فيلم المسافر وسحر السينما الشرقية

محمد بطيخ
محمد بطيخ

5 د

تمتاز منطقة الشرق الأوسط أو كل ما يقع ضمن نطاق “الشرق” في عالمنا اليوم بثقافة فريدة جداً ومختلفة جداً عن بقية ثقافات العالم. اعتقد أننا يجب أن نكون فخورين بالكثير من أجزائها، خاصة الوجدانية منها.

 في هذا الإطار، ابدأ مشروعي في نقد سينمائي فني ثقافي أنثروبولجي ومجتمعي في إطار مجموعة أفلام تعتبر من إبداعات السينما الشرقية ومن علامات السينما العالمية على مر التاريخ.

اختياري لفيلم “المسافر” – من إنتاج وزارة الثقافة المصرية في العام 2009 مع سيناريو وإخراج أحمد ماهر ليكون في مقدمة السلسلة التي ستتحدث عن سحر السينما الشرقية في تصوير وتجسيد وجدان هذه المنطقة. الشرق المتهم بالعجرفة في حقيقة الأمر رومانسي جداً وجميل جداً جداً – سببه شاعرية الفيلم وعمقه الوجداني مع القليل من الألم. الألم الذي هو عَرَض أساسي من أعراض الشاعرية؛ ولكن أحمد ماهر تفاداه بمهارة.

السبب الآخر، والأقوى، أنه الفيلم الأول من نوعه في السينما المصرية، ومع ذلك، فهو الفيلم الذي حاز على أكبر هجوم في تاريخ السينما المصرية تقريباً؛ من المخرجين، النقاد، المدونين، السينمائيين، وحتى في المهرجانات. للدرجة التي دفعت “عمر الشريف” وهو أحد أبطال العمل (يمثل دور البطل ولكن في مرحلة عمرية متأخرة) يهاجم الطريقة التي خرج بها الفيلم للنور بمنتهى العصبية والانفعال. بل، لقد هاجم فيلم المسافر نفسه وكل طاقم العمل. لقد أهان واحد من أفضل أعماله على الإطلاق، وربما كان ذلك بسبب أنه لم يحظَ بالشهرة التي تناسب “أنا” شخصية عالمية كشخصية عمر الشريف.

فيلم المسافر - بوستر

ذو صلة

ليس فيلم المسافر كمن يظنّ لأول وهلة أنه مجموعة هائلة من المشاهد الرمزية (المشفرة) والتي تحتاج مجهوداً كبيراً وعصفاً ذهنياً لتوقيعها على التاريخ المصري وسبر أغواره؛ ليست هكذا تُقرأ السينما. قاعة السينما ليست قاعة للمحاضرات. إنما لديّ قاعدة واحدة استطيع من خلالها أن “أعيش” العمل السينمائي، وهي أن أترك وجداني يشاهد الفيلم أكثر من عقلي.

الفيلم الذي تم إنتاجه بمنحة من وزارة الثقافة في العام 2009، قدرها آنذاك على حسب معلومات موقع الجزيرة عشرين مليوناً.. والذي يعده البعض مغامرة إنتاجية كبيرة، والبعض الآخر أنها “كارثة فنية”!! لكن، هناك رأي آخر في كل الأوقات..

القصة الوجدانية هنا هي قصة الإنسان المصري منذ سنة 1948 إلى مطلع القرن الحادي والعشرين. وتبدأ القصة من الماء، على بحر بورسعيد، وتمر ببحر الإسكندرية، وتنتهي أيضاً في الماء، نيل الجيزة.

فيلم المسافر إذاً ثلاثة مراحل. لكل مرحلة تاريخ، ولكل تاريخ دلالة واضحة، ولكن الشيء المثير هنا هو تناول هذه الدلالات في الفيلم بشكل فريد ومختلف. من ساعي البريد الذي لم يدرك أن هناك حياة مختلفة رغداء على أرض بلاده غير الشقاء، وأن الحب يستحق السعي وراءه ولو في البحر، إلى تيه ما بعد الانتصار، وفي النهاية، الوحدة المُطبقة.

استطاع وجداني أن ينغمس في الفيلم كمصريّ أصيل، وأن يسافر مع المسافر منذ 1948 إلى 2001.

