فيلم The Batman.. الرجل الوطواط كما لم تره من قبل

مصطفى عرجون
مصطفى عرجون

9 د

أهلًا بكم في مدينة (جوثام) حيث يسيطر الأغنياء الفاسدون على مفاصل المدينة، ومناصب صنع القرار، وتحكم عناصر المافيا قبضتها على الجميع مع مرور كل لحظة. المدينة الأقل أمانًا في الولايات المتحدة كلها، حيث يعيش المليونير (بروس وين) حياة مترفةً في ظاهرها، ومُثقلةً في مضمونها بالمسؤولية نحو تلك المدينة الموبوءة بالجريمة والفساد، والتي تحتاج أمس الاحتياج إلى وميض أمل، حتى لو كان ضئيلًا. أهلًا بكم في فيلم The Batman من إخراج "مات ريفز" وبطولة "روبرت باتنسون".


صبغة جديدة لـ باتمان.. كما لم نرها من قبل

سنتان قد مرتا منذ بدأ بروس وين -في عالم الفيلم- حياة مكافحة الجريمة، ولم تسفر هذه الجهود عن أي شيء إيجابي، بل ارتفعت معدلات الجريمة وأصبح الفساد متغلغلًا في كل أركان المدينة، ولكن صديقنا -بروس وين- يتمسك بالأمل وشرف المحاولة معًا. يبدأ الفيلم بمونولوج سردي (Narration) بلسان روبرت باتينسون (بروسوين/باتمان) يحكي فيه عن أسلوبه في محاربة الجريمة وزرع الخوف في أعدائه حتى أصبحوا يخافون الظلام في حد ذاته، ويشعرون أن باتمان قد يظهر في أي وقت. هناك من يحتاجون إليه في المدينة، ولكنه لا يستطيع أن يتواجد في أكثر من مكان واحد، ولذا عليه اختيار "فريسته" بشكل صحيح.

منذ البداية ومع المقدمة أدركت أنني أمام فيلم مختلف تمامًا عن جميع أفلام الشخصية نفسها التي رأيتها من قبل. لقد شعرت بتشابهات مع فيلم The Joker بشكل إيجابي. ظلامية وواقعية وتركيز على عنصر الجريمة والتحقيق، ماذا عساي أن أطلب أكثر من هذا، في فيلم عن شخصية لُقبت في القصص المصورة بـ "المحقق الأفضل في العالم"؟


قصة الفيلم بدون حرق

يمتد الفيلم لثلاثة ساعات تقريبًا (ساعتان و 56 دقيقة) وتنقسم هذه المدة إلى ثلاثة فصول، الأول يكون هو الأكثر كثافة حيث تُفرش السجادة الحمراء للمشاهد دخولًا إلى عالم مدينة جوثام الذي تم تصميمه وبناؤه ببراعه من قبل المخرج "مات ريفز" والعاملين على كتابة القصة بالفيلم، والفصل الثاني يتطرق إلى بعض الأمور الشخصية التي تخص بطل الفيلم (بروس وين) والفصل الثالث يدور كاملًا حول "الحل" أو المواجهة النهائية مع الشر المدقع الذي تواجهه جوثام لأول مرة. "ذا ريدلر".

ذو صلة

ولكن ما قصة "ذا ريدلر"؟ هو قاتل متسلسل يحاول تسليط الضوء على جرائم فساد كبيرة عبر ارتكاب جرائم قتل لشخصيات متورطة في ذلك الفساد الكبير بشكل درامي، ويصنع بذلك اهتمامًا إعلاميًا حوله، ويقوم من خلال ذلك الاهتمام الكبير بتوريط باتمان عن طريق توجيه الرسائل والألغاز له ليحلها، آملًا في كشف الجريمة المقبلة قبل وقوعها. 

