصة لنقل البضائع والمركبات.

مسابقات كبسولات الهايبرلوب

مسابقة كبسولات الهايبرلوب.
مسابقة كبسولات الهايبرلوب.

ينسب لماسك الدور الكبير في الاهتمام بتطوير مستقبل نظام الهايبرلوب على غرار تطوير مشاريعه الخاصة لهذا النظام الحديث في النقل، حيث قام في عام 2015 بإطلاق أول مسابقة سنوية عالمية في الولايات المتّحدة تحت رعاية شركته الخاصة سبيس إكس بمسمّى “Hyperloop pod competition” ويشارك بها سنويًا مجموعة واسعة من الطلّاب والفرق الجامعية التقنية من مختلف دول العالم مثل جامعة ميونيخ التقنية ومعهد أم آي تي التقني وجامعة دلفت التقنية، وذلك لتصميم وبناء النماذج الأوّلية لكبسولات الهايبرلوب وإظهار مدى الجدوى الفنّية للجوانب المختلفة لمفهوم فكرة الهايبرلوب. وقد فاز فريق جامعة ميونيخ التقنية بنسخة العام الماضي -والتي كانت لأسرع كبسولة مع ابطاء ناجح- بسرعة وصلت إلى 463 كيلومتر/ساعة، كما فاز نفس الفريق بجميع نسخ المسابقة خلال السنوات الخمس الماضية.

لكن مسابقة هذا العام كانت مختلفة عن سابقاتها، فقد أعلن ماسك في العام الماضي أنّه لن تكون هناك منافسة بين الفرق لعام 2020، كما تمَّ زيادة طول أنبوب الهايبرلوب ليصل إلى 10 كيلومتر أي أكبر بعشرة أضعاف عن الطول المعهود سابقًا والذي كان كيلومترًا واحدًا، وإضافة منحنيات عليه بعكس الأنبوب المستقيم الذي كان سائدًا في النسخ الخمس الماضية، ومن المتوقّع أن تقام مسابقات في السنوات المقبلة لبناء الأنبوب نفسه.

أول شركة تنجح في حمل ركّاب باختبار كبسولة الهايبرلوب

على صعيد اختبارات الشركات المطوّرة لكبسولات الهايبرلوب نجحت شركة النقل فيرجن هايبرلوب ون في مطلع شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، كأول شركة في اختبار نقل فائق السرعة لكبسولة الهايبرلوب تحمل بداخلها راكبين بشريين. تمَّ إجراء الاختبار في منشأة اختبار ديف DevLoop التابعة للشركة بصحراء ولاية نيفادا، وكانا الراكبين لأول مرّة في كبسولة اختبار فيرجن المسمّاة “بيجاسوس” هما رئيس قسم التكنولوجيا والمؤسس المشارك لفيرجن هايبرلوب جوش جيجل ورئيسة تجربة الركّاب سارة لوشيان.

نقلت الكبسولة إلى غرفة معادلة الضغط بسبب إزالة الهواء من داخل مسار أنبوب الهايبرلوب المغلق الذي يبلغ طوله 500 متر وقطره 3.3 متر، ومن ثمَّ تسارعت الكبسولة حتى وصلت إلى 160 كيلومتر/ساعة على طول مسار الأنبوب، بعدها انخفضت السرعة تدريجيًا حتى توقّفت الكبسولة. ويعد هذا إنجازًا تاريخيًا للشركة الأمريكية التي تأسست عام 2014 حيث تطمح إلى نظام نقل هايبرلوب في المستقبل تصل فيه سرعة كبسولاتها إلى أكثر من 1200 كيلومتر/ساعة.

الشركات العالمية المطوّرة لنظام الهايبرلوب

خلال العقد الماضي ومنذ أن قام ماسك بنشر ورقته البحثية حول نظام الهايبرلوب، تأسّست العديد من الشركات المطوّرة لهذه الأنظمة بخطط وابتكارات مستقلّة عن بعضها. سنتطرّق إلى بعض أبرز هذه الشركات.

The Booring Company ذا بورينج كومباني

نموذج تخيّلي لنظام النقل الخاص بشركة بورينج.

تمَّ تأسيس بورينج من قبل رجل الأعمال إيلون ماسك في أواخر عام 2016، وهي شركة فرعية تابعة لشركة سبيس أكس. تقوم فكرة مشاريعها من خلال تطوير البنية التحتية للنقل عن طريق نظام حمل المركبات -وليس الأشخاص وحدهم فقط كما هو متعارفٌ عليه في مشاريع شركات الهايبرلوب الأخرى- بواسطة حاملات هايبرلوب تتحرّك بسرعات عالية داخل الأنفاق، للمساهمة في الحد الكبير من الازدحام والاختناقات المرورية للمركبات في الشوارع الكبرى للمدن الأمريكية.

