دراسة الطب
0

هناك العديد من الأسباب التي تدفع الكثير من الطّلبة لدراسة الطب، في بعض الأحيان يمكن أن يكون حلماً طال انتظاره منذ نعومة الأظافر، وفي أوقات أخرى، هو نتيجة التقدّم الطبيعيّ للدراسة والاجتهاد مع التحيّز لتركيب شخصية الفرد وبعض الأهداف المهنيّة.

لكن هل كل من تمتّع بالذكاء الخارق وحصد الدرجات الأعلى، يتحتّم عليه أن يمشي على غرار ذلك التفكير النمطي والأسطوانة المشروخة، عندما أفكر في أشخاص مثل مارتن لوثر كينغ وبن فرانكلين والمهاتما غاندي، من الصعب بالنسبة لي أن أتخيّل أنّهم أصبحوا أيّ شيء بخلاف ما كانوا عليه. ماذا لو قيل لهم جميعاً أن يكونوا أطبّاء؟ من الصعب حتّى تصوّر ذلك، ما فعلوه ترك أثراً كبيراً ما زلنا نتغنّى ونحتفي به إلى يومنا هذا.

فمن أجل أن يجد كل منا حقيقة ما نحن عليه، نحتاج إلى فرصة لمعرفة شغفنا وهدفنا، وهنا يكمن أكبر ألغاز وأفراح الحياة.

من المهم أن تعرف لماذا تخطّط للذهاب إلى كلية الطب والتأكّد من أنك تفعل ذلك لأسباب صحيحة وعقلانية. لذلك قبل أن تتباهى بشراء الزيّ الأبيض الرسمي، وبوضع سماعتك حول عنقك، تأكّد من عدم انطلاقك في مسار حياتك الأهم من تبنّي الدوافع التالية:

الضغط العائلي بين الإكراه والإجبار

دراسة الطب تحت تأثير الأهل

الكثير من الطلاب الذين يتابعون دراساتهم في الكليات الطبيّة ينحدرون من عائلات تمارس الطّب أو تحظى بتقدير كبير في الممارسة الطبية، وللأسف ما زال العديد من الآباء والأجداد يرون أن الدراسات الطبية هي ذروة الإنجاز والتميّز بالنسبة لأبنائهم، لا شك أنّ معظم الآباء يريدون حقّاً أن يكون أطفالهم سعداء وناجحين، وجميعنا يقدّر ما يقوم به الأهل من العمل الشاقّ والجهد المبذول والتضحيات الكبيرة حتى يحصل أطفالهم على أفضل فرصة لحياة مُرضية وكريمة. قد تتشوّش هذه النوايا الأبويّة الحسنة بالتعلق بفكرة ثابتة عمّا يجب أن يفعله ابنهما أو ابنتهما أو يكونا عليه في المستقبل.

إذا كان السبب الوحيد لدخولك كليّة الطّب هو تهيئتك من قبل والديك لها منذ أن كنت في الثالثة من عمرك، فمن المحتمل أنّك لا تفعل ذلك للأسباب الصحيحة. قد يكون من الصعب مواجهة ضغط الأسرة، خاصّة إذا كنت ستتلقّى المساعدة والتمويل المادي من أسرتك. قد تصاب عائلتك بخيبة أملٍ عندما تختار دراسة الأدب أو البرمجة أو المحاسبة بدلاً من الطّب، لكن تذكّر، القرار لك والاختيار بيدك، ولا ينبغي لأحدٍ أن يختار مصيرك ويجبرك على أمرٍ قد يجعلك تعيساً.

التمكّن من المنهج الدراسيّ العلميّ

دراسة الطب بسبب التفوّق الدراسي

يعتقد العديد من الطلاب أنّ امتلاكهم موهبة فهم وحفظ العلوم البيولوجيّة المتنوّعة سيؤهّلهم للنجاح في الدراسات الطبيّة عاليّة المستوى، فإذا كنت على أعتاب اختيار تخصّصك الدراسي، وتفكّر في كليّة الطّب فقط بسبب درجاتك العاليّة في علم الأحياء والكيمياء، كمؤشر لمدى أهليتك فأنت أمام مشكلةٍ حقيقيّة.

دعني أخبرك أنّ ممارسة الطب تختلف عن دراسة الطّب، ولا يهمّ إذا كان بإمكانك التمكّن من الإلمام بجميع الأعراض والعلاجات والتّفاعلات الدوائيّة، فماذا لو أغمي عليك عند رؤية الدماء أو مشاهد الألم والصراخ في غرف الإسعاف؟ ماذا لو كنت تكره التفاعل والاحتكاك مع الناس من حولك؟

تكمن المعضلة الأساسيّة في أنّ العديد من الطّلاب الموهوبين قد يواصلون المضي في السنوات الدراسيّة، قبل أن يدركوا أن الممارسة الطبيّة ليست الاتّجاه الصحيح بالنسبة لهم. لذلك سأنصحك بأن تحصل على بعض الاحتكاك والخبرة في المجال الطبيّ على أرض الواقع، حاول أن تتطوّع في عيادة محليّة أو تقدّم طلب مرافقة طبيب مقيم في مستشفى قريب. راقب نفسك جيّداً كيف تتفاعل عندما يتخطّى الطّب المرحلة النظريّة ليصبح واقعاً عمليّاً ملموساً.

شغف البدايات الكاذب

دراسة الطب بسبب شغف البدايات

الشغف تلك الكلمة التّي تحمل من الغموض والسّحر ما لا تضاهيه أيّ كلمةٍ أخرى، لا يمكن لأحد أن يقول على وجه اليقين أنّه متحمّسٌ وشغوف بشيء ما دون تجربته حقّاً.

