مسلسل خلي بالك من زيزي
0

مع كل الأحداث الفنية التي حدثت قُبيل رمضان كان منها انتشار وسم “نتفرج وبعدين نحكم”، وبغض النظر عن السياق الذي ظهر على أساسه الوسم لا يمكن إنكار أهمية المبدأ نفسه. أي أحكام يتم إطلاقها على أي عمل فني في بدايته فهي بالتأكيد أحكام أولية على ما تم عرضه ورؤيته بالفعل وليس وجهة نظر نهائية. ولعل مسلسل خلي بالك من زيزي من أكثر المسلسلات التي يجب تطبيق عليها مبدأ “الفرجة أولاً”.

القولبة وكيف أثرت على الهدف من العمل

هروب أمينة خليل من فرحها مسلسل ليه لا

مسلسل خلي بالك من زيزي بطولة أمينة خليل ومحمد ممدوح من إخراج كريم الشناوي، منى الشيمي فكرة وسيناريو وحوار وإشراف عام على الكتابة مريم نعوم. يدور المسلسل في إطار كوميدي حول زيزي/زينب المتهمة في قضية اعتداء على زوجها وتحاول إثبات براءتها بمساعدة المحامي الشاطر مراد.

أمينة خليل التي قدمت العام الماضي مسلسل “ليه لا” بمقدمته الشهيرة “اللي قادرة على التحدي والمواجهة”، ومع انقسام بين مؤيدين وساخرين من العمل وكلمات الأغنية حظي المسلسل بشهرة وانتشار واسع وقام بإثارة جدل كبير. الحقيقة أن هذا العمل ربط بشكل تلقائي وقوي صورة أمينة خليل كممثلة وصورة الفتاة القوية المتحررة التي تريد أن تحارب كل قوانين المجتمع، ونمط كهذا في مجتمع شرقي ذكوري مصيره السخرية التامة وأن يكون مادة خام لصناعة الميمز.

في الحلقة الأولى من المسلسل تظهر أمينة خليل في نمط متوتر غير متزن بسبب معرفة خبر فشل عملية التلقيح الصناعي وتسيطر عليها نوبة غضب فتقوم بضرب زوجها بأداة معدنية وتكسر زجاج عربيته. ليتم تداول هذا المشهد مع جمل ساخرة من “اللي قادرة” بالإضافة إلى الكثير من الوعظ ضد حركة تحرير المرأة، فهل هذا بالفعل ما يريد توضيحه العمل؟

زيزي ليست “اللي قادرة” بل هي “اللي محتاجة تتعالج”

منذ اللحظات الأولى لزيزي في الحلقة الأولى ويظهر عليها التوتر بشكل زيادة عن اللزوم لدرجة أنه بعد مشاهدة الحلقة تشعر بالغضب الشديد من شخصيتها، ومع تتابع الحلقات يظهر ببطء شديد شخصية زيزي لنكتشف أنها ليست مجرد فتاة عصبية ترث هذه الطباع من أبوها ولكنها تعاني من “الاضطراب الانفجاري المتقطع IED” وهو اضطراب غالباً متطور عن اضطراب آخر يلازم الفرد منذ طفولته. تتلخص أعراضه في نوبات متكررة متقطعة من الغضب أياً كان نوعه؛ لفظي، بدني، سلوك قهري عدواني..  تتشابه أعراضه بشكل كبير مع أمراض أخرى مثل الهوس ولكن السمة المميزة له هو الفجائية، بالإضافة إلى تسارع وتطاير الأفكار وزيادة الطاقة مما يؤدي إلى الرعشة والخفقان.

من المفترض أن تكون هذه سمات زيزي المرضية، ولكن مع التطويل المبالغ فيه في الأحداث والمشاهد غير المبررة -مثل مشهد الحلقة الثانية وزيزي ترجو هشام أن يسمح لها بالدخول لمنزلهم- يغيب عن المشاهد الخيط الدرامي الأساسي وهو مرض زيزي، ليتوه بين محاولات التأويل لكونها إمرأة قوية متحررة، أو سيدة وقحة وعنيفة. والحقيقة أنه بشكل آخر وتعميق أكثر في شخصية زيزي وإظهار أعراض مرضها بشكل درامي كان سيقي المسلسل من التأويل الخاطئ الذي وقع به الجمهور.

