هل الموت وهم؟ ماذا إذا لم تكن المحطة الأخيرة في القبر؟ 

الموت وهم
آلاء عمارة
آلاء عمارة

7 د

هل الموت وهم حقًا؟ أم أنه باب جديد لحياة أخرى لا نعرفها بعد، فكما هو معلوم: "لم يعد أحد من الموت ليُخبرنا ما حدث"، لكن اجتمع البشر من مختلف الأديان والأعراق على أنّه حقيقة، لا يمكن الإفلات منها مهما طال العمر، إنه محطة الإنسان الأخيرة في الحياة، اللحظة التي يغيب فيها وعيه عن كل مشاكل الدنيا، ويرقد فيها الجسد بسلام بعد رحلة شاقة استهلكت أعضاء جسده المادية، وكما نقول "إنها رحلة استهلكت طاقتنا"، لكن هذا تعبير مجازي، سنعرف لماذا عبر تقريرنا هذا. 


لكن ما هو الموت؟ 

تتنوع تعريفات الموت، والمفهوم الأكثر شيوعًا له، هو نهاية الحياة أو غياب الإنسان عن الوعي من دون عودة، من ناحية أخرى، وصف "فلوريس توماسيني" في كتابه (Remembering and Disremembering the Dead) الموت البيولوجي، على أنه الحدث الأخير أو الموت الطبي أو جزء من عملية الاحتضار. ويمكن تعريف الموت أيضًا على أنه توقف الجهاز التنفسي والدورة الدموية أو الدماغ عن أداء وظائفهم. 

اقرأ أيضًا: وهم من صنع نيوتن: ماذا إذا كان ما يجذبك للأرض ليست قوة الجاذبية؟


لماذا يخاف الناس من ذِكر الموت؟ 


الخوف من الموت
ذو صلة

للموت رهبة، لا يمكن لأحد إنكارها، والموت مسألة حساسة لبعض الناس، ويخافها البشر كثيرًا، إنها متعلقة بالألم دائمًا، فقدان الأهل أو الإخوة أو الأصدقاء أو أشخاص في محيطنا، قد يكون الموت مرتبطًا بآلام وجروح ما زالت تحتاج إلى مداوة لدى بعض الناس. والحديث عنه يُوقظ هذه الآلام، وقد أشار الدكتور "ريمون موري" في كتابه (Life After Life) وبالنسخة العربية "الحياة ما بعد الموت" إلى بعض الأسباب المنطقية التي تجعل البشر يتحاشون فكرة الموت، ومنها: 

  • السبب الأول (صدمة سيكولوجية وواقع ثقافي): التحدث عن الموت موضوع محرم، ومحاولة الاطّلاع عليه سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، يجعلنا أقرب إلى الحقيقة المطلقة، ألا وهي أننا سنموت في يوم ما، هذا يُولّد شعورًا بالخوف من تلك المرحلة المجهولة. 
  • السبب الثاني (تجربة لا نُدركها بوعينا): عندما يموت المرء، فإنه يغيب عن الوعي، ولا يُدرك ما حدث بوعيه، فلا يستطيع إخبار أحد بما مر به، ما يرسم العديد من علامات الاستفهام حول الموت. 

ولتفادي صدمة الموت، يحاول الإنسان تشبيهه بالنوم، لكنه نوم لا يقظة منه، فتجد تعبيرًا شائعًا مثل: "لقد نام في سلام إلى الأبد"، وقد بدأ التعبير عن الموت بالنوم في الثقافات القديمة، إذ نجدها في مؤلفات الكتاب والشعراء الإغريق القدماء، على سبيل المثال، وصف الشاعر الإغريقي "هوميرس" النوم في "الإلياذة" بأنه شقيق الموت.

وفي كتاب "محاورات أفلاطون" الذي جمع فيه الكاتب "بنيامين جويت" أبرز محاورات أفلاطون من ضمنها "دفاع سقراط"، وترجمه للعربية "زكي نجيب محمود"، يحكي أفلاطون على لسان أستاذه سقراط ما قاله عندما حكم عليه الأثينيون بالموت، وقال: 


"ثمة بارقة أمل تبشر بأنّ الموت خير.. إما أن يكون الموت عدمًا وغيبوبة تامة، أو أن يكون كما يروي عنه الناس تغيرًا وانتقالًا للنفس من هذا العالم إلى عالم آخر. فلو فرضتم فيه انعدام الشعور، وأنه كرقدة النائم الذي لا تزعجه حتى أشباح الرؤوس، ففي الموت نفع لا نزاع فيه.. أما إذا كان الموت ارتحالًا إلى مكان آخر، حيث يستقر الموتى جميعًا كما يُقال، فأي خير يمكن أن يكون أعظم من هذا أيها الأصدقاء والقضاة!"