يشعر الكثير من طلاب الطّب في بادئ الأمر أنّهم متحمسون لكونهم سيصبحون أطبّاء، ولكن كغيره من المهن والمجالات الأخرى التي تستتر في رداء أقواس قزح حالمةٍ تخفي وراءها حقائق يوميّة قاسيّة، فمعظم الطلاب لا يفكرون إلاّ في تلك الأقواس الزاهيّة التّي سرعان ما سيزول بريقها.

تظهر الدراسات الحديثة أنّ 50% من الأطباء غير راضين عن حياتهم المهنيّة، ولو عاد بهم الزمن إلى الوراء لن يختاروا ذلك المسار مرّةً أخرى، فما بين الوقوع في فخ البيروقراطية الإداريّة والتعرّض لأقصى أنواع الضغوطات الجسديّة والنفسيّة ستجد نفسك تغوص في مزيدٍ من المعاناة وعدم الرضا المهنيّ.

تلك الرؤية الحالمة في ذهنك عن مدى روعة أن تكون منقذاً، ستمنحك المزيد من التقدير للإنسانيّة، إلاّ أنّ الإجراءات والطقوس اليوميّة التي ستقع على كاهلك ستقلب شغفك إلى حالةٍ من اللامبالاة والسّخط. لذلك حاول أن تبحث وتسأل ذوي الخبرة والمعرفة حتى تفهم الطّب بشكلٍ أفضل.

تقديس المكانة الرفيعة والبطولة الزائفة

يختار بعض الناس الطب كمهنة لأنّهم ألهموا من قبل طبيبٍ آخر في عائلتهم ومحيطهم الاجتماعي، تلك الرغبة العارمة في السّير على خطى شخصٍ تحبّه طريقةٌ رائعة للعثور على وظيفة مضمونة نوعاً ما، ولكن إذا كان السّبب الوحيد لدراستك الطب أن تكون مثل طبيب الأطفال المحبوب في حيّك أو أنّك معجبٌ بعمل منظمة أطبّاء بلا حدود، أو شاهدت المسلسل الطبيّ الشهير Dr House، عليك هنا أن تعيد حساباتك وتترك تأثّرك وانجذابك العاطفيّ جانباً وتتخذ قراراً عقلانياً منطقياً.

إنّ الكلام المنمّق عن الإنسانيّة الذي يتغنّى به بعض الطلبة والأطباء بين حين وآخر، كالرغبة في مساعدة الآخرين وإحداث فرق في حياتهم، وردّ الجميل والعرفان وما إلى ذلك، لن تحصد منه شيئاً إذا لم يكن لديك الدافع والمهارات لإكمال الدراسات الشاقّة والطويلة، وهنا لن تخدمك العواطف والانجذابات الآنيّة بل ستجد نفسك محبطاً وخائب الأمل. لا يحتكر الأطباء الرحمة والإنسانية في هذا الكون، وإذا كنت تريد مهنةً من شأنها أن تحدث فرقاً وتغييراً في حياة الناس، فدراسة الطب ليست الخيار الوحيد.

ربط الثّراء الفاحش بمهنة الطب

تلك الخرافة الأشيع أنّ الأطباء يكسبون الكثير من المال ويحقّقون الثّراء السريع ببضع سنوات، عاريةٌ تماماً عن الصّحة، فوراء كلّ عملةٍ نقديّة يكسبها الطبيب، 11 عاماً على الأقل من رحلة التعلّم والتدرّب ما بعد مرحلة الثانويّة، ساعاتٌ وأسابيع وسنواتٌ من العمل المضني، والكثير من التضحيات الشخصيّة والعائليّة فضلاً عن الكمّ الهائل من الديون الطلابيّة، فإذا كان طموحك وأملك معقوداً على وهم العائد الماديّ، فأنت بحاجةٍ إلى اتخاذ خطوةٍ كبيرةٍ للخلف لتدرك الحقيقة.

بالطبع يمكن أن يصنع بعض الأطباء في مجالاتٍ معينة مبالغ مذهلة من المال، لكنّهم نادراً ما يحصلون على ذلك بشكلٍ مباشر من كليّة الطّب. أمام ذلك الإرهاق والعمل الشّاق بدون مكافأة، ومع ارتفاع تكاليف كلية الطّب، وزيادة الضغط من شركات التأمين، والقوانين الصارمة والتّهديدات التي تلوح في الأفق على خلفيّة الأخطاء الطبيّة.

فإذا كنت مهتمّاً بالعلوم البيولوجيّة، ولكنّك تولي اهتماماً أكبر للأرقام الموجودة في حسابك المصرفي من تلك الموجودة في مخطّطات وملفات المرضى، عليك أن تغيّر اتّجاه رحلتك عن دراسة الطب، وتفكّر باختصاصٍ آخر يحقّق مبتغاك كالتكنولوجيا الحيويّة أو إدارة الأعمال.

يمكن أن يكون الطّب مهنةً رائعة ولكنّها صعبةٌ ومحفوفة بالكثير من المخاطر والمسؤوليات التّي ستقع على عاتق صاحب القرار. على الجانب المشرق الآخر لن ننسى الأفراح والمسرّات المتلازمة مع كلّ ما ذكر، لكن جميعها يأتي بثمن، وستحتاج إلى الموافقة بكامل حرّيتك وإرادتك التامّة على هذه التكلفة الثمينة.

اقرأ أيضاً: تخصص طب الأطفال: معلومات مفصّلة عن أسعد التخصّصات الطبيّة

0

شاركنا رأيك حول "5 أمور إن كانت دافعك الوحيد لدراسة الطب فلن تنقذ البشرية بل ستدمّر نفسك"