أقرأ أيضًا: هل كان سي السيد عدوًّا للمرأة؟ حديث عن شخصية نجيب محفوظ الأبرز

طريقة عرض مختلفة لطفولة زيزي

أشارت الناقدة السينمائية علياء طلعت إلى لقطة درامية في المسلسل عبر موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك قائلة:

“بيقدم مسلسل خلي بالك من زيزي شخصيتين واضح جدًا الترابط بينهم، شخصية زيزي البنت اللي عندها اضطرابات نفسية مأثرة على حياتها، وشخصية تيتو الطفلة اللي برضه عندها بوضوح اضطرابات واضحة.

الشخصيتين على الرغم من أن مفيش بينهم صلة نسب إلا إنهم بيكملوا بعض، لأن زيزي هي تيتو، لكن زيزي هي النسخة الأنضج اللي كملت على نفس المسار، بينما تيتو هي النسخة الطفولية منها.”

تيتو هي ابنة أخت مراد التي ظهرت في الحلقة الثالثة بعد عودتها هي وأمها من المنصورة، على المستوى النفسي وبلغة الاضطرابات النفسية تعاني تيتو/عطيات من اضطراب التحدي والعناد ODD الذي يصيب الأطفال وغالبًا لا يلتفت له الآباء ويعتبروه “شوية شقاوة”. يعاني الطفل المصاب بهذا الاضطراب بزملة من الأعراض على ثلاثة محاور (الغضب والمزاج الإنفعالي، السلوك الجدلي والعنادي وحب الانتقام) على ثلاثة مستويات (ضعيف، متوسط وحاد). وإذا لم يتم علاج الإضطراب منذ الصغر يتحول في الكبر لـ الاضطراب الانفجاري المتقطع، أي أنه بالفعل تيتو هي مرآة زيزي في صغرها. لجأ العمل بدلًا من استعراض طفولة زيزي في ذكريات، عرضها بشكل متزامن مع المشكلة في الكبر. يظهر ذلك مثلًا في مشهد نهاية الحلقة الخامسة حينما سخر الأطفال في الفصل من اسم عطيات وخجل تيتو منه وردها العنيف على زمليها المتنمر على اسمها، يبرر هذا المشهد إصرار زينب على مناداتها باسم زيزي مثلما ظهر في عصبيتها على مراد في أول لقاء بينهما حينما ناداها بزينب.

وفي مشهد آخر تقوم تيتو بالرسم على الحائط وبدلًا من أن تعاقبها الأم على الخطأ تربت عليها في أثناء نومها وتقوم هي بمسح الحائط. يبرر هذا النمط في التربية -التي تلقته بالتأكيد- إحساس الاستحقاقية في امتلاك الأشياء وإصلاح الآخرين للكوارث التي تفعلها الموجود عند زيزي .

 

منشور الناقدة علياء طلعت

السمات الشخصية والجسدية بين زيزي وتيتو

يلاحظ من الحلقة الأولى ارتداء زيزي معطف بشكل متكرر لونه أحمر، يدل اللون الأحمر عادة على المشاعر القوية، في حالة زيزي فهي مشاعر الغضب والتوتر بالإضافة إلى شعر مبعثر مقارنة بابنة خالتها ذات الملابس الأنيقة. أما عن تيتو فيظهر لديها بوادر عدم هندمة في ملابسها وبعثرة بشكل عام في ألعابها.

التعبير عن الاضطراب بين أمينة خليل وريم عبد القادر

زيزي وتيتو

ريم عبد القادر الطفلة التي اشتهرت بدور شيراز من مسلسل ما وراء الطبيعة إخراج عمرو سلامة العام الماضي، حيث أشاد الجميع بأدائها الذي يفوق سنها بكثير. وفي مسلسل خلي بالك من زيزي يظهر نضجها التمثيلي أكثر فبدون مبالغة وبطبيعة شديدة تؤدي ريم دور الفتاة التي هي في الأصل مضطربة نفسيًا ولكن تبدو للأشخاص الذين لا يملكون الخبرة العلمية هي مجرد طفلة شقية زيادة عن اللزوم. أدت ريم هذه المعضلة بخفة وتلقائية ومن أول مشهد لها في القطار تضعك تارة بين الغضب الشديد والانفعال منها والضحك أحيانًا أخرى.

