كيف نرى الجمال فيما هو قبيح؟

1

مقال بواسطة هبه إبراهيم  عيسى 

عندما تنظُر إلى مواسيرِ الصرف الصحيّ  فأنتَ تنفر منها، ربما السبب هو أنك تشم الرائحة التي تدفعك لتدوير وجهك للجهة المعاكسة وسدّ أنفك، أتفق معك فالأمر صعب تقبله.

لكني جئت أخبرك أمراً ربما لا تتقبله إطلاقآ إذا كانت لديك الرغبة في التسطح أو أن تكون قابليتك للإكتئاب عالية لأنه في الحالتين لن يكون لديك الإستعداد لتقبل القادم من حديثي، أو أن تكون أنت بذاتك سوداويّ النظر، بمعنى أن ترى في الجمال الصريح المتفق عليه قبحاً، قد  يكون في حديثي ديكتاتورية هنا في الحكم عليك بمعيارين مختلفين لكن صدقني هي ديكتاتورية إيجابية..

فستسأل حتماً، لماذا أكون سطحياً عندما أرفض جمالاً الكلّ متفق عليه في حين يبدوا لي أن هذا الامر كسراً لقواعد ثابتة وباب من أبواب التعمق؟!

سأجيبك بأن الحياة قصيرة لنجمّد أنظارنا ونظرتنا فيها على تسويد البياض، لأن هذا الأمر سهل جدا، انما الأصعب هو تبييض السواد، وإستكشاف الجمال في القبح.

أما إذا كنت من الأشخاص الذين لا يبالون، والغير مهتمين إلا بما يفعله الآخرين، فلا تكمل هذا المقال

لنعود إلى نقطة حديثنا الأولى وهي “ماسورات الصرف الصحي”.

في العادة والطبيعي جداً .. أن الجميع وجد ماسورات الصرف الصحي سيئة فانتهجت أنت الآخر منهجهم ولم تجرب مرة أنت تبحث عن الجمال في الأشياء التي اتفق الناس جميعا على قبحها، وأن آخر الأشياء التي يمكن أن ترى فيها جمال هي ماسورات الصرف الصحي الصدِئة.

ولم تدرك بنظرتك هذه أن هذا الصدأ الذي تزدريه هو أصل الجمال ذاته، فماسورات الصرف الصحي وقد أخذتها هنا كمثل رغبة في إنجاح المثل الذي يقول”أن هناك شرباتٌ من الفسيخ” وبأن هناك من ينظر تلك النظرة التعمقية للأشياء الأكثر قباحة في نظر الناس  ليكتشف أن بها جمال غائب لا يدركه الناس، اكتشاف هذا أمر رائع يزيد من تيقنك الداخلي أنك أكثر إيجابيةٍ منهم.

وان كنت رساما فبامكانك تجسيد هذا الجمال القبيح في لوحة لتتحول بها لفنان مبدع، وما الإبداع ياعزيزي إلا تحويل الثوابت إلى مفاهيم مجسّدة يراها الناس فيندهشون وتثير لديهم وداخلهم شيئآ ما لم يكونوا قادرين على شرحه أو التعبير عنه من قبل.

وإن كنت موسيقياً قد تعزف من وحي القبح جمالآ يرتبط بأذن المستمعين فيدهشهم المصدر ولا يكون بوسعهم إلا التصفيق وكذلك الكتابة والتمثيل والغناء، جميعها قد تؤكد على تلك المعاني التي لا يمكن ان يستكشفها غيرك، لا يعرض المبدع الحقيقي الأشياء المعتادة للناس كما هي بل عليه أن يبحث عنها داخل القبح ويستكشف جمالياتها وبقدمها للجماهير التي حتماً ستندهش من ذلك المبدع الذي استخرج لؤلؤة الجمال من محارة القبح.

وبصفتي فنانة أو أحاول أن أكون، دعني أشرح لك عزيزي القاريء وبشكل مبسط ذلك الجمال الذي رأيته في مواسير الصرف الصحي، لكن قبلها أزل التصوّر القذر الذي في مخيلتك وعقلك عنها وإستسلم للقادم من وصفي وبعيدا عن الروائح الصادرة منها تماماً.

الآن تصوّر معي تداخل ألوان الطحالب الخضراء عليها  بدرجات الأخضر المتدرجة بين الفاتح والأغمق حسب اتجاه الضوء.. وتندمج الألوان اندماجا شديد الروعة، يجعل المناطق اللونية المشتركة في المساحات أكثر تناغماً واللون القرمزي مع اللون الأرجواني الذي يشعرك أن الأحمر سينبعث منهما حالاً والأخضر تولدت منه درجات يعجز أي فنان عن تكوينها بفرشاته عند خلط الألوان، أو قد يحتاج  الأمر منه وقتاً كبيراً للحصول على درجة لونية واحدة منها.

تلهم الفنانين بأفكار ومجموعات لونيه بالغة الجمال، خطوط المواسير المستقيمة بحركاتها المتداخلة صنعت مجسماً حركياً ينام على الآرض.

لذا فالناظر إلى اللوحة سيفهم تماما كم المشاعر الجميلة التي إختزلتها في لوحتي عن مواسير الصرف الصحي، وتخيل معي كم سيبدوا العالم رائعآ اذا نظرنا لكل قبح فيه بعين الجمال، لأن الجمال يوجد من القبح لا محالة.

سأتركك مع هذه اللوحات التي رسمها الصدأ، وقس على ذلك كل شيء في الحياة، فالقبح المتفق عليه يتمخض جمالآ لا يماثله جمال.

7

4

2

5

1

3

1