0

في إحدى الأيام عام 1888، بينما كان السيد “ألفريد نوبل” يتصفح إحدى الصحف الفرنسية بحزن لقراءة نعي شقيقه “لودفيج”، وجد هذه العبارة الصادمة “رحل تاجر الموت” واسمه. لقد خلطت الصحيفة بين ألفريد وشقيقه. وفي تلك اللحظة، راجع حساباته، وتساءل: هل ستتذكره الناس فيما بعد بالعالم الفذ أم القاتل المجرم؟ لقد كان يعتقد أنه من دعاة السلام، وصنع الديناميت لصالح البشرية وليس العكس. وتذكر ما حدث قبل ذلك بأعوام كثيرة.. لتكون بذلك هذه الخاطرة الصغيرة، الشرارة الأولى لفكرة الجدل ما بين العلم والأخلاق..

حادث غير مقصود

“رحل تاجر الموت”

عام 1964، بينما كان السيد “ألفريد” يعمل في مختبر مصنع عائلة نوبل، حدث انفجار ضخم في المصنع، بسبب ارتفاع حرارة الوعاء الحاوي على مادة النيتروجلسرين التي اكتشفها عالم الكيمياء العبقري “اسكانيو سوبريرو” قبل عقود من الحادث. تسبب الحادث في مقتل 5 أشخاص من ضمنهم شخص يُدعى “إميل”، وهو شقيق ألفريد، الذي حزن كثيرًا على ذهاب أخيه من الحياة، وقرر تسخير مادة النيتروجلسرين في الصناعات المفيدة، حتى توّصل إلى اختراع الديناميت.

لكن القصة لم تنته هنا، هناك جانب مظلم ومأساوي أكثر، ومن رحم المأساة وُلد حدث عالمي ضخم، حسنًا، سنعود إلى القصة بعد قليل، لكن قبل ذلك، لنعد للوراء قليلًا عندما خرج العلم في زي جديد متحرر من القيود الاجتماعية، فأخذ المجتمع العالمي إلى مكان آخر..

الثورة العلمية.. عندما خرج العلم من مجلس العلماء إلى ساحة العامة

اندلعت الثورة العلمية بداية من القرن السادس عشر الميلادي، وخرج كثير من العلماء بمفاهيم غريبة على البشر وقتها، منها:

  • اكتشاف عالم الفلك “كوبرنيكوس” بأنّ الأرض ليست محور الكون، ولكنها جرم سماوي يدور حول الشمس في نظام مُحكم. كان ذلك عام 1543.
  • عام 1628، خرج الطبيب الإنجليزي “ويليام هارفي” بالنتائج التي توصل إليها عندما اكتشف الدورة الدموية في جسم الإنسان.
  • وفي أواخر ستينيات القرن السابع عشر، خرج عالم الفيزياء والفلك “إسحاق نيوتن” بنظريته الشهيرة المتعلقة بالجاذبية.

كان للأخير -وهنا أعني نيوتن- دور بارز في تاريخ العلم، فقد تسبب في فصل العلم عن الفلسفة، ونشأ مصطلح “العالِم” بعدما كان يُسمى “فيلسوف الطبيعة”. وبدأ المنهج العلمي التجريبي في الظهور وأصبح هو أساس البحث العلمي اليوم.

في تلك الأثناء، اهتم العلماء بنشر العلم بين الناس، على طريقة العلوم للعموم “Pop science” في كتب مُبسطة. ربما خروج بعض النظريات أثار استياء الناس، بسبب تضارب هذه النظريات مع العقائد، فقد سيطرت الكنيسة في أوروبا قبل ذلك أثناء العصور الوسطى على العلم والفلسفة، قبل أن تأتي بعض النظريات المثيرة للجدل. منها:

نظرية كوبرنيكوس، التي غيرت المفاهيم السائدة حول الكون، وما أثار الحفيظة حقًا كانت نظرية التطور التي خرج بها عالم الأحياء الإنجليزي الشهير “تشارلز داروين”، فقد طعن البشر في كبريائهم ومعتقداتهم ومفاهيمهم، وما زالت هذه النظريات موضع جدلٍ حتى اليوم.

