مسلسل "True Story"
0

يقول مريد البرغوثي: “أرجوحة الحياة لا تحمل راكبها إلى أبعد من طرفيها: المأساة والمسخرة“، وتمر الأيام والأشهر والسنوات مدافعةً عن هذه العبارات وعن هذه الأطروحة. يمر الزمن متسارعًا كذلك الطفل الجائع الذي همّ هاربًا من الخبّاز بعد سرقة قطعة رغيف، ويبرحنا ضربًا وقسوةً كنفس الخبّاز حين تنتفي في داخله الرحمة ماسكًا بالطفل المسكين. يجرّنا معه فنكبر وتكبر فينا أوجاعنا التي قد تزرع فينا أفكارًا كانت في نظرنا محل سخرية واستهجان.

لا ندري ما إذا كان يحولنا هكذا فجأة إلى وحوش، أم أنه يسلبنا ذواتنا ومبادئنا وانتصاراتنا الصغرى تدريجيًا، حتى نصير فجأةً ذئابًا ومجرمين. لا ندري أيضًا إن كانت الأقدار هي من تسرق منّا صدقنا وعفويتنا وتسطو على إنسانيتنا وإرادتنا الحرّة، أم أننا نتخلّى عنها مقابل أشياء ماديّة هي في الحقيقة سرابٌ وكذبٌ لا يسمن ولا يغني من جوع. ولكن إلى أي مدى ستحمينا أكاذيبنا؟ كيف سيعيش The Kid الممثل الكوميدي العالمي وبطل مسلسل “True Story” الجديد، وهو يحمل عبء كذبة أو كذبتين أو ثلاث؟ وكيف سيواجه الحقيقة ثم العالم بما فيه من عائلة وأصدقاء ووسائل إعلام وجماهير؟

 كيفن هارت يراوح بين الحقيقة والخيال في مسلسل “True Story”

بعد فيلم جميل عن الأمومة التي لا تتصل حصرًا بالأم أو بالمرأة وبعد الخوض في حكاية حقيقية ومؤلمة عاشها أب وابنته، يفاجئنا كيفن هارت بمسلسل قصير على نتفليكس بعنوان “True story”، فنتساءل إن كان هذا الكوميدي الأمريكي قد اختار أن يمشي في طريق القصص الحقيقية هذا العام وأن يقرّب المسلسلات منّا أم أن للحقيقة في هذا العنوان غرض ترويجي.

بدأ الحديث عن هذا العمل الدرامي منذ عام تقريبًا أي في ديسمبر 2020 وقد تم الإعلان عن مشاركة كل من العملاقين كيفن هارت وويسلي سنايبس فيه. تأخر التصوير طبعًا جرّاء أزمة الكوفيد-19 ليبدأ في يناير 2021 ثم لم يعرض إلّا قبل أيام أي في الرابع والعشرين من نوفمبر تحديدًا وقد ضمّ سبع حلقات تدوم الواحدة منها بين 30 و58 دقيقة.

نجح هذا المسلسل البوليسي، الذي تلتهم فيها المشاكل والأزمات الشخصيات حلقةً تلو الأخرى، في افتكاك كرسي بين أفضل عشرة مسلسلات على نتفليكس وأكثرها مشاهدة ونال على منصة IMdB تقييما جيدًا قدّر بـ 7. 7 من أصل 10.

ولكن أين الحقيقة من كل هذا؟ على عكس ما يوحي به العنوان للمشاهد، لا يقوم “True Story” على قصة حقيقية ولكنّه يعكس صورًا واقعية عاشها كيفن هارت الذي ترعرع مثل بطل المسلسل في فيلادلفيا. تحدث المنتج إيريك نيومان عن هذا الرابط بين الواقع والخيال في حوار له مع نيويورك تايمز حين قال إن هارت قد أراد أن يشارك في عمل يشبهه وأن هذا المسلسل فيه من هارت الكثير، إذ أنه في الواقع كما في المسلسل كوميدي مشهور، ذو جدول أعمال ملغم بالحوارات واللقاءات وحصص التصوير وشخصية عامّة معرضة للخطأ وللدخول في متاهات لا يمكن الخروج منها.