تعمل الشركة حاليًا على خمسة مشاريع أنفاق الهايبرلوب وهي في مدن واشنطن وشيكاغو ولوس أنجلوس ولاس فيجاس وهاوثورني. وتعتبر الأخيرة هي أول مدينة اجتازت المراجعة البيئية وتمَّ السماح لبورينج ببناء منشأة الاختبار الخاصة بها عام 2017 بتكلفة 10 مليون دولار أمريكي.

 Vergin Hyperloop One فيرجن هايبرلوب ون

فيرجن هايبرلوب ون.
فيرجن هايبرلوب ون.

تعتبر شركة فيرجن هايبرلوب ون -والتي تطرّقنا إليها سابقًا في نجاح اختبارها التاريخي- واحدةً من كبرى الشركات العاملة في هذا المجال. ومن خلال الشراكة التي حدثت بين الشركة والملياردير البريطاني ريتشارد برانسون في عام 2017، تهدف هايبرلوب ون إلى صناعة حلقة – Loop تشغيلية كاملة بحلول العام القادم، حيث تمَّ التخطيط لأول مسار هايبرلوب بطول مسافة 435 كيلومترًا بين مدينتي لوس أنجلوس ولاس فيجاس لنقل المسافرين في غضون 30 دقيقة. كما لدى الشركة مشاريع هايبرلوب في دولتي الهند والمملكة العربية السعودية.

هايبرلوب HTT

الهايبرلوب
هايبرلوب HTT.

تعد Hyperloop Transport Technologies والتي يرمز لها اختصارًا بـ HTT أقدم شركة متخصّصة في مشاريع الهايبرلوب، حيث بدأت العمل في عام 2013 وتتخذ من ولاية كاليفورنيا مقرًا لها ولاختباراتها. تمتلك الشركة أيضًا منشأة اختبار ثانية في مدينة تولوز بفرنسا، ويرجّح أن تبدأ تجاربها البشرية في حوالي عام. كما حصلت على اتفاقية مع الحكومة الصينية لبناء مسار هايبرلوب بطول 10 كيلومترات في مقاطعة جويتشو، بالإضافة إلى عقدٍ آخر لبناء مسار هايبرلوب تجاري في مدينة أبوظبي.

هاردت هايبرلوب

هاردت هايبرلوب
هاردت هايبرلوب

تعمل الشركة الهولندية الناشئة على مشاريع الهايبرلوب منذ عام 2016 وقد شاركت في بعض نسخ مسابقات كبسولات الهايبرلوب التي تقيمها شركة سبيس أكس. وفي تجربتها الأولية حقّقت هاردت هايبرلوب سرعة قصوى لكبسولتها وصلت إلى 93 كيلومتر/ساعة، مما ألهمت الشركة لتطوير أول منشأة اختبار أوروبية لأنظمة الهايبرلوب.

هايبرلوب DGW

تأسست الشركة الهندية في عام 2016 وتعتبر الشركة الوحيدة التي تعمل في مشاريع الهايبرلوب بتلك البلاد. تخطّط DGW لنقل الركّاب عن طريق مسار هايبرلوب يربط بين مدينتي مومباي ونيودلهي في غضون 80 دقيقة.

مستقبل نظام الهايبرلوب

مستقبل الهايبرلوب
صورة تخيّلية لمستقبل أنظمة الهايبرلوب.

بعدما تطرّقنا لأهمَّ الجوانب المتعلقة بنظام الهايبرلوب من آلية العمل والاختبارات وبعض أبرز الشركات المطوّرة لهذه المشاريع، فإنَّ الهايبرلوب بشكلٍ عام بإمكانه المساهمة في تقليل السفر الجوّي بين المدن، وتعزيز ازدهار التجارة عن طريق الإيصال السريع للبضائع والمركبات. لكن لم يتم تأكيد أيٍّ من هذه المزايا عمليًّا في الاختبارات إلى الآن. فتطوير هذه المشاريع لا يزال في بداياته ويحتاج إلى الكثير من الوقت والاستثمارات، وهناك العديد من التحديّات التقنية والمالية التي تحتاج أيضًا إلى حلول.

تتمثّل المرحلة التالية لشركات هذا النظام في النقل بالنجاح بالاختبارات الأوّلية لأنظمتها، والبدء في تجارب المستوى المتوسّط ذات المسافات الطويلة -وهو ما بدأت به بعض الشركات- ومن ثم التحدّي الصعب الذي يكمن في اختبار هذه الأنظمة مع الركّاب وتطوير نماذج مرنة تعمل في كافة أنحاء العالم، عندها سيتضح مدى قدرة الهايبرلوب في أن يصبح مستقبل النقل العام حول العالم.

0

شاركنا رأيك حول "الهايبرلوب: فكرة من الخيال العلمي تصبح مستقبل النقل البري السريع"