تُعد الثورة العلمية نقطة فارقة في تاريخ البشرية، حيث تحرر العلماء من قيود المجتمع وانطلقوا بعقولهم نحو كل الاحتمالات، ما أسفر عن نظريات غيرت التاريخ ودفعت البشر نحو الرقي وفهم الماضي وتطوير الأدوات التي ساعدت في اكتشاف ألغاز الطبيعة والكون، وتحسن مفهومنا لكل شيء. لقد أجبرنا العلم على التطور وما زال يذهلنا كل يوم. ولكن..

بعيدًا عن الأخلاق.. كيف أثر العلم على المجتمع؟

لقد تدخل العلم في جميع نواحي الحياة -تقريبًا- وسأذكر الآن بعض الأمثلة على الأبرز:

تسهيل عملية السفر والتنقل

منذ عدة قرون كان الرحالة يستغرقون وقتًا طويلًا في السفر والتنقل، ربما كانت تستمر رحلات التجارة لموسم كامل أو موسمين بسبب المسافات الشاسعة بين البلدان، ولا يملك المسافر أي وسيلة تعينه على السفر إلا ناقة أو حصان وغيرهم من الحيوانات المسخرة وقتها لهذا الغرض. أيضًا لم يكن هناك رفاهية المسكن ليلًا، فقد شاع استخدام المخيمات في مثل هذه الرحلات، ولا حاجة لذِكر المخاطر المحتملة مثل اللصوص أو الحيوانات المفترسة، فهذا أمر مألوف. ما أردت قوله إنّ سفر الإنسان كان محفوفًا بالمخاطر وقتها بطريقة قد لا ندركها.

أما الآن، وفي ظل التقدم الهائل في العلم والتكنولوجيا، تستطيع السفر إلى أي دولة مهما كانت بعيدة خلال ساعات بدلًا من أيام أو شهور. وعادةً ما تكون رحلات السفر هذه أكثر راحة وأمانًا إلا في ظروف طارئة نادرة خارجة عن السيطرة.

تحسين التواصل بين الناس

“لم يُطلق عليه عصر السرعة من فراغ!”

في عصرنا الحالي، وبسبب التقدم الهائل في العلم والتكنولوجيا، استطاع البشر التواصل مع أصدقائهم في أي مكان حول العالم من خلال وسائل التواصل الاجتماعي المتاحة عبر الشبكة العنكبوتية أو الهواتف الذكية، وبفضل هذه الاختراعات استطاع البشر توفير الوقت الذي يستغرقه البريد حتى يصل إلى أي بقعة بعيدة على سطح الأرض، وصار التواصل أسرع وأكثر جودة.

تطور الطب والصحة العامة

أتذكر في أحد أيام الإجازة الصيفية، كنت في الثامنة أو التاسعة من عمري -لا أتذكر بدقة- استيقظت من النوم، وجاءت عيني على المرآة، فوجدت وجهي مملوءًا بالحبوب الغريبة، ذهبت لأمي فورًا وأخبرتني ألا أقلق، إنه جدري! وذهبنا إلى الطبيبة المعالجة وأعطتني بعض الأدوية، وخلال أيام قليلة تحسن وضعي وذهبت الحبوب. لكن الغريب أنّ نفس المرض كان قاتلًا في وقت من الأوقات، ولا يسلم صاحبه أبدًا، وينتهي به الأمر في مقبرة العائلة. حتى أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، عندما صنع الطبيب الإنجليزي “إداورد جينز” أول لقاح ناجح لمرض الجدري، وخلص العالم من هذا الوباء القاتل.

وفي القرن العشرين، تحديدًا عام 1928، قرر عالم الأحياء البريطاني “ألكسندر فيلمنج” الذهاب في إجازة، تاركًا مختبره وبعض تجاربه، وعندما عاد، لاحظ شيئًا غريبًا، لقد تحللت البكتيريا العقدية التي زرعها قبل ذهابه بالقرب من فطر البنسيليوم، فاستنتج أنّ هذه الفطريات تفرز مادة فعّالة ضد البكتيريا، واندلعت ثورة المضادات الحيوية الشهيرة. بالمناسبة، لقد حصل ألكسندر على نوبل في الطب والفسيولوجيا عام 1945 بفضل هذا الاكتشاف الذي كان وليد الصدفة البحت.

