0

يأخذُنا هذا الكتاب -ما وراء كواليس الدحيح- في رحلةٍ مُختلفة للغوصِ داخلَ أعماقِ برنامج الدحّيح، وهو برنامجٌ عُرِضَ على الساحةِ لأول مرةٍ في يناير ٢٠١٧ وكان مُقدمه هو أحمد الغندور. وهذا الكتاب مكونٌ من 260 صفحة وقد صدر منذ حوالي خمسة أيام بنسختِه الورقيّة والمقروءة (بصوتِ أحمد الغندور) عبر التطبيق العالميّ Storytel.

”الحياةُ ليست خطًا مُستقيمًا، فالصعودُ والهُبوط جزأٌ لا يتجزأ منها، وأحيانًا فترات المُعاناة تكون أشبه بمعسكرٍ تأهيليّ لتجهيزك لما هو قادم“

– طاهر المعتزّ بالله

وينتقلُ بنا هذا الكتاب عبر مراحل حياة الغندور حتى نصلَ إلى بدايات برنامج الدحيح لتبدأ من بعدِها مرحلة أخرى تمامًا. كما يمتازُ الكتاب بطابعٍ فُكاهيّ حيث كُتِبَ بالعاميّة المصريّة واستطاع من خلالِه طاهر المعتزّ بالله إيصال وجهة نظرِه بسلاسةٍ بالغة دون أن يضطرَ الخوضَ في دهاليز اللغة.

وعلى الرَغمِ من أني لم أهوَ يومًا قراءة رواية أو كتابٍ ما بالعاميّة ولاءً مني لمقولة نجيب محفوظ:

”إنّ دورَ الأديب هو الارتقاء بالعاميّة وتطوّر الفُصحى لتتقاربَ اللغتان“

إلا أنّ هذا الكتاب استوقفني، بدا لي كلغزٍ مُعقدٍ تلحّ عليّ نفسي لفكّه، فبين أسئلةِ عقلي المُتلاطمة حولَ هالة الجدل التي التفّت حول ”الدحّيح“ وبين القيل والقال، أردتُ أن أقرأ قبل أن أحكُم.

مرحلةٌ تُسلّم أخرى..

يُسافر بنا الكتاب عبر مراحلَ حياة الغندور المختلفة، بدايةً من مرحلة الطفولة التي دائمًا ما تبدو ملامحها مشوشة وغير واضحة، فقد كانت هذه المرحلة بالنسبة له بمثابة بذرة انطلاق خياله وتأليفه لسيناريوهات متعددة وقد نمّى ذلك قدرته على الحكيْ منذ سنٍ صغيرة.

مرورًا بمرحلة المُراهقة، التي بدأت من خلالها شخصيته في التشكل ورُسِمَت ملامحها بكل وضوحٍ هذه المرة، فيُلقي الكتاب نظرةً خاطفة على أول قصّة قصيرة قام بكتابتِها، وعن مكتبة جرير التي كانت تتصدر تلك المرحلة دون مُنازِع.

وعلى الرغم من تلك الموهبة الفطريّة في تخيّل سيناريوهات التي برزت أثناء طفولته إلا أنه لم يمل أبدًا إلى الروايات الخيالية، بل كان يميل إلى تلك التي تتسمُّ بمزيدٍ من الواقعية وتتحدث عن ذاك العالم الذي يعيشُ فيه ويُحيطه من كل جانب، ولكنه يعجزُ عن رؤيته بصورةٍ كاملة، وبهذا تناولَ غندور الجُرعة الأولى من إدمانٍ سيستمرُ معه مدى الحياة.

وأكثر ما يُميز هذا الكتاب من وجهة نظري هو أنّ الأحداث فيه مُسترسِلة، لا يجعلُك تشعر بالتيه في مُنتصفِ قراءته، أو تحسّ وكأنّ هُناك حلقةٌ ما مفقودة. ومن بعد مرحلتيْ الطفولة والمُراهقة، أتت مرحلة اختيار التخصص الجامعيّ؛ وقد صعبّت عليه تعددات ميولِه المهمة وزادتها تعقيدًا. وكأيّ شابٍ/شابةٍ في تلك المرحلة الحاسمة بدأ في القراءة عن كل مجالٍ ومُعاينته بنظرةٍ فاحصة، فبين الطبّ والبرمجة والاقتصاد وجدت حيرتُه سبيلًا للتفاقُم.

ومن بعدِها، يأخذنا الكتاب إلى جانبٍ -في رأيي- كان له دورٌ كبير في نجاحِه فيما بعد؛ وهو تلك الفترة التي أدرك فيها الغندور أنه مهما كانت ماهيّة الشخص الذي أمامه سيتعلّم منه شيئًا ولو كان صغيرًا، ومن هُنا أخذ في التعرّف على الناسِ بشتّى أشكالِهم وخِصالهم، الاجتماعيّ والانطوائي، الفُكاهيّ والجديّ، اليمينيّ واليساريّ، وقد ساعد هذا التنوع في الثقافات والأفكار التي بات يتعرضُ إليها بشكلٍ يوميّ في التوسيع من مدى وعيه وإدراكه بكافةِ المواضيع الحياتيّة والمُجتمعيّة.

