عندما تولدين في أسرة تعاني من البدانة بشكلٍ عام، وتضطرين منذ لحظات الطفولة المبكرة للاستماع إلى التحليلات الطبية من أناس مختصين وغير مختصين بأن البدانة في أسرتك هي وراثة، وشر لا بد منه، وأن عليك ضبط رغبتك بتناول الطعام قدر الإمكان كي لا تصابي بذلك الداء السقيم، تسيطر هذه الحالة على تفاصيل حياتك اليومية وتصبح جزءاً من أحلامك.

وبعيداً عن أسباب البدانة المختلفة، وعن نسبتها التي ارتفعت من العام 2016 لتصل إلى أكثر من 650 مليون شخص يعانون من البدانة في العالم والتي تعني ما يقارب 13% من سكان العالم، تبدو معايشة البدانة حالةً تصبح جزءًا من تجربة من يعانون منها، فمثلًا عندما أنظر إلى المرآة أجد نفسي جميلة كما أنا، ولكنني عندما أفتح الباب وأخرج إلى الشارع أرى نفسي في عيون الناس مجرد كائن لا ماهية له، وأكثر ما يقوم بتحديده شكله أو وزنه.

لماذا أكتب عن تجربة البدانة؟

لأنها تجربة عشتها لأكثر من خمسة عشر عامًا، ومثلت جزءًا من حياتي، وهي جزء من حياة الكثيرات اللواتي قد يقرأن ما أكتب، فربما أستطيع إفادتهن وتقديم العون لهن، إضافة إلى رغبتي في دفع الناس إلى عدم الاستمرار بتنمرهم البشع كلما رأوا فتاة بدينة، وتحديدًا أتحدث هنا عن الفتيات لأن الكثير من الناس في مجتمعاتنا يرون أن البدانة لا تليق بالأنثى، إذ عليها أن تكون كما يحب المجتمع، لا كما تحب هي، وفي المقابل هي أمرٌ لا يعيب الرجل ولا ينتقص منه أبدًا.

لا تفهموا كلامي خطأً، فأنا لا أقصد أن البدانة أمرٌ جيد، وإنما أشير إلى أن البدينات يمتلكن المشاعر ككل البشر، وقادرات على التفكير والنجاح والعمل، وأن مشكلة البدانة ليست ذات أثر على الآخر، وإنما هي مشكلة تخص صاحبها بالدرجة الأولى، وعليه يجب في مجتمع طبيعي أن يتلقى الشخص البدين المساعدة والدعم لتغيير الواقع الذي يعيشه لا التقريع والإساءة.

اقرأ أيضًا: كيفية التخلص من السمنة.

كيف يتعامل المجتمع مع موضوع البدانة؟

تتعامل أغلب المجتمعات مع موضوع البدانة بطريقة سلبية، إذ يتبادر إلى أذهان الكثيرين بأن يقولوا للفتاة البدينة: يبدو أنك قد ازددت وزنًا قبل القول بأنهم قد اشتاقوا لرؤيتها.

تستمر هذه الحالة وتتفاقم في المدرسة، فتعيش الفتيات البدينات ضمن قوقعة مؤلمة من العلاقات، فالصديقات يتعاملن معهن على أنهن مجرد وسيلة للتواصل مع أصدقائهن الذكور، وأولئك المراهقين الذكور يغفلن عن النظر إلى هؤلاء الفتيات ويميلون لاستخدام عبارات مهينة ومؤلمة.

لا يتوقف الأمر عند ذلك الحد، بل يستمر مع حالات التنمر التي يتعرضن لها ضمن المدرسة وتزداد مع الوقت وتتفاقم حتى تصل في بعض الأحيان لنتائج مؤلمة جدًا وقد تترك أثرًا في أحداث الحياة اللاحقة.

مع الوقت تحاول الفتاة البدينة أن تبني سورًا حولها يحميها من إساءة المحيطين، فتتخذ قرارًا بالضحك وتبدأ بمقابلة كل الكلمات الجارحة والعبارات المهينة التي قد تتلقاها من أقرانها أو حتى أحيانًا من مدرسيها بابتسامات مستمرة أو بضحكات تعبر من خلالها أنها ليست مهتمة بما يقال عنها، ويتناسى الناس مع الوقت أنها كيان يمتلك المشاعر ويحزن.

يوم كنت بدينة كان عليّ أن أحاول إقناع الآخرين بعدم انزعاجي من بدانتي، كي لا أتلقى السوء في طريقة مناقشتهم لأي موضوع، وكان على أمي أن تستمع لعبارات الإشفاق والحزن حول أنني ناجحة وحققت كل ما طمحت إليه ولكن (يا حرام إنها بدينة).

كل ما سبق قد يذكرنا بالفيلم الامريكي The Duff وهو واحد من أهم الأفلام التي سلطت الضوء على معاناة الفتاة البدينة القبيحة كما يصفها مجتمع المدرسة الثانوية، وإذ يقوم الشباب باستغلالها للتعرف على فتيات أخريات، بينما تستغلها صديقاتها في حل مشاكلهن العاطفية، ويتناسى الجميع أن لتلك الفتاة مشاعر لا يمكن إغفالها أبدًا.

البدانة والعمل

تبدو تجربة العمل أشد صعوبة وأكثر إيلامًا، فمهما كنت تمتلكين من مؤهلات حقيقية، تكونين عرضة لنظرات مربكة خلال مقابلات العمل، وهذا تمامًا ما حدث معي عندما تقدمت لأول عمل في حياتي، إذ كان عليّ أن أثبت أن بدانتي لن تؤثر في قدرتي على التفكير، وأنني لا أعاني من قلة في الخبرات ولست ممن ينامون في العمل، نعم لقد استطعت إثبات ذلك، ولكنه أخذ مني وقتًا لم تحتجه فتاة أقل مني معرفة أو خبرة ولكنها أخف مني وزنًا.

البدانة والحب

وصمة عار تلاحقنا، وتجعل من الآخر يتعامل معنا على أننا لا نمتلك المشاعر، ومن غير المقبول أن نشعر بالحب، فالحب حكر على الفتيات النحيلات، ومن كن بدينات لا يحق لهن أن يعبرن أو يطمحن بعيش علاقة حب طبيعية، وإن حصلت في حياتهن، تكون مرتبطة بسبب ما يظهر لاحقًا.

وعلى الرغم من ذلك، لا يمكن تعميم هذا الأمر، فقد يجد الحب طريقه إلى قلبين شابين، ولكنه لا يسلم من تنمر المجتمع بدءًا من الأسرة ووصولًا للأصدقاء وزملاء العمل وغيرهم.

البدانة والصداقة

بعض من قمن بدور الصداقة معي، لا تحملن الأكياس الثقيلة بل تعطيني إياها لأنني بدينة وأتحمل، وتقول لي إحداهن في سياق أحد الأحاديث لا تحزني إذا لم تجدي من لم يحبك، فأنا جميلة وأنت ... بدينة.

هل تعلمون أن الفتاة البدينة تكون أكثر مرحًا وبشاشة؟

هذا ما تقوله بعض الفتيات لصديقاتهن البدينات ويرين أنهن بذلك يتعاملن مع موضوع البدانة بكل رقي، ولكن ذلك ليس صحيحًا، إذ إنه ليس مطلوبًا من أي أحد أن يناقش أمرًا بهذه الخصوصية ويعطيه رونقًا جميلًا بهدف تهوين الأمر على صاحبه، فالبشاشة واللطافة لا يتناسبان طردًا مع البدانة.

وعمومًا تبدو العلاقات في الحب والصداقة قابلة للنقاش باستمرار، فنحن لا نستطيع  التأكيد على حكم مطلق، ولكن تبقى الحالات القليلة التي تقدس العلاقة مع الآخر بغض النظر عن شكله استثناءً قد لا نجده دائمًا، ولا سيما في حالات الحب والزواج، فالكثير من الرجال يرفضون فكرة أن يشعروا بالحب تجاه فتاة تعاني من البدانة، أما العكس فهو مقبول من الناحية الذهنية والعاطفية.

كيف يمكننا أن نقدم المساعدة؟

وصمة عار ترافق الفتاة إن كانت بدينة، وينسى معها المجتمع أنها بحاجة إلى دعم حقيقي كي تتخطى ما تعاني منه، سواء كان خطأها أم أنه مرض أو وراثة أو أي شيء آخر.

بالنسبة إلي فأنا لم أتجاوز مشكلتي وحيدة، فمقابل كل ما ذكرت، كان هناك من آمن بحقي بالحياة، هؤلاء فقط أعطوني كل ما كنت أطمح إليه، ودفعوني لأكون أفضل وليس أجمل، فدعم المحبين والأصدقاء، وإيمان العائلة عامل أساسي ومهم لتغيير الواقع.

من ناحية أخرى، عليك أن تؤمني بأنك قادرة على إحداث فارق في الحياة كيفما كان شكلك ومهما كان وزنك، وهذا لا يتحقق إن لم تتعرفي على ذاتك وجوهرك، فإن أدركتِهما ستمتلكين القوة لفعل التغيير مهما كان.

إضافة لكل ما سبق، لا بد لك من أن تؤمني بقدرتك على التغيير، وأن تتعلمي محبة ذاتك وشكلك بكل الحالات، فأنت جميلة بما تمتلكينه وليس بما ترغبين في امتلاكه.

في النتيجة تبدو ضرورة ما أكتب مرتبطة بما أراه اليوم في عيون فتيات يعانين من مشكلة عاشت معي زمنًا طويلًا، تخلصت منها بفضل كل من وقف بجانبي ورأى بأنني سأكون أفضل حالًا وليس بأن ما يختصر حياتي هو أن لا أكون بدينة.

ولأني أصبحت في عداد النساء المعتدلات شكلًا وفقًا للمنظور الاجتماعي العام، وبات ثمة إجماع على أنني أصبحت أجمل، نظرًا لأن الجمال في كل مكان من العالم يقاس بالدرجة الأولى بالمظهر الخارجي وعدد الكيلوات التي يحملها جسدنا المثقل بعبارات التقريع التي تبدأ من الكلمة التي يقولها أي شخص يلتقينا (يبدو أنك سمنت مؤخرًا...).

داخلي لم يتغير ... فأنا كما أنا ... ولكني بت أكثر ثقة وأكثر امتنانًا، وهذا ما أتمناه لكل فتاة مثلي.

لا تتنمروا على أخواتكم وبناتكم وحبيباتكم... ساعدوهن فربما يكون إيمانكم بهن سببًا حقيقيًا للتغير لديهن نحو الأفضل وإن لم يكن التغيير سهلًا، قدموا الحب لهن دون شروط.