وفي عصرنا الحالي، بفضل التقدم العلمي، استطاع العلماء التوصل إلى بعض اللقاحات الفعالة لوباء كورونا، أو لإنقاذ الموت على الأقل، ليس كما حدث في العصور السابقة، إذا أُصيب الشخص بالوباء، فلا حاجة لشيء إلا الدعاء.

هناك العديد من الأمثلة الأخرى الحاسمة في تاريخ الطب الحديث، لكنها تحتاج إلى كتاب لسردها كلها، لكن يكفي ذكر أنه خلّص البشر من الأمراض المميتة، وأوجد لهم أدوات مهمة مثل الأشعة السينية والتصوير بالرنين المغناطيسي وأجهزة تنظيم ضربات القلب والأدوات الجراحية المهمة، وما زالت إمكاناته تتطور وتقنياته تدهش العالم يومًا بعد يوم.

تحسين جودة الزراعة

في العصور القديمة، اعتمد الإنسان على الصيد، لكنه قرر الاستقرار على ضفاف الأنهار وبدأ في الزراعة، ومن هنا نشأت الحضارات، فقد كانت الزراعة بمثابة شرارة الانطلاق لنقل الإنسان إلى كرسي التحضر والرقي. حتى اليوم ما زالت الزراعة واحدة من أهم المجالات التي يهتم بها العالم والعلم أيضًا.

جاء العلم بمميزات كثيرة للمزراعين، حيث شاركهم الباحثون بالممارسات الفعّالة لتحسين جودة الزراعة وتسمين المواشي بطرائق صحية تمامًا. وقدمت الهندسة الوراثية حلولًا لتطوير البذور وتحسينها، وبالتالي يصبح المحصول النهائي أكثر جودة. وانتشرت البرامج التعليمية التي نشرت الوعي بين المزارعين حول الاستخدام الجيد للأراضي الزراعية وتطبيق نظامي الري بالتنقيط أو بالرش. إضافة إلى الآلات الزراعية الحديثة مثل: آلة بذر البذور والجرار والدراسة.. إلخ، تلك الآلات وفرت وقتًا ومجهودًا للمزارع، ووفرت له الراحة بدلًا عن العمل الشاق.

العلم والأخلاق معًا: تعليم أفضل، مجتمع أرقى!

ربما التمسنا فضل التكنولوجيا في مجال التعليم أكثر بعد حلول جائحة كورونا. ففي الماضي، عندما يجتاح العالم أي وباء، كانت العملية التعليمية تقف تمامًا، مثلما حدث مع عالم الفيزياء والفلك الشهير “إسحاق نيوتن”، عندما حل الطاعون على بلاده ولزم المنزل أثناء الحجر الصحي ومن هناك خرج بنظريات فارقة في تاريخ البشرية، لكن ليس كل الناس نيوتن، ما يعني أنّ العملية التعليمية عبر الإنترنت ساعدت في تحصيل الطلاب بنجاح واستكملوا الدراسة من المنزل. يوفر الإنترنت عددًا من المميزات الأخرى المساعدة في عمليات التعليم والتعلم مثل: المكتبات الإلكترونية وبرامج التواصل الفعال أثناء المحاضرات وغيرهم.

من هذا كله نخلص إلى أنّ العلم له فضل كبير في تقدم البشر وتطوير حياتهم للأفضل، لكن مهلًا، هذا ليس كل شيء..

بين العلم والأخلاق: نموذج من الجانب المظلم.. عن أوبنهايمر!

بدأت القصة عندما اجتمع الرئيس الأمريكي “روزفلت” بالعلماء والعساكر، ليخبرهم بتطوير القنابل النووية، استعدادًا للحرب العالمية الثانية التي ستشارك فيها الولايات المتحدة الأمريكية، ونشأ مشروع مانهاتن، بقيادة دكتور “روبرت أوبنهايمر“، وهو عالم فيزياء عبقري، استطاع هو وفريقه تطوير نوعين من القنابل النووية، وكانت النهاية مأساوية.

عندما صرخت هيروشيما واستنجدت ناغازاكي.. لكن لم يسمع أحد.