“True Story” هو رحلة بين الشهرة والجريمة والكذب

لئن ظهرت الحقيقة في تفاصيل ذاتية تختبئ بين ضلوع البطل المحبوب وكيفن هارت الذي أدّى دوره، فإن غيابها يريحنا ويجعلنا نعيش عثرات المسلسل بين أحداثه فقط ثم نمضي لنجد كما قالت الناقدة السينمائية والمحررة في مجلة فوربس “Sheena Scott” أن الحبكة تقليدية وواضحة وأن الثنائي هارت وسنايبس هو ما أضفى عليها طابعًا مميزًا ومثيرًا للانتباه.

الحبكة ليست كلمة سينمائية صعبة قد تخيفك كما كانت تخيفني كلما وجدتها في مقالات النقّاد، فهي البناء الذي يقوم عليه العمل سواء كان عملًا روائيًا أو دراميًا والذي ترتبط فيه الأحداث ببعضها البعض تحت غايةٍ ما. تؤسَّس الحبكة على صراع أو عقد ومشاكل تتجسّد في هذا المسلسل في ثنائيات عديدة منها النجاح والفشل والمال والإفلاس والكذب والحقيقة.

هكذا هو مسلسل “True Story”، رحلة يحاول فيها kid الحفاظ على نجاح كان ثمرة تعب وجهد وسهر وصبر فيخسر أشياء أخرى لم يكن مستعدًا لخسارتها وهو توغل غير مباشر في قصص نجاح كثيرة تخفي داخلها أسرارًا مرعبةً ومدمرة. ما الذي جرّ هذا الممثل الغني إذًا نحو الصراعات والخسائر وهل تحتم علينا الشهرة ارتكاب أخطاء قد ندفع حيواتنا لإصلاحها؟ 

أخوّة سامّة تعود بالمشاكل على الطرفين

تطرق المشاكل أبواب The kid بالتزامن مع قدوم أخيه كارتلون الذي نفهم منذ اللحظات الأولى أنه يمثّل الطرف المتهوّر والمسبب للأزمات رغم فارق السن بينهما. لكن بقدر ما تولد عن حضور كارتلون قصص مخيفة، يفضح وجوده جانبًا بشعًا في بطلنا الثري الذي لم تمنعه الأموال والأضواء والمسارح والإذاعات من الوقوع في هوة الخطأ. يعيشان معًا صراعات كانت نيرانها خامدة حين كانا بعيدين. يصرخان ويتشاجران ويتقاذفان بالشتائم ثم تبرز بينهما أخوة كانت منذ ثوانٍ علاقة سامة واستحالت لوهلة علاقة صداقة وثقة ومحبة لا توصف.

يرسم المسلسل ملامح هذه العلاقة منذ الحلقة الأولى فيرينا في البداية ملامح أخ صغير ناجح ومعروف ثم يعرّي وجه أخيه الأكبر الذي لا يتردد لحظة واحدة في طلب يد المساعدة والاستفادة من مكانة أخيه وأمواله.

شهدنا في هذا العمل التلفزيوني مرورًا سلسًا وجميلًا لكيفن هارت من الكوميديا إلى الدراما، فوجدناه يقحمنا في صراعاته وينقل لنا مخاوفه وكوابيسه ثم يرجعنا إلى أُخوّة لا تقدس، ولكنها تساعدنا على الاستمرار أحيانًا وتعود بنا أميالًا إلى الوراء أحيانًا أخرى. هذه المراوحة بين التراجيديا و الكوميديا في أداء هارت وسنايبس وفي نص كأنه كتب خصيصًا لهما مراوحة تعكس الواقع وتلخصه في سبع حلقات ندرك بعد مشاهدتها أن النجاح لا يستحق دائمًا ذاك الثمن، وإن استحقه فقد استحال فشلًا وعبئًا لسنا قادرين على تحمله.

اقرأ أيضًا: من التعذيب ومهاجمة الغير إلى التجول عاريا في الطرقات .. مشاهير ولكن بأفعال غريبة

0

شاركنا رأيك حول "مسلسل “True Story”.. الثمن الذي ندفعه لنحافظ على شهرتنا"