هل يمكنك فهم جملة “أدت الدور العنيف بعنف زيادة عن المطلوب”؟ هذه الجملة تنطبق تمامًا على أداء أمينة لدور زيزي. فمن المفترض أن تكون زيزي عصبية -معظم الأوقات وليس كلها- مع قدر من السرعة في الكلام  الناتج عن تطاير الأفكار والتوتر الشديد، حينما حاولت أمينة تجسيد هذا التوتر ظهر في حركات عشوائية في السوبر ماركت أو من خلال تحريك رجلها بشكل متوتر في جلسة العلاج النفسي، بالإضافة إلى تعبيرات وجه متشابه تقريبًا توحي بشخص على وشك ضرب أحدهم، كلها أمور إذا اجتمعت معًا بالإضافة إلى المشاهد التي تبكي بها ويظهر الجزء الضعيف من شخصيتها -ضعيف بشكل مبالغ فيه- تصيب المشاهد بنوع من الحيرة واضطراب الفهم، بمعنى آخر أن أمينة خليل حتى الأن وبعد 6 حلقات لم تمسك سمات الشخصية النفسية بشكل كامل حتى تعبر عنها بأداء مقبول مفهوم للجمهور، وأن فكرة عكس الشخصيتين في الصغر والكبر في مرآة قد تضيع  بسبب التطويل في الأحداث مما يؤدي إلى فقدان هذا الخيط وسط خطوط درامية مطولة أخرى كثيرة.

هل المشكلة في شخصية زيزي وتيتو فقط؟

مراد المحامي وسامي الطبيب من مسلسل خلي بالك من زيزي

الحقيقة أن شخصيات المسلسل كلها تقريبًا تحتاج لزيارة أخصائي نفسي مختص في تعديل السلوك، من المفهوم طبعًا أن كل نمط شخصية في الدراما له عقدة نفسية ما منها تنطلق الحبكة والتصاعد الدرامي وما إلى ذلك، ولكن في مسلسلنا هذا -ربنا يحمي جميع القراء- أغلب الشخصيات لديهم اضطراب نفسي واضح يمكن من خلال الحلقات الأولى إمساك أطرافه عند كل منهم.

فمثلًا وليد زوج هدى يظهر تعلقه المرضي بأمه الذي يجعله بشكل أو بآخر لا يفكر بمنطقية فيما يخص مستقبل أسرته.

العلاقة الثنائية بين ياسر وهشام عسل تظهر بنمط متحكم/خاضع، ومن الواضح أن هشام يكون في النمط الخاضع السلبي في أي موقف حتى مع تلاميذه.

أسرة كوكي خالة زيزي كذلك على مستوى جيلين (الجد والجدة/ نيللي وزوجها) تعاني من تفكك أسري بسبب عمل الزوج في الخارج تحاول نيللي كسر هذا النمط ولكن تدفعها أمها له بشدة وتشجعها عليه بدافع تحسين الحالة المادية للأسرة، مثلًا في الحلقة الخامسة؛ وفي نفس الوقت التي تنهي نيللي أطفالها عن سلوكيات مثل إلقاء حقائبهم على الأرض تقوم نيللي بنفس التصرفات مع أمها التي تحمل حقيبتها ومفاتيح سيارتها بدلًا عنها.

كما تعاني كلًا من الأم والأبنه من حرمان عاطفي واضح تحاول كلاً منهن تعويضه إما عن طريق المسلسلات الرومانسية ومشاهد “التسبيل” بها في حالة كوكي/ الأم، أو عن طريق بوادر مشاعر نيللي/الأبنة تجاه مراد ومحاولات التقرب منه التي تجاهد نفسها الا تقدم عليها.

حتى الطبيب النفسي نفسه الذي يؤدي دوره صبري فواز، مبني على الصورة النمطية عن الطبيب النفسي المُلح في الأسئلة ذي الذكاء والحذق الشديد الذي يشعرك بعدم الارتياح بمجرد الجلوس معه وكأنك فأر تجارب تشرح نفسيتك تحت المجهر مع كل كلمة تنطقها، وهي في الحقيقة صورة مبالغ فيها تمامًا عن الواقع.

يبدو أن العمل بالكامل مبني على شبكة من الاضطرابات النفسية الواضحة وفي ذات الوقت لا يلتفت لها الكثيرون على أنها اضطرابات نفسية موجودة بالفعل، يحاول من خلال ذلك إلقاء الضوء على أهمية الصحة النفسية وبالأخص للأطفال. لذلك إذا أردنا الحكم على الرسالة التي يريد أن يوضحها العمل علينا أن “نتفرج” في البداية ثم نحكم ولا نحكم أحكام غير منطقية بناء على نمط من الأدوار أدته بطلة العمل في السابق!

أقرأ أيضًا: لحم غزال وخلي بالك من زيزي: بدايات مُبشرة بعرض الحلقة الأولى قبل بدء شهر رمضان المبارك

0

شاركنا رأيك حول "مسلسل خلي بالك من زيزي: شخصيات تحتاج لزيارة أخصائي تعديل سلوك"