خرجت القنابل الذرية والنووية من مختبر العلماء وليس القادة والمحاربين، ربما كان هذا الفعل بأوامر من القيادات، لكنها تركت وصمة -وليس بصمة- في تاريخ الإنسانية، خاصة بعد حادث هيروشيما وناغازاكي، كلما قرأت عن تأثير الحادث وكيف أودى بحياة كثير من سكان اليابان وترك بعضهم في تشوهات دائمة، ازدادت دهشتي لما حدث. إنّ اليابان نفسها هي التي استخدمت العلم للتطور حتى وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم! ربما تعلمت من الدرس، حتى صارت كوكب اليابان.

لم تكن الولايات المتحدة هي فقط التي تعي أهمية العلم في الحروب والنزاعات، لقد كان الدافع في الأساس لصنعها القنابل النووية هو إعلان الرئيس الألماني هتلر أنه سيستخدم القنابل النووية التي عملت عليها ألمانيا منذ ثلاثينيات القرن الماضي. وفي النهاية مات الأبرياء فقط بين صراعات السلطة التي لا تنتهي..

على كل حال، لم يكن أوبنهايمر في حالة جيدة، خصوصًا في أيامه الأخيرة، لقد اتُهم بالإجرام لأنه صنع هذه القنابل التي قتلت نحو 100 ألف مواطن ياباني، وحجز اسمًا في القائمة السوداء للعلماء. نفس الأمر حدث مع صديقنا الأول “ألفريد نوبل”، لكن نعيه جعله يفيق. ليكون بذلك أحد أشهر الأسماء في صراع العلم والأخلاق.

صورة لدكتور “روبرت أوبنهايمر”

حسنًا، لنعد إلى قصة ألفريد نوبل، توقفنا عند اختراع الديناميت الذي يُعد متفجرًا يمكن استخدامه بأمان. وتزايدت الطلبات عليه من الشركات المختلفة حول العالم، حيث استُخدم في كثير من الأعمال المفيدة، مثلًا أعمال البناء والهدم والتعدين وغيرهم. وأصبحت خزانة ألفريد خيالية.

لم يُستخدم الديناميت للأعمال المفيدة فقط، لقد كان سلاحًا ذا حدين، أحدهما بشع، حيث استُخدم أيضًا في تطوير القذائف والمتفجرات الحربية. واندلعت حروب كثيرة كان الديناميت عنصرًا فعّالًا فيها، ما أسفر عن مقتل آلاف الأشخاص حول العالم. حتى جاءت اللحظة الفارقة عندما كتبت الصحيفة نعيه بالخطأ.

اقرأ أيضًا: توقع السلوك الإجرامي لدى الأطفال.. كيف يمكن للأهل أن يمنعوا جرائم أبنائهم المستقبلية؟

في محاولة تقديم اعتذار للبشرية.. وُلدت جائزة نوبل!

ظل نوبل يفكر كيف يغير اسمه في التاريخ الأفضل، حتى توّصل إلى حل ممتاز. عام 1893، كتب وصيته المكونة من 4 صفحات، أوصى بذهاب نحو 94 % منها إلى مؤسسة نوبل. (لاحظ أنه في ذلك الوقت، كان يمتلك أكثر من 100 مصنع للأسلحة والذخائر، ما يعني أنها ثروة خيالية حقًا).

كان هدفه ترك بصمة إيجابية، ومكافأة أولئك الذين قدموا فوائد ملموسة للبشرية في مجالات مختلفة. وفي 27 نوفمبر 1895، وضع توقيعه على الوصية بذهاب 35 مليون كرونة سويدية إلى المؤسسة.

بهذا الفعل، غيّر نوبل أحداثًا كثيرة من ضمنها طريقة نعيه وذِكراه، لقد ثبت اسمه في قائمة العظماء وصار رمزًا من رموز السلام، بعدما نُعي بتاجر الموت. وأدرك حقًا أنّ العلم سلاح ذو حدين.

وأخيرًا.. هناك العديد من الابتكارات والاختراعات والاكتشافات التي تُسجل كل يوم تقريبًا، لكن السؤال، كيف سيستخدم البشر هذه الاختراعات؟ هل في الخير أم الشر؟ هذا يرجع لضمير العلماء، ما يجعل العلم والأخلاق معًا، تحت لواء العدالة الإنسانية.

0

شاركنا رأيك حول "العلم في ميزان الأخلاق: بين صناعة القنابل الذرية وإنتاج اللقاحات!"