فيلم المسافر - مشهد

في المرحلة الأولى من اكتشاف الذات إلى التنصّل منها. الحب وحيرته وحسم الموقف بالاغتصاب. الجمال المصريّ وهزيمته عندما لم يجد فهم صحيح له..

في المرحلة الثانية غرق مصر بعد الانتصار مباشرة في ثقافة استهلاكية ودينية غريبة عن ثقافة الأرض المصرية. تم تصوير هذا المعنى وجدانياً بشكل واضح جداً وغريب جداً، يعبر عن غرابة ما حدث. حيث جسدت هذا المعنى سيرين عبد النور في مشهد سريالي رومانسي وجميل وهي تغرق بفستان الفرح في بحر اسكندرية في السبعينات، وعندما وافق البطل “خالها” على أن تتزوج من معتوه أشعث أغبر بعد أن أقنع خالها أنه موعود بها من “علي”!

إلى المرحلة الثالثة وهي مرحلة مؤلمة تُعبّر عن النفي والاغتراب، في أحد أعمق وأعظم مشاهد السينما المصرية قاطبة في رأيي، حيث في شهر رمضان، ومع آذان الإفطار، وفي يد عمر الشريف علبة من الحلوى، يجلس على كرسيّ هزاز، ينظر لنقطة بعيدة غير محددة، في وحدة مطبقة قد حاول أن يهزمها بأكل الكحك ولكنها هزمته، اغتراب شديد وطريقة محترفة لعمر الشريف في أكل تلك الحلوى وهو ينظر لتلك النقطة الغير معلومة.. لقد بكيت. جعلني المشهد أبكي. وحتى لو شاهدته ألف مرة أخرى سوف أبكي كثيراً وكثيرا.. وعلى الرغم من أن بطل المشهد مسنّ، إلا أنه مشهد لجيل كامل من المغتربين الذين يأكل وجدانهم الحلوى بنفس تلك الطريقة.

فيلم المسافر - تاكسي

الموسيقى التصويرية في الفيلم عصرية جداً وحداثية جداً. ومشاهد للقاهرة الكبرى أغلبها في الجيزة. عدة مفارقات (Paradox) قدمها أحمد ماهر في لقطات واسعة تزامنت مع محاولة البطل في المرحلة الأخيرة (مرحلة عمر الشريف) للفذلكة والفهلوة ومحاولته حتى لعمل عملية استرجاع أو تذكر أو تجميل لتاريخه وروحه ووجدانه المعطوب للتغلب على اغتراب شديد يعانيه الوجدان المصري في مطلع القرن الواحد والعشرين. عبّر عن ذلك في محاولة لعمل عملية تجميل لـ”علي”؛  لكنه انتهى بذلك المشهد الذي تحدثنا عنه: يأكل الحلوى وحيداً..

أنا لا أسعى لتقديم قراءة “ذاتية” للفيلم لأنها ستبقى أولاً وأخيراً قراءة “ذاتية”. ولا أسعى لحرق تلك المشاهد التي أثرت فيّ أيما تأثير. ولا أسعى للدفاع عن فيلم ضد انتقادات وصلت حد السماء. ولكنني أنثر الغبار عن مناطق لم يتطرق أحد إليها منذ أن رأى الفيلم النور في ظروف اجتماعية وسياسية صعبة وقاهرة، إلى الآن.

في كل مرّة تشاهد فيها الفيلم سوف تقرأ وجداناً جديداً. وهذا ما أتحدث عنه بالتحديد: كيف تساعدنا السينما في قراءة وجداننا؟ ويا حبذا لو كان الوجدان متعلّق بالإنسان المصري ذو الثقافات الفسيفسائية المتعددة التائهة في عالم متشابك ومعقد ولا يترك مكان للطيبين. في كل مرة أشاهد أنا فيها نفس المشاهد أقرأ كلاماً مختلفاً. وأشعر مشاعر مختلفة. الفيلم تجربة ثرية جداً جداً، ومفيدة ولذيذة. وأراه فخر للسينما الشرقية وللمواطن الشرقيّ أينما كان. مشاهدة ممتعة في 145 دقيقة.


إعلان فيلم المسافر

فيديو يوتيوب

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة