التقاط لصوصي في Time life لوصفات علاجية تداوي أوجاع الفراغ المدفون في الذوات

فيلم Time life
0

خرائط أم متاهات؟ تلك التي لطالما يُقحمنا بِها «حميد بن عمرة» في أفلامه عن طيب خاطرنا، فَنرحل في غيبوبة تساؤلاته الفاتنة بِكامل يقظتنا، باحثين ومُستثارين ومشدوهين، لِنعود من رحلته أكثر ارتباطاً بِتلك العلاقة الثورية المتجددة بين السينما والحياة.

يعلم هذا السينمائي جيداً مفاتيح أذهاننا المُوصدة بِأقفال الرتابة والتسليم، يتلصص إلى أعماقنا التي أنستنا نمطية الحياة طريق الوصال إليها، يفككها ويخفف ثقلها بِعبقريته الفنية؛ لِيطفو بِها أمام أنظارنا المعلقة بِحلم الحرية، التأملات الفكرية المثيرة تيمة أساسية في أفلامه، يضعها ضمن إطار فيلمي شفاف غني بِجماليات الصورة والتقاطاته الفريدة، يحرر أشرطته بِعين ذئبية مفترسة في بحثها المونتاجي.

هو حالنا مع ما قدمه السينمائي الجزائري (1964) سابقاً في سينماه الفريدة، أربكنا بِتوحد ِذاتية وعمومية أفكاره وصوره، ضعنا في تصنيف أفلامه بين الوثائقي والروائي، لنتفق في النهاية على نوعٍ خاص، ماركة مسجلة بِاسمه، إنّها «سينما حميد بن عمرة».

بعد عدة أفلام إشكالية، يقدم اليوم بن عمرة جديده «زمن الحياة» (2019، 125د)، انتاج: nunfilm، العرض العالمي الأول للفيلم ضمن الدورة 41 من مهرجان موسكو السينمائي الدولي (15 – 25 إبريل 2019)، يستكمل بِهِ أسلوبه الفريد من التقاط لصوصي لِمشاهد حياتية لمّاحة، ويرتبها بِمبضعه المونتاجي بِرهافة صانع الوصفات العلاجية السحريّة، يداوي بِها أوجاع الفراغ المدفون في ذواتنا.

فيلم Time life

لكنه في هذا الفيلم، يُبحر في الوجدانيات أبعد عما سبقه، يواجه ميكانيزمات لاوعينا بِتدفقات شعرية لِبطلة حياته وشهرزاد أفلامه؛ الممثلة الفرنسية «ستيفاني بن عمرة»، نرى ونستمع هواجس المرأة الحامل عن الحُب والسينما والحياة، تلك المرأة التي قررت ولادة طفلها في البيت؛ تسترجع شريط ذاكرة عاطفية عن سنوات من الحب جمعتها مع زوجها، تشاركوا بِها ولعهم بالسينما وعشق الكاميرا والصور، نستكشف في الفيلم أوجهاً جديدة لِستيفاني بعد حضورها المحدود في أفلامه السابقة، البطولة هنا منها، في مساحة حرة تفيض بِعواطف أنثوية دافئة، هي المرأة والأم والعاشقة والممثلة، جدلية فلسفية في تعبيرها الذاتي عن بواطن وظواهر كيانها الجامع، نرافقها في حملها ومخاضها وما بعد ولادتها، ترتفع بِنا إلى أصالة التكوين البشري الأمّ، ثمّ تعيدنا إلى سمات العالم الدنيوي وأسواره، كيف لها أن تنجب طفلاً إلى هذا العالم الضاج بالدمار والهجرة والعزلة والهزائم! وكم هي معتنقة لِشريعة الحُبّ ومؤمنة بِطاقته؛ حتى سامحت الكون على خطاياه وأعطته قطعة منّها!

يحلُّ السينمائي السوريّ «محمد ملص» ضيفاً على بيت بن عمرة، كان قد تحدث ملص سابقاً عن تلك الزيارة وعبّر عن دهشته بِانغماس تلك العائلة في السينما، وهو ما شهدنا عليه في الشريط، فَالبيت مليء بالكاميرات، حتى أنّها في متناول أطفاله، نتلمس في المكان الدفء وتهويمات الألوان وكأننا نشاهد فيلماً داخل فيلم، جمالية في تكوين البيت مشترطة البساطة، إنّه بيت بن عمرة.

يبدو ملص هنا مُتجدداً في بحثه عن مستوى وجوده الحقيقي في هذا العالم بعيداً عن هياكل السلطة والمجتمعات المُحافِظة، حزيناً ومبتهجاً في آنٍّ واحد، حزيناً على أمانٍ أحسّه هنا وافتقده في وطنه، أصوات الطيور تُعيد إليه دمشق ما قبل الحرب، فَيجتاحُهُ الشوق والحنين لِلحظات الأمان.

ومبتهجاً بِما لقيه من حريّة يقدسها كلُّ مبدعٍ ويشترطها في مُنتَجِه، حتّى أنّه أعاد إحياء المشهد الختامي للمانفيستو السينمائي الخاص بِه «سُلُم إلى دمشق»، صاعداً سُلماً ومنادياً من عليائه: “بدي حريّة.. بدي فيلم” مُطلقاً هاجسه وعتبه في فضاء الكون، تلك العبارتان قام بن عمرة بِدمجهما في شريط الصوت إدراكاً منه لِصلابة وقدسية ارتباطهما.

يحتضن ملص الكاميرا وكأنها طفله، يحمل أحلام مدينته وسُلَّمَه الدمشقي ومذاق البلح ويمضي في ليله بِمداه الخاص المخمور بالضوء.

صامتاً مستمعاً حيناً، ومُتحدثاً مُنطلقاً أو مُتسائلاً حيناً آخر؛ يتقاسم ملص جلساته مع ستيفاني وضيفة أُخرى هي «ماييك داره»، تعمل الأخيرة في فن الدوبلاج، مُهاجرة إفريقية تُهدي صوتها لِشخصيات تمثيلية، تعرف جيداً قيمة الصوت فَثقافتها الشخصية والقومية مرتبطة بِه، تروي كيف أن قومها حين كانوا عبيداً تواقين للحرية؛ لجأوا إلى الغناء ثقافة مقاومة وانبثاقات عاطفية ثوريّة، إذاً لا مشكلة في إعطاء الصوت للآخر، ولعل العطاء نوع من رفض العنصرية التي عانت منها وأجدادها.

وكما صوت دُرّة وغناء الثوار؛ يكون الرقص أيضاً وسيلة تعبيرية عن خلجات النفس، نرى على الشاطئ الإفريقي المُهاجر «برايس بوما/باكوتو» يرقص منفرداً فلكوراً إفريقياً بِإيقاع يعتريه وجع الغربة وكوارث الهجرة، لقاؤه مع ملص لقاء شعوب وثقافات تحيا في عالم واحد.

للناقد الأردني «عدنان مدانات» ظهورٌ خاص في الفيلم، الرجل الذي تنقل بين عدة عواصم؛ يعود إلى بلده ويستقر في زمنها الحالي، هو الذي عاصر كَما ملص وبن عمرة وغيرهم من مثقفي العرب مراحل تاريخية غيّرت معالم المنطقة على كافة الصعد، طفولتهم هي جيل نكبة 1948، وعيهم العمري واكب هزيمة يونيو 1967، تلك الهزيمة التي لازلنا نعيش همومها وتأثيراتها على مسار حضارتنا. يظهر مدانات في الفيلم جالساً في مسرحٍ أثري كَمن يقف على أطلال الفن الغابر، آسياً على ثقافة اليوم المُكبلة حد الإدماء.

فيلم Time life
لا يمكن أن تخلو أفلام بن عمرة من ظهور لِفن الكاراتيه، هو فن الدفاع عن النفس المشروط بالأخلاق، «سيباستيان بينويست» زميل بن عمرة في ممارسة هذا الفن، كما أنّه طبّاخ مأخوذ بِمهنته، نراه كيف يتعامل معها من مبدأ جمالي تعبيري، أناقة وحرفية في العمل، تعكس أمانة الإنسان في احترام وجوده وموقعه.

ضيوف الفيلم هم ضيوف حياة لِستيفاني، الغاية هي المعرفة والحوار التفاعلي وفق صيغة منطقية للوصول إلى المشتركات الجامعة المُضيئة التي توحد، وستيفاني هي بطلة حياة بن عمرة، هي طاقته وأحلامه ونشاطه، هي جزء أساسي منه.

0

شاركنا رأيك حول "التقاط لصوصي في Time life لوصفات علاجية تداوي أوجاع الفراغ المدفون في الذوات"

أضف تعليقًا