فيديو يوتيوب

مصادر إلهام عظيمة يبني عليها المخرج بناءً صلبًا يستند على أساس جذاب ومتماسك

من شاهد منكم فيلمي The Long Halloween الصادرين في 2021 لشخصية باتمان قد يجد تشابهًا كبيرًا في كيفية تناول الفيلم لقصة شخصية "ريدلر"، وقد كان هذا هو اعتقادي في بداية الفيلم، ولكن مع النهاية كنت قد رأيت جليًا اختلافات جعلتني غير منزعج من ذلك التشابه البسيط في البداية. 

يتم تقديم شخصية "ذا ريدلر" بشكل رائع ومهيب، ذكرني بأفلام Se7en و Zodiac من حيث الغموض، وطريقة السرد. (باتمان) و (جيم جوردان) جنبًا إلى جنب في سباق مع مجرم متسلسل يرعب المدينة، والدلائل حول هويته، أو جريمته المقبلة شحيحة، إنه مجرم متقن لما يفعله، ولذلك تكون الرحلة ممتعة. دلائل صغيرة تتحول لأكثر الأشياء أهمية في القضية، ودلائل صغيرة يطاردها بطلنا ويصل إلى نهايات مسدودة. لقد استطاع "مات ريفز" صنع فيلمًا من نوعية Noire بشخصية Batman أعتبره واحدًا من أفضل الأفلام من ذلك النوع منذ مدة طويلة.


ماذا عن الأكشن؟

بسبب مصادر الإلهام تلك، قد تشعر بعض الشيء بأن الفيلم هادئ، لا يقدم الكثير من الأكشن أو على الأقل ليس بالكم الذي قد تتوقعه من فيلم لشخصية "باتمان". وأعتقد أن هذا الشيء صحيح ولكن دعني أوضح لك بأن شخصية باتمان تمتلك أكثر من جانب، وهم الذكاء الذي يمكنه من التحقيق في جرائم معقدة وجمع الدلائل بشكل ذكي، وجانب القتال -الذي يركز عليه أي فيلم للشخصية- وجانب التخفي. يستطيع باتمان التخطيط والوصول إلى أهدافه بدون إحداث جلبة، وهو ما يميزه عن شخصيات أخرى مثل (سوبرمان) مثلًا الذي ترتكز قواه على الجانب البدني فقط.

من جرب منكم سلسلة ألعاب Batman Arkham سيعرف كيف قدمت تلك السلسلة الرائعة هذه الجوانب مجتمعةً لتكون واحدة من أكثر الأعمال شمولًا للقدرات الحقيقية لشخصية باتمان. أعتقد وأن فيلم "مات ريفز" حاول تقديم ذلك أيضًا، مع التركيز على جانب التحقيق ليكون هو الدرجة التي يرتفع بها فيلمه فوق الأفلام الأخرى، ليكون متميزًا، وهو ما نجح فيه.

على الرغم من ذلك، هناك مشاهد أكشن رائعة في الفيلم تظهر مدى قوة باتمان، ولجوئه للعنف وقتما تقضي الأمور ذلك، كما أن تصميم تلك المعارك كان رائعًا وزوايا الكاميرا فيها كانت متميزة خصوصًا واحدة من المعارك التي كانت تقع داخل ملهى ليلي. استخدمت الأضواء وزوايا الكاميرا مع أصوات الموسيقى الصاخبة بشكل ذكي لتقديم واحدة من أفضل المعارك في أفلام باتمان مجتمعةً. 


"ذا ريدلر": هل يتفوق على جوكر من ثلاثية نولان؟

يشبه "ذا ريدلر" (أداء بول دانو) القتلة المتسلسلين من فيلمي Se7en ومسلسل Mindhunter، وهما عملان من إخراج "ديفيد فينشر" يستكشفان إلى حد كبير جانبًا نفسيًا من الجرائم. يعتمد دومًا أبطال أعمال "ديفيد فينشر" فهم سيكولوجية المجرم أملًا في أن يسبقوه بخطوة. هكذا هي مواجهة باتمان وجوردن مع "ذا ريدلر"، مليئة بالحيرة ومحاولات فهم طريقة تفكيره. بينما لا يظهر "بول دانو" كثيرًا، إلا أن ظهوره كان في لحظات مهمة وبأسلوب جذاب، ومثير للريبة. لذا لا أعتقد بأن تشبيهه بشخصية "جوكر" في محله، ولكن علينا ألا نبخس حق "بول" و المخرج "مات ريفز" في تقديمهم لشرير رائع بشكل جديد، وفعال.


ماذا عن الأداءات التمثيلية؟

لحسن الحظ، تمتلك مدينة جوثام الكثير من الشخصيات المهمة بعيدًا عن الثنائي محور القصة (ريدلر وباتمان) منهم (كاتوومان) بأداء (زوي كرافيتز ) و (بنجوين) بأداء ( كولين فاريل) و (جيم جوردن) بأداء (جيفري رايت) وغيرهم.

في الحقيقة سأكون ظالمًا إذا قلت بأن إحدى هذه الشخصيات سرق الأضواء لنفسه، لأن جميعهم قدم أداءات متقنة ومختلفة. ولكن أخص بالذكر شخصيتي (جوردن) و (بينجوين) لأني من محبي مسلسل Gotham الذي امتد لستة مواسم كاملة، وقدم هذه الشخصيات بطرق غير اعتيادية، وبشكل لا إرادي زرع بداخلي رغبة في رؤيتهم دائمًا بهذه الطريقة فقط. لقد نجح فيلم The Batman والمخرج (مات ريفز) في تقديم نسخة مختلفة من هذين الشخصيتين، وفي الوقت نفسه نسخة مثيرة للاهتمام تجعلك تريد رؤية المزيد منها. لحسن الحظ أنه تم الإعلان عن مسلسل مشتق عن الفيلم حول شخصية (ذا بنجوين) ورحلة صعوده.

أعتبر (كولين فاريل) وشخصية (كارماين فالكوني) زعيم المافيا الإيطالية في الفيلم من أداء (جون تورتورو) هما أفضل تجسيد حتى الآن لهذين الشخصيتين في جميع أفلام شخصية باتمان. لقد كان ظهورهما مؤثرًا بشكل كبير في تقديم عالم جوثام على ما هو عليه من فساد. هما الشخصيتان الأفضل من حيث الاتساق مع كتابة العالم وكيفية تقديمه.

علينا أيضًا أن نشير بأن أداء (روبرت باتنسون) قد فاق التوقعات، لقد قدم واحدة من أفضل نسخ شخصية باتمان وحواراته كانت رائعة ومؤثرة وواقعية على حد سواء. بداية من مونولوج المقدمة، إلى النهاية كان شخصية جذابة تجبرك على الاستماع والتفكير فيما لديه ليقوله، كما أنه تطور على مدار أحداث الفيلم ليغير من منظومته الفكرية مع النهاية بشكل مُرضي للغاية.

أعتبر (روبرت باتنسون) ممثلًا عظيمًا الآن بسبب أعماله في السنين الاخيرة وأهمها TENET و The Light House، ويؤكد The Batman على ذلك مجددًا.


ولكن، هل الفيلم بلا عيوب؟

أعتبر بأن أضعف جوانب الفيلم كانت شخصية (بروس واين) الذي لم يقدم الكثير من الاختلاف عن شخصية باتمان. هناك فكرة فلسفية حول شخصية باتمان بشكل عام، مضمونها بأن ارتداء قناع الوجه يمكنك من أن تصبح النسخة الحقيقية من نفسك. في حالة باتمان فإنه يطلق العنان لعنفه، واندفاعه بوضعه قناع الخفاش، ولكن أحد أهم جوانب شخصية (باتمان) في جميع أفلامه وحتى في القصص المصورة هو جانب ازدواجية الهوية، ومحاولة الانتقال من محارب الجريمة المرعب ليلًا، إلى المليونير اللعوب، المؤثر في بعض الأحيان صباحًا. 