ما وراء كواليس الدحيح: كيفَ بدأ؟

وهُنا، يُجيبُكَ الكتاب على السؤال الذي ربما اشتريته في الأصل لمعرفة إجابته، وللحصول عليها يأخذنا إلى بداية تفكير غندور في توظيف مهارته كحكّاءٍ مُخضرَم منذ الصِغَر في صُنعِ مُحتوً علميٍّ قيّم وخفيف على نفسِ المُشاهد في ذاتِ اللحظة، ورغم وضوحِ الهدف إلا أنّ الطريق لم يخلُ من العقبات. واستطاع الغندور من خلال ذلك البرنامج أن يمزجَ بين العلم وتقديمه بصورةٍ غير تقليديّة ومُبتكرة، إذ قرر إدخال المعلومات ضمن سرد قصصيّ يجذبُ المُشاهد ويجعله يُكمل الفيديو لآخره.

ويوضّح الكتاب أنه ربما لم يكن غندور هو أول من ابتكر تلك الطريقة وأنه قد أجريت في السابق العديد من الدراسات تُثبت مدى نجاحها، إلا أنه قد برع في استخدامها لعرض المادّة العلميّة بشكلٍ مُبسّط ومُستساغ، وكان من أوائل مُستخدميها في الوطن العربيّ. ولكن عند قياس نجاح البرنامج فهُناك عوامل أخرى قد ساهمت بجانب طرق العرض المُبتكرة، مثل شكل الخلفية التي ظهرت وراءه في كل الفيديوهات؛ غُرفةّ بسيطة وسريرٌ مُكومّ بالكتب، وتُفاحة أو خيارة تتوسط يديه، أشياءٌ بسيطة ولكنها أثرت بشكلٍ غير واعي في عقلِ المُشاهد، فبات يعتبره صاحبًا يقصّ حكايةً على مسامعه وليس بروفيسورًا يُلقي مُحاضرة.

كما يُركّز الكتاب على فكرة الشكّ في قدراتنا وإمكانياتنا التي تُداهمنا جميعًا قبل الإقدامِ على فعل أي شيء، ويؤكدّ على أنّ في بعضِ الأحيان يجب علينا التوقف عن اتبّاع مبدأ السمع والطاعة مع تلك الفكرة وأن نرفع في وجههِا البطاقة الحمراء كي نستطيع إكمال الطريق بثقةٍ أكبر.

اقرأ أيضاً: الدحيح يحطم الأرقام بعودة ميمونة قائلًا.. عزيزي، مالك خاسس ليه؟

عالمٌ موازٍ خلف عدسةِ الكاميرا

يبدأ الكتاب ها هُنا في إطلاعِنا على ما يحدُث حقًا وراء كواليس البرنامج، من فريق الإعداد والتصوير والإخراج، وفريق الكُتّاب الذي سيتشكل فيما بعد لكتابةِ حلقاتٍ مُختلفة عن مواضيع تشغلهم مع الحفاظ على الأسلوب المرِح في السرد، وقد أتاح هذا التنوع في الأفكار والأقلام فُرصةً للبرنامج لأن يحظى بجماهيريةٍ أوسع، فإن كنتَ تبحث عن موضوعٍ تاريخيّ، ستجده. وإن كنت من مُحبي الفيزياء المُخلصين مثل غندور وأردتَ حلقة بنكهةٍ فيزيائية، ستجدها حاضرة.

ومن هُنا، بدأت صداقة طاهر وغندور في التوطّدِ شيئًا فشيئًا ودخل طاهر وسط عالم الدحّيح وصار جُزءًا منه، وكانت أول حلقة يتعاونا فيها سويًا بعنوانهتلر“.

ومضت الحلقات في طريقِها حتى وصلت إلى حلقةٍ بعنوان ”الطبّ النفسيّ“ والتي لم تكن بقلمِ طاهر ولكنها أثارت جدلًا واسعًا فورَ عرضها، حيث كانت تُهاجم مهنيّة بعض الأطباء النفسيين مثل ظاهرة إعطاء بعضهم أدويةً للمرضى وهم في غِنى عنها. وقد انقسمت من بعدِها التعليقات إلى طرفين، طرفٌ يحكي تعرضه لمواقفٍ مُشابهة وطرفٌ يستنكر اللهجة المُهاجِمة.

أدرك فريق العمل حينَها أنهم لم يعودوا ذلك البرنامج الجديد الذي يتلقى دعمًا بل أصبحوا برنامجًا له أثر قوي  ويتلقى نقدًا ومُراجعة ومُساءلة برلمانية. كما تطرّق طاهر إلى بضعة حلقاتٍ أخرى أحدثت ضجةً مثل حلقة ”يا محاسن الصدف“ وحلقةالحرب العالمية الثانية“ بشيءٍ من الموضوعية، وتحدث طاهر في أسطرِ الكتاب الأخيرة عن مفهوم ”دسّ السمّ في العسل“ الذي تردد كثيرًا حول البرنامج وكيف يُمكن للهستيريا الجماعية أن تغلبَ المنطق الفرديّ.

وفي النهاية، ”الدحّيح: ما وراء الكواليس“ هو كتابٌ يعرضُ ببساطةٍ ما وراء كواليس الدحيح! إذ يعرض وجهة نظر شخصٍ قد عايش الأحداث والتفاصيل، صوتٌ من وراء الكواليس قرر أن يحكي عن تجربته الخاصّة مع البرنامج ومُقدمّه.

والآن، لا تنسوا أن تُخبرونا إن خضتم تجربة قراءة أو سماعِ الكتاب وأن تُشاركونا آراءكم حولَه في التعليقات.

مصدر: حلقات الدحيح

0

شاركنا رأيك حول "ما وراء كواليس الدحيح: رحلة على أوتار الصعود والهبوط!"