فيلم Victoria .. إنجاز فَنّي آخر في عالم السينما

0

شاهدنا العام السابق فيلم يُدعى Birdman، برز فيه من دون أدنى شك عنصر التصوير السينمائي، الذي تم معالجته ليظهر بشكل لقطة واحدة مُذهلة تسرح بالمشاهدين في أروقة الفيلم الهائلة، ولكن كما قلت، تم معالجة الفيلم ليظهر بشكل لقطة واحدة. تخيلوا إذا تمّ واقعياً تصوير الفيلم بلقطة واحدة، بدأ التصوير عند ثانية محددة ولم يتوقف حتى انتهى كل شيء، وهذا هو ما يميّز فيلم Victoria هذا العمل السينمائي الخارق الذي فرض بفرديته ابداعاً استثنائياً في عالم السينما.

بصراحة، كان هذا العمل السينمائي مذهلاً، تجربة سينمائية لن تنساها في حياتك، ينطلق بك منذ تلك اللحظة الأولى الأخاذة إلى عالمٍ لم تعلم حتى بوجوده، بتلك القدرات التصويرية السينمائية الهائلة التي برزت وأظهرت معه الفيلم في أبهى حلّاته، تلك العملية التي يُفرض احترامها كفكرة، ولا بد من الاندهاش بها بعد تنفيذها.

فيلم Victoria - الفرحة

ببساطة كلاميّة شديدة، بلغت مدة الفيلم تقريب الـ (2.5 ساعة) لم يتوقف فيها التصوير عند أي لحظة، بمصوّر سينمائي شبيه بذلك الصحفيّ الذي يسعى دوماً لنقل الحدث، مع تركيزه الشديد على الشخصية الرئيسية التي لم تفارق مشاهد الفيلم، مع إضافات بصريّة مُزعجة، تُحفّز المشاهد بشكل كبير، وتشعره بعد الارتياح، ولكن كل هذا جزء من المشروع السينمائي الهائل المتلخّص بذلك التصوير.

تظهر هذه التقنية بشكل ممتاز في بناء التشويق الخاص بالفيلم، فهي تقدّم انطباع الثواني للمشاهد، وكأن أحداث الفيلم تحدث بشكل مباشر أمام أعين المشاهد وتمشي في الزمن سويّة مع المشاهد الذي لن تُخفَ عليه أي ظاهرة أو تفصيل من الفيلم بأكمله، وخاصةً بعد تكوين ذلك الرابط مع شخصيات الفيلم.

فيلم Victoria - المصعد

قام المصوّر (ستورلا براندث غروفلن) بمسؤولية تصوير الفيلم، حاملاً آلة تصوير واحدة لم تتوقف عن العمل حتى آخر لحظات الفيلم، مشاركاً أبطال الفيلم رحلتهم، ومعتمداً على تصوير الشخصيات بطريقة دقيقة متجنباً أي ألاعيب بصريّة مبهرة للعين، حتى في بعض اللحظات ستنسى أنك ما زلت تشاهد لقطة واحدة، فقط لإبراز العنصر الدراميّ بقوّة شديدة وحذف كلمة “فيلم” مما تشاهده، في محاولة لزيادة الواقعيّة التي تطرحها قصة الفيلم في سياق العرض.

إنه عمل سينمائي فّني في المقام الأول، حيث تبرز القيمة الفنيّة لهذا الفيلم في الطريقة التي تناول فيها المصوّر شخصيات الفيلم، وليس فقط تلك اللقطة الواحدة، بل جميع تفاصيل الفيلم مع مهمة إخراج صعبة قام بها سيباستيان شيبير الذي انتهى من الفيلم بعد ثلاث محاولات، ثلاث لقطات، ثلاثة أيام وكان الفيلم جاهزاً بنظر المخرج.

فيلم Victoria - البداية

بالطبع إذا وضعنا الإبداع التصويريّ جانباً، تبقى الفكرة الرئيسية للمخرج أو الهدف الرئيسي هو صنع فيلم واقعي على أكبر قدر ممكن، وقدّم التصوير ذلك بأفضل شكل ممكن، لكنه لم يكتفِ عند ذلك، حيث قام المخرج بالتخطيط لتفاصيل كبيرة من أحداث الفيلم لزيادة العنصر الواقعيّ في الفيلم، حيث ستشاهد تفاصيل صغيرة جداً، وذلك في إطار زمنيّ مغلق مثير جداً للإعجاب.

تخيلوا فقط أن هذا المخرج على الأغلب بقي صامتاً فترة تصوير الفيلم كاملةً، قدّم ملاحظاته وتعلمياته لطاقم العمل، ثم قال لهم انطلقوا وعودوا بالفيلم، وهذا ما حصل، فهذا العمل الهائل يتطلّب التزاماً كبيراً من طاقم العمل بأكمله، وخصوصاً المصوّر من ناحية والممثلين من ناحية أخرى، الذين كانوا بدون أي استثناء عباقرة اثناء أدوارهم الصعبة، والذي ضمّ حوارهم الكثير من الارتجال المثير للإعجاب، فلم يتجاوز نصّ الفيلم الـ 12 صفحة، ولكن الارتجال كان ضرورة ونجاح أثناء العمل على هذا الفيلم.

فيلم Victoria - السرقة

بعد تجهيزه للفكرة وأساسيات النصّ، يبقى هناك القصة التي يجب أن تُعرض في إطار قابل للتصديق أثناء محاولة صنع فيلم شبيه بالواقع، فهل نجح بذلك؟ بكل تأكيد، حذقة وبسيطة، كانت القصة، بطيئة في بعض الأحيان، لكنها بشكل عام مؤثرة، مليئة بالحركة والأكشن المفاجئ أيضاً، وغير ذلك احتوى على نقاط دراميّة هائلة برزت بالرغم من عناصر الفيلم التقنيّة المذهلة.

ما يزيد صعوبة صنع هذا الفيلم هو وجود بعض مشاهد الأكشن، أو كميّة لا بأس بها من الأكشن والحركة، ولكن مرّة أخرى، لقطة واحدة كانت كافيّة للمخرج الذي رفض تقطيع الفيلم، واحسن كثيراً بقراره الذي أدى إلى ظهور واحد من أبرز أعمال 2015 السينمائية، بعبقريّة مُطلقة انطلقت من المصور وانتهت مروراً بالمخرج بطاقم التمثيل الفريد من نوعه.

فيلم Victoria - البيانو

لعبت الموسيقى مرّة أخرى عاملاً هاماً في أحداث الفيلم، كانت متنوعة ومدموجة في الكثير من المشاهد، بدايةّ من التكنو وصولاً إلى الصمت الهائل، عنصر آخر فعّال في سياق عرض الفيلم، ارتبط مباشرةً بشخصيات الفيلم التي حاول الكاتب إظهارها بأكثر أشكالها بساطةً وعفوية ليتكفّل المخرج بالباقي.

يتحدثّ فيلم Victoria عن فتاة اسبانية ومقابلتها لأربع شبّان ليلاً في برلين، لترافقهم في رحلتهم الغريبة. لن أفصح عن المزيد من أحداث هذا الفيلم لأنه وببساطة شديد محدود بفترة زمنيّة بين الـ (4:30 والـ 7:00 صباحاً) أي مجال قصصي ضيّق وكافي، لكن عليك خوض هذه التجربة دون أن تملك أي فكرة عن الذي ينتظرك على الشاشة الكبيرة.

فيلم Victoria - بوستر

فيلم ألماني الإنتاج، حاز على جوائز كثيرة في سياق التصوير السينمائي والعمل الفنّي، كان من أقوى المنافسين على تمثيل ألمانيا في عالم جوائز الأوسكار، ولكن بسبب احتوائه على كميّة كبيرة من اللغة الإنجليزية تم اقصائه من المنافسة، ولكن فيلم مشابه لا يحتاج إلى الجوائز لتخليده فما عرضه سيبقى محفوراً في ذاكرة المشاهدين مهما كانت نتيجة المسابقات والمهرجانات.

فيلم بسيط في المحتوى، مُعقّد في فكرة صنعه، أظن أنه المزيج المناسب الذي يبرز عمل دراميّ مختلف تماماً عن كل ما شاهدته في حياتك، تجربة سينمائية فريدة من نوعها، شاهدها استمتع بها، ومن بعد ذلك فكّر بالمجهود الكبير الذي تم بذله لصنع هذا العمل، لأنه حينها ستدرك وتُقدّر القيمة الفنيّة لهذا العمل السينمائي.

تحذير! هذا الفيلم يحتوي على مشاهد ولقطات قد تُأثّر على المرضى المصابين بالصرع.
أمر آخر أيضاً.. لن أضيف تريلر فيلم Victoria هنا، لأنك عليك مشاهدته والاستمتاع به، واكتشاف تفاصيله التي يجب أن تكون غامضة بنفسك، ولا انصحك بمشاهدة التريلر.. ثق بي وشاهد الفيلم! 
0