أعتقد أنني لو لم أكن أعرف قوة أداء (روبرت باتنسون) لكنت قد ألقيت اللوم عليه، ولكني أتابعه منذ الإعلان عن إسناد دور البطوله له، وشاهدت له أفلامه المهمة كلها منها The Light House و TENET و The Devil all the time وغيرهم، وأعتقد بأنه ممثل لا غبار عليه في التقمص والنطاق، وإنما أعتقد أن المشكلة كانت في الكتابة. لقد تم تقديم بروس وين على أنه ذلك المليونير المنطوي المهووس بإنقاذ العالم مهملًا بذلك جميع جوانب حياته الأخرى، وأهمها تأثير كبروس وين على زعماء المدينة ومراكز قوتها. لم يستخدم بروس وين هويته في الاقتراب من مراكز قوى مدينة جوثام سوى مرة واحدة في الفصل الثاني من الفيلم، وهو ما كان محبطًا خصوصًا لأن (بن أفليك) كان قد قدم شخصية بروس وين بشكل رائع -قد يكون الأفضل- ومن قبله ثلاثية نولان من بطولة (كريتسيان بيل) وثنائية (تيم بيرتون).

حاول المخرج (مات ريفز) إظهار شخصية (بروس واين) وقصره على مشاهده مع (كاتوومان) ولكنها لم تكن كافية. العلاقة بينهما ديناميكية بشكل رائع، كل منهما يسعى لهدف ما ويتعاونان ليصل كل واحد لهدفه، ولكن لأسباب لن أذكرها -لتجنب الحرق- يؤثر كل منهما على الآخر. هذه العلاقة الديناميكية المتغيرة كانت واحدة من أمتع جوانب الفيلم، ولكن هل هي كافية لتكون نافذتنا الوحيدة -تقريبًا- على شخصية بروس وين؟ لا أعتقد ذلك.

ذاك الجزء المفقود من DNA أفلام باتمان كان العنصر الأكثر تأثيرًا على تجربة الفيلم ككل. ولكن مع احتمالية وجود أجزاء جديدة من الفيلم، أعتقد أن حلها في المتناول.


السلاح الخفي لفيلم The Batman

من تلحين (مايكل جياتشينو) المعروف عن أفلام Spiderman No way Home و Homecoming و The Incredibles 2 و Jojo Rabbit ولعبة Kingdom Heart III والفائز بالأوسكار عن فيلم UP. وتعتبر هي أحد أعمدة الفيلم، ومفاجآته السارة. لقد بدد تمامًا قلقي من اعتزال (هانز زيمر) أفلام الأبطال الخارقين (صرح بذلك بعد فيلم Batman V Superman). 

فيديو يوتيوب

تهيئ الموسيقى الأجواء بشكل عظيم ومناسب مع كل لحظات الفيلم. الأكشن، والغموض، والصدمات الدرامية، وحتى اللحظات الرومانسية القليلة. كلها تزيد من قيمتها موسيقى الفيلم الرائعة.

مع نهاية فيلم The Batman أدركت لماذا أخفق (زاك سنايدر) في فيلم Batman V Superman الذي أعتبره تحفة فنية معيوبة. في الكثير من الأحيان زيادة تعقيد الأحداث لا يكون في صالحك، ويظهر هذا جليًا مع فيلم The Batman الذي يمكنك الدخول لصالة السينما لمشاهدته كمحب لأفلام الجريمة الكلاسيكية الغامضة، أو كمحب لشخصية باتمان، وفي الحالتين ستجد ضالتك. رحلة مُظلمة مليئة بالمتعة والغموض والأكشن، والشخصيات المكتوبة بعناية مدفوعة بموسيقى أقل ما يقال عنها إنها عظيمة، ليكون بذلك فيلم The Batman تحفة فنية في مجال السرد والسينماتوغرافيا.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة