السفر عبر الزمن في مسلسلات نتفليكس .. هل هي نوع أدبي أم حبكة تجارية ناجحة؟

0

في عصر منصات المشاهدة والمنافسة الشديدة بين بعضهم البعض، بمجرد أن تنجح فكرة ما أو توليفة وتلقى القبول، يتمسكون بها ويحاولون إغراء المّشاهد بالمزيد منها ولكن بأشكال وتنويعات مختلفة.

 وفي الفترة السابقة بدأت فكرة ”السفر عبر الزمن“ تحتل مساحة لا بأس بها من باقة الأفلام والمسلسلات المتاحة على ”نتفليكس“ كمثال لأهم منصة مشاهدة في الوقت الحالي. من ضمن عدة معايير تسويقية تتحكم ”المجموعة السِنيّة“ في توجهات المنصة وبالتالي في اختيار المسلسلات والأفلام التي تقوم بإنتاجها.

تتناول أراجيك في هذا الموضوع البعد الأدبي لفكرة ”السفر عبر الزمن“ وكيف يتم استثمار الفكرة مراراً وتكراراً حتى وصلنا بها إلى 2020 عبر نتفليكس.

أهل الكهف

أول أشكال القَص لتيمة السفر عبر الزمن. ذُكرت القصة في الكتب السماوية الثلاثة بنفس التفاصيل تقريباً. يستيقظ مجموعة من الفِتية بعد سُبات لمدة تزيد عن ثلاثة قرون ليجدوا أنفسهم في عصر آخر غير العصر الذي اضطُهدوا فيه بسبب عقيدتهم. يظهر الصراع التقليدي ما بين معطيات العصر الجديد والقديم ومحاولة التكيّف مع الوضع الجديد.

السفر عبر الزمن في الأدب

يبدأ الأدب في استخدام الفكرة على مر العصور بأشكال وطرق مختلفة وبأقلام كٌتّاب مختلفين. وبالرغم من عدة محاولات سابقة إلا أن الفكرة ظهرت بوضوح في القصة القصيرة A clock that went backwards للكاتب إدوارد بيج ميتشل عام 1881 ومن الاسم يبدو واضحاً عودة الزمن إلى الخلف عندما يعبث اثنان من الصبية بعقارب ساعة أثرية فتعود بهم إلى القرن السادس عشر. 

ويظهر الكاتب مارك توين بروايته A Connecticut Yankee in King Arthur’s Court في عام 1889 لكي يحكي لنا قصة شاب من ولاية كونتيكوت يتلقى ضربة قوية على رأسه وبشكل ما يعود به الزمن إلى إنجلترا في عهد الملك آرثر، ويحاول قدر الإمكان أن يستغل معرفته بالمستقبل لتغيير الماضي ولكنه يفشل! يقدم مارك توين هذه التوليفة بطريقته الخاصة التي تجمع ما بين الدعابة والخيال العلمي والأسلوب الساخر الذي يميّز كل كتاباته.

في عام 1895 تَصدُر الرواية التي تعتبر أفضل ما كُتِب في تيمة ”السفر عبر الزمن“ وهي رواية الكاتب H.G.Wells الأشهر “The Time Machine” حيث يقوم ”ويلز“ تقريباً لأول مرة بتقديم فكرة آلة الزمن التي يتم اختراعها ويمكنك أن تختار بدقة الزمن أو العصر الذي تسافر إليه. ويعبر فيها ”ويلز“ عن القصة بطريقة ”حكاية داخل حكاية“ لتكون ممتعة في قرائتها ومتفردة في التعبير عن محتواها. تضع هذه الرواية أسس كتابة ”السفر عبر الزمن“ ويعتبر كل ما يأتي بعدها مستوحى منها بشكل أو آخر.

وتستمر المحاولات العديدة بعد هذا التاريخ في التعامل مع نفس الفكرة، حتى يأتي الكاتب الأمريكي الشهير ”راي برادبوري“ ويستخدم نفس التيمة في قصة قصيرة بعنوان “The Toynbee Convector” وتدور عام 1984، والتي تحكي قصة مخترع يسافر 100 عام إلى المستقبل عن طريق آلة زمن اخترعها ثم يعود مرة أخرى ويحاول الترويج لفكرة أنه وجد ”المدينة الفاضلة“ في المستقبل، ولذلك على البشر أن يبدأوا من الآن في محاولة العيّش بسلام لتحقيق هذا.

ثم في عام 1990 يجرب الكاتب الشهير ستيفن كينج العمل على السفر عبر الزمن ويكتب كتاباً مكوّناً من أربع روايات قصيرة تحكي إحداها وتسمى ”The Langoliers“ قصة طائرة تدخل مجالاً جوياً بالخطأ فتعود ليوم أمس وتبدأ الأحداث الغريبة.

معظم الأعمال التي ورد ذكرها بالأعلى قد تحولت بالفعل إلى أعمال سينمائية وتليفزيونية ناجحة، كما أنه منذ عام 1990 ولا تتوقف المحاولات الأدبية التي تتخذ من السفر عبر الزمن فكرة رئيسية في العمل.

