فيلم Annihilation: مرآة مشوهة تُظهر الإنسان على حقيقته

فيلم annihilation
0

فيلم Annihilation واحد من الأعمال التي ما أن تنهيها حتى تبحث عن شخص آخر شاهدها لتناقشها معه، تبدأ في تصفح المقالات على الإنترنت بحثًا عن إجابات مقنعة، تجربة لا تستطيع خوضها والخروج منها سالمًا دون العديد من الأسئلة المحيرة، التي ما أن تجد لها إجابةً سيظهر غيرها كنبتة عجائبية مثل التي حيرتنا خلال الأحداث.

هو أحدث أفلام نتفيلكس، ومن بطولة ناتالي بورتمان وأوسكار إسحاق وجينفر جيسون لي وتيسا تومبسون، وإخراج إلكيس جارلاند، ويقع تحت تصنيف الخيال العلمي، ولكن الأمر ليست بهذه السهولة، ولو لم تشاهد الفيلم بعد اعرف أنّك ستخوض تجربةً غريبةً.

Annihilation يمكن اعتباره مقتبسًا من رواية بذات الاسم للكاتب جيف فاندر ميل، وهي الجزء الأول من ثلاثية تقدم لنا “الوميض” بكل غموضه والرعب الكامن فيه، وكلمة “يعتبر” بسبب أنّ جارلاند كاتب ومخرج هذا العمل الذي نناقشه اليوم لم يُعِد قراءة الرواية مرةً أخرى عندما شرع في كتابة الفيلم، بل قرر أن يجعل اقتباسه خليطًا مما يتذكره من الرواية وانطباعاته الشخصية عنها، فخرج الفيلم بالفعل مثل كابوس مرعب يأتينا بعد قراءة رواية جعلت أبداننا تقشعر خوفًا.

يبدأ الفيلم بـ لينا الأكاديمية المرموقة وعالمة الأحياء التي تعطي لطلابها درسًا حول السرطان وطريقة تصرف الخلايا بسببه، لتخرج من محاضرتها ونعرف بالتدريج أنّها أرملة حزينة على زوجها الضابط بالجيش الذي فقدته منذ عام، تجلس في منزلها لتجد أنّ زوجها الفقيد يدلف الغرفة حائرًا، يتحدثان لثوانٍ قبل أن يفقد الوعي ويدخل في صدمة، وتجد نفسها ملقى القبض عليها وعلى زوجها، ويتم التحقيق معها حول أشياء لا تعرف حتى كنهها.

رتم الأحداث في هذا الجزء سريع للغاية، وكلما نظن أنّنا أجبنا سؤالًا مما يطرأ على ذهننا نجد عشرةً أخرى تنبت مكانه، فمن أين أتى الزوج؟ ولماذا هو مريض لهذا الحد؟ أين كان غائبًا لعام كامل؟ ولماذا يلقى القبض عليها وعليه؟

تأخذنا الأحداث بعدها لمنعطف جديد، فنتعرف على ما يسمى الوميض، وهو شيء غريب نبت وسط الغابات، يحاول كل من العلماء والجيش اكتشاف كنهه، ولكن باءت كل المحاولات بالفشل، والعائد الوحيد من هذه الرحلات الميدانية هو كاين “أوسكار إسحاق” زوج لينا، وهناك رحلة قادمة لمجموعة من العالمات، لتنضم لهم لينا لتعرف ما هو السبب وراء غياب زوجها وعودته ومرضه؟

ناتالي بورتمان فيلم annihilation

إلى هنا الأمر لا يعدو فيلمًا خياليًا علميًا آخر، ولكن ما أن تدلف السيدات الخمس إلى الوميض حتى تبدأ فلسفة العمل الخالصة، والتي تظهر بصمة أليكس جارلاند فيها بوضوح، فحتى نستطيع تفهم هذا العمل يجب التوقف أمام هذا المخرج والكاتب المختلف، فقد بدأ مسيرته ككاتب وروائي، قبل أن ينتقل للسينما ككاتب، إلى أن قدم أول أعماله كمخرج وهو فيلم Ex Machina عام 2014 بطولة أوسكار إسحاق أيضًا، والذي ترشح عنه لأوسكار أفضل نص أصلي، وفاز الفيلم بجائزة أفضل مؤثرات بصرية.

يبدو فيلم Annihilation كما لو أنّه استطراد في شرح فلسفة جارلاند الخاصة، ونظرته السوداوية للجنس البشري، ففي عمله السابق رأينا قسوة الإنسان الذي قرر صنع الآليين كوسيلة لخلق مزيد من العبيد تحت الطلب، وبمواصفات خاصة حتى يجعلنا نتعاطف مع هؤلاء الآليين الأكثر إنسانيةً من البشر، وهذه المرة يضعنا أمام سؤال جديد، لماذا يقوم الإنسان بتدمير نفسه بصورة مستمرة؟

فعندما ننظر للفيلم نجد أنّ هناك خمسة سيدات يقمن بمهمة مستحيلة، فما هو السبب وراء ذلك؟ ولماذا يدمن الإنسان على الخمر أو التدخين؟ لماذا يأكل طعام يعلم بصورة مؤكدة أنّه يضره؟ لماذا يدمر كل علاقة جيدة يدخلها؟

فيلم annihilation

ونعود مرةً أخرى أول مشاهد الفيلم، ما هو السرطان؟ هو خلية بشرية عادية جدًا من المفترض أنّها قررت الخروج عن المألوف وتكاثرت بصورة غير منطقية لتدمر جسم الإنسان من الداخل، في الحقيقة وما يقوله أليكس جارلاند في فيلمه أنّ الإنسان يمثل دور السرطان ضد نفسه، ويمارس هذا التدمير الممنهج بصورة يومية.

أمّا عن الوميض الذي ابتلع النساء الخمسة والرجال السابقين ما هو سوى ذلك السرطان بصورة مكبرة عنيفة واضحة، تبدو في البداية بديعة المنظر، ولكن رويدًا رويدًا تخلص إلى التشوه والدمار.

استخدم جارلاند الصورة في التعبير عن أفكاره هذه، فما أن ندلف إلى الوميض مع بطلاته حتى تأخذنا الدهشة بهذا كل هذا البهاء، نباتات عجيبة مختلفة تخرج من ذات الغصن، حيوانات خليط من عدة أنواع مختلفة، كل كادر يمثل لوحةً عجائبيةً، ولكن سريعًا ما يظهر الرعب باستخدام ذات الأدوات، ونجد أنّ الجمال من الممكن أن ينقلب لغاية القبح عندما يزيد الأمر عن الحد.

فيلم Annihilation

التصوير في هذا الفيلم اختلط تمامًا مع المؤثرات البصرية، وخلقا معًا صورةً مرعبةً في إبهارها، مع استخدام مميز للألوان، التي ظلت باهتةً طوال الفصل الأول من الفيلم حتى دخول السيدات إلى الوميض، ثم سطعت فجأةً بتنوع مميز الهدف منه إبهارنا في البداية، ثم تحول هذا الإعجاب إلى رعب قرب النهاية.

السرد طوال الفيلم كان على هيئة فلاش باك طويل، فنتعرف على لينا التي خرجت للتو من الوميض، وتقص علينا ما حدث منذ البداية وهي في صدمة كاملة، لا تعرف كم مر عليها وهي في الوميض ولا كيف ظلت حيةً سوى بأقل القليل من الطعام لشهور، أي أنّنا كمشاهدين نعلم منذ البداية أنّ بطلتنا ستخرج سالمةً، ولكن ليس ذلك الذي يهمنا، ولكن يبقى السؤال كيف خرجت؟ وكيف انتصرت؟ وتترك لنا النهاية سؤالًا أكبر كثيرًا، وهو من التي انتصرت بالفعل؟

شخصيات الفيلم جاءت كما في Ex Machina منعزلةً مع مسحة حزن خاصة، نعلم أنّ مصيرها أسود، ولكن نظل نسير معها لنعرف كيف ستصل إلى هذا المصير، أكمل هذا الطابع العام للفيلم، ولكن لم يعطِ أبطاله الفرصة لإظهار قدرات تمثيلية خاصة، أو براعة معينة، ولكن ما يدعو للثناء أنّ كل منهن قد قدمت دورها كأفضل ما يكون في الإطار المهيمن على العمل.

في النهاية Annihilation أخرج نتفيلكس من كبوتها بعدة أفلام سيئة منها على سبيل المثال What Happened to Monday، ولا ننسَ Bright الكارثة التي تم عرضها منذ شهور قليلة، وذلك بفضلك أليكس جارلاند بالتأكيد الذي قدم فيلمًا يجمع بين الخيال العلمي والغموض، وبعض الرعب الذي جعله يستحق تصنيف R وسيصدمك على الأغلب بضعة مرات خلال المشاهدة، ولكنه عمل يستحق المشاهدة بالتأكيد، ولو كنت لازالت محتارًا بخصوص النهاية يمكنك مشاهدة الفيديو القادم لبطلات العمل يعطين فيه المشاهدين بضعة تلميحات تعينهم على الفهم.

0

شاركنا رأيك حول "فيلم Annihilation: مرآة مشوهة تُظهر الإنسان على حقيقته"