تنوعت نظرات وآراء الفلاسفة والكتاب في الموت، لكن أجمع الكل على أنه قادم لا محالة، ولا يمكن إنكار حقيقة وقوعه في يوم ما، لكن لحظة.. 

اقرأ أيضًا: العائدون من الموت.. ظاهرة غامضة تلقى اهتمامًا علميًا.


فكر معي: هل يمكن أن يكون الموت محض وهم؟ 

أتى الطبيب والعالم الأمريكي الدكتور "روبرت لانزا" بنظرية "بيوسنتريزم" (biocentrism) وتعريبها "المركزية الحيوية"، وهي نظرية جديدة، تشير إلى أنّ الموت ليس النهاية الأخيرة.

قبل استكمال شرح النظرية، أود التنوية إلى أنني لا أطرق باب التابوهات ولا أطعن في صحة المعتقدات، ولكن لأفتح بعض السجلات العلمية وأروي لك ما قرأت وفهمت، وصدقني ما سأطرحه الآن قد لا يتعارض مع أفكارك، لكنه يساعدك في تعزيز فهمك لها وإدراكها بصورة أفضل. 


الإنسان الحي: اتحاد الجسد والروح 

حسنًا، في البداية دعنا نتفق على أنّ الإنسان يتكوّن من شيئين يجعلانه على قيد الحياة، أو يُعطيانه لقب كائن حي، وهما: الجسد والروح، أما الجسد، فهو مادي، يمكن التماسه بالحواس، والروح هي السر الذي لا يُدركه أحد، ولكن يمكن اعتبارها طاقة، مجرد وجودها في الجسم يعني أنه حي. تمامًا مثل جهاز التلفاز، يحتاج إلى طاقة الكهرباء لتشغله. 

لكن عندما جئنا إلى هذه الدنيا، ظننا أنّ أجسادنا المادية هي كل شيء، وهي العامل المحدد لحياتنا، هذا دفعنا لربطها بنهاية الحياة مجرد أن يحصل فيها خلل دون علاج، فيقع الحدث النهائي الذي يشهده الإنسان في الحياة وهو الموت. هذا بالضبط مفهوم الموت لدينا، إنّ الموت الذي في أذهان البشر هو فناء الجسد. وهذه هي الحلقة التي ركزت عليها المركزية الحيوية، فقد ركز البشر على مثوى الجسد الأخير في القبر، وتجاهلت مصير الطاقة (الروح). 


غياب الوعي: التحرر من قوانين الزمان والمكان 

رأت تلك النظرية أنّ الموت متحرر من الزمان والمكان، مهلًا، ما علاقة الزمان والمكان؟ ببساطة لأنه حسب نظرية المركزية الحيوية، فالموت يعني غياب الوعي، والوعي يرتبط بالزمان والمكان، والسر في الدماغ. 

حسنًا، لأبسط الأمر، عادةً ما أُشبه العين بالنافذة التي تروي للدماغ ما يحصل، هناك اتصال وثيق بين العين والدماغ عبر مجموعة من الإشارات والرسائل، قد يُخطئ الدماغ أو يُصيب في ترجمة ما تراه العين، وبناءً عليه يتخذ ردة فعل، وهذا يُفسر قيام بعض الناس بأفعال غريبة، عندما لا يستطيع الدماغ ترجمة ما تراه العين. 

على سبيل المثال، في حالة عدم التركيز التي نتعرض لها جميعًا (ربما تكون أنت أيضًا قد تعرضت لموقف كهذا، فلا تسخر مني). بينما كنت أُجهز كوبًا من النسكافيه في إحدى المرات، فتحت الكيس ورميت محتواه في سلة القمامة، ثم وضعت الكيس في الكوب، بعدها وقفت في ذهول أرى ما فعلته إلى أن استوعبت فقداني لنصيبي من النسكافيه لذلك اليوم. إنه تصرف غريب، وربما حصل معك أنت أيضًا. ربما حصل ذلك بسبب عدم التركيز، فيُترجم الدماغ رسائل العين بطريقة خاطئة. 