السفر عبر الزمن كإرث فني

وهكذا أصبحت الفكرة إرث فني، وتوليفة مضمونة للنجاح تم تجربتها من قبل ولاقت استحسان القراء والمشاهدين، وحيث أن كل مبدع يقوم بتناولها بطريقته، فإن المشاهدين في كل مرة ينتظرون رؤية جديدة وتناول مختلف. ثم وصلنا إلى عصر المنصات الرقمية وشبكة نتفليكس التي تقوم دوماً بالتركيز على الجانب التسويقي وضمان تحقيق أفضلية كبيرة في المحتوى الذي تقدمه لكي تضمن البقاء في المنافسة وتحقيق الربح.

تحتل الشرائح السنيّة الأقل نسبة كبيرة جداً من جمهور المشاهدين المستهدفين عند نتفليكس ولذلك تعتمد المنصة على الأفكار الرائجة والمضمونة لكي تبقي هذه الشريحة في دائرة العملاء المخلصين، ولذلك فإن ”السفر عبر الزمن“ هي بالتأكيد أحد هذه الأفكار التجارية البراقة.

نتفليكس والسفر عبر الزمن والحبكة التجارية المضمونة

في فيلم “See you Yesterday” من إنتاج شبكة نيتفليكس 2019، يقوم بالبطولة الرئيسية فتى وفتاة في سن المراهقة مولعين بالتكنولوجيا ويقومون بإصلاح أجهزة الكومبيوتر في جراج. تعكف البطلة ”كلوديت“ على اختراع آلتَي زمن، واحدة لها والأخرى لصديقها ”سباستيان“ ثم يعودان بها للماضي يوم واحد لمحاولة منع جريمة قتل أخيها على يد ضابط شرطة.

تظهر فكرة السفر عبر الزمن من خلال سيناريو بسيط للغاية ومتوقع في معظم الأحيان ولا يحمل أي جماليات أو فنيات غير تقليدية، ولكن الملاحظ هنا هو اعتماد نتفليكس على بطلين في سن المراهقة في المدرسة الثانوية وهو نفس المرحلة السنية للمشاهدين المستَهدَفين مع اختيار تيمه مضمونة وليس بها أي قدر من المخاطرة أو التجريب او حتى اختلاف في التناول.

ذلك الربط بين المرحلة العُمريّة لأبطال القصص والمتفرج من السن الصغير هو ما يحرص عليه دوماً مسؤولي الإنتاج لضمان الجانب التسويقي، حيث نرى نفس التركيبة بالضبط تقريباً في مسلسل آخر حقق صدى ونجاحاً مدوياً وهو المسلسل الألماني Dark وهو من إنتاج نيتفليكس و ”دابليو أند بي“. يظل السفر عبر الزمن- أو إن صح التعبير عبر الأزمنة- هو الفكرة الأساسية في المسلسل ومرة أخرى يتم الاعتماد على ممثلين في سن المراهقة كأبطال أساسيين يتقدم بهم السن ويعود في سلسلة من المفاجآت عبر سيناريو بارع الإحكام ومليء بالمفاجآت. لم يتخلَّ فريق الإنتاج عن نفس الحبكة التجارية المضمونة وقد صدر من المسلسل موسمين حتى الآن 2017 و 2019 على أن يصدر الثالث في 2020.

ثم تحصل نتفليكس على التوزيع الحصري في معظم دول العالم لمسلسل ثالث له نفس التيمة الناجحة للسفر عبر الزمن وهو Travelers الذي بدأ في عام 2016 ثم الموسم الثاني في 2017 ثم الثالث في 2018. بعد مائة عام من الآن يعود بعد البشر الناجيين إلى الوقت الحاضر. السفر عبر الزمن هذه المرة ليس بشكل مباشر ومتعارف عليه ولكن من زاوية جديدة مع إضافة بعد باراسيكوليجي للقصة عبر سيناريو مشوّق. ولأنه ليس من إنتاج نتفليكس فإن المراهقين لا يتواجدون كأبطال للعمل. الخط الدرامي يفرض شخصيات بالغة ملائمة للأحداث.

ثم مسلسل رابع تحرص نتفليكس على أن يكون على منصتها وهو 12 Monkeys بالرغم من أنه من الناحية النظرية من إنتاج شبكة منافسة وهي Syfy التي تملكها مجموعة NBCUniversal ولكن تيمة السفر عبر الزمن التي تهيمن على الأحداث. جعلتها تستثمر فيه وتحصل على حقوق التوزيع في معظم دول العالم باستثناء الولايات المتحدة. بطلي المسلسل يذهبون في مهمة عبر الزمن للقضاء على ”جيش الإثني عشر قرداً“ ومحاربة طاعون غامض قد يقضي على البشرية. 

حروب الديجيتال

في عصر الحروب ما بين المنصات المختلفة، تحرص كل شبكة على أن تستثمر فيما يحقق لها العائد والشهرة المطلوبة. كانت وستظل تيمة ”السفر عبر الزمن“ محببة وتركيبة مضمونة النجاح بصرف النظر عن الطريقة التي يتم تناولها بها. كما أن الأدب نهل من الفكرة وأعاد كل كاتب صياغتها حسب رؤيته وتصوره فإن السينما والدراما أيضاً استخدمتها بكثافة لأنها مزيج تجاري مضمون وشيّق.

0

شاركنا رأيك حول "السفر عبر الزمن في مسلسلات نتفليكس .. هل هي نوع أدبي أم حبكة تجارية ناجحة؟"