من ذلك نخلص إلى أنّ الدماغ قد يتعرض للتشويش، فقد لا نستجيب لما تراه العين بشكل دقيق، بسبب التأثير على الوعي، وهذا يعني أنّ مجرد تعديل وراثي ولو بسيط في الجينات، قد يؤثر على استجابة أدمغتنا، فتجعلنا نرى اللون الأخضر أحمر مثل مرض عمى الألوان أو نسمع أصواتًا ليست موجودة، مثلما يحصل في مرض طنين الأذنين. هذا يبدو وكأنه تشويش للدماغ، فبينما السماء زرقاء صافية والعصافير تُزقزق بلطف، يُزين الدماغ لنا أنّ السماء حمراء اللون وزقزقة العصافير هي صوت طنين البعوض المزعج الذي قد لا نستطيع تحمله. ما الفرق بين الحالتين؟ 

حسنًا، هنا مربط الفرس الذي تسعى نظرية المركزية الحيوية توضيحه، وهي أنّ الحالة الأولى كان الدماغ في كامل وعيه، وبسبب ذلك، ارتبطت الحواس بالزمان والمكان حولنا، فظهرت لنا الصورة الواضحة، أما في الثانية، لم يكن الدماغ في وعيه، وحصل تشويش، أدى إلى زعزعه الزمان والمكان. 

وترى المركزية الحيوية أنّ المكان والزمان مجرد أدوات تستخدمها عقولنا لنسج وتنسيق المعلومات لنا، وهذه العملية تشكل لغة الوعي. وتشير إلى أننا لم نأتِ من الكون، وإنما العكس، نحن الذين أعطينا للكون قيمة، عبر استخدام الوعي للزمان والمكان. 


غيبوبة الوعي الدائمة تجعل الموت محض وهم

ببساطة، هذه نفس فكرة الموت والحياة تبعًا للمركزية الحيوية، التي ترى أنّ الموت والحياة مرتبطان بالوعي، فالحياة تعني الإدراك والوعي، بينما يرتبط الموت بغياب الوعي؛ أي التحرر من الزمان والمكان. 

وهذا يعني -من وجهة نظر المركزية الحيوية- أنّ الموت ما هو إلا وهم، لأنه ليس الحدث النهائي الذي يشهده الإنسان، بل يمكن تشبيهه بالجسر الذي يأخذه إلى عالم آخر، ليس محكومًا بقوانين الزمان والمكان التي نشهدها ونحن أحياء، أقصد ونحن في كامل وعينا. بعبارة أخرى، ما نراه لا يمكن أن يكون موجودًا في غياب الوعي، تمامًا مثل الشخص الذي يدخل في غيبوبة. 


الانتقال إلى عالم آخر 

الانتقال إلى عالم آخر 

أما عن طاقة الإنسان، التي نقول عنها "روح"، فهي تنتقل إلى عالم آخر. استنادًا لـ "مبدأ حفظ الطاقة" الفيزيائي الشهير: "الطاقة لا تُفنى ولا تُستحدث من العدم، لكن يمكن تحويلها من حالة لأخرى". إذ يؤمن الدكتور "روبرت لانزا" بنظرية العوالم المتعددة، ويرى أنّ الطاقة تنتقل فقط من عالم إلى آخر، أي من حالة مرتبطة بالجسد المادي إلى حالة أخرى غير مرئية، ولكنها لا تفنى. 

وأخيرًا.. يمكن اعتبار الحياة مثل منصات البث التلفزيوني، إذا انقطعت الطاقة عنه، ينطفئ التلفاز، هذا هو الموت، إنما طاقته تبقى. لكن، هل هذا حقيقي؟ كما ذكرت في بداية التقرير، لم يعد أحد من الموت ليُخبرنا ماذا حدث، لذلك من الأفضل لنا العيش حتى نهاية عمرنا جيدًا إلى أن يحين موعد نهاية البث التلفزيوني الخاص بنا، وقتها فقط، سنعرف ما يحصل بالضبط، لكن لن نستطيع إخبار أحد بما رأينا أو سمعنا أو شعرنا. سنصمت مثل الذي صمتوا ولم يخبرونا بشيء. يقول محمود درويش: "فالأحياء، هم أبناء عم الموت، والموتى نيام، هادئون